غني عن البيان الاهتمام الكبير الذي حصلت عليه العملات الإلكترونية (Crypto currencies) وهو مجال يجب علينا حتما دخوله والتعرف عليه. يبدو أنه سيأتي يوم عن قريب يخسر فيه الذهب مكانته لصالح بتكوين وأخواتها، أو ربما لا، لكنها ستكون رحلة مثيرة جديرة بالمتابعة!

في سلسلة مقالات قصيرة تالية، سأشارك معكم ما أتعلمه في هذا المجال، وهنا سأعرض أسماء أشهر المدونين في هذا المجال والذين تابعتهم وتعلمت منهم واخترتهم لكم.

اقرأ المزيد
برجر كنج ضد ماكدونالدز

في مساء يوم الخميس الموافق 24 سبتمبر 2020 الماضي، أطلقت سلسلة محلات برجر كنج في الدانمارك (رابط موقعهم) حملة تسويقية شيقة حملت اسم The Whopper Reply تقوم على الرد على كل تعليق وكل سؤال سبق وطرحه محب لشطائر / سندويتشات البرجر الشهيرة ولم يحصل على رد أو إجابة – في ربوع انترنت عامة وصفحة ماكدونالدز على فيسبوك خاصة.

هذه الرغبة جاءت بعد أن لاحظت برجركنج أن أصدقائهم في المطعم المنافس ماكدونالدز لا يردون بشكل منتظم على أسئلة متابعي صفحة ماكدونالدز على فيسبوك ولذا أرادوا “المساعدة!”

بدأت الحملة بأن قام فريق عمل متخصص من برجر كينج بالرد على كل التعليقات والأسئلة التي سبق وطرحها محبو سندويتشات البرجر في الدانمارك، بأسلوب ظريف وكوميدي، مع ختام كل تعليق بعرض مجاني للحصول على ساندويتش وبر (أو آخر نباتي لمتبعي الأكل النباتي) من أي فرع من فروع برجر كينج في الدانمارك.

اقرأ المزيد
ناثان باري أربع خطوات موقع مليار دولار

نشر ناثان باري في مدونته موضوعا أجده شديد الأهمية، للمبرمجين والمشاهير والمدونين خصوصا، وللعصاميين عموما. لكن قبلها، من هو ناثان باري Nathan Barry؟

مثله مثل حال كثير منا، كان باري موظفا نجيبا وزوجا محبوبا. قرر في 2009 أن يتعلم برمجة المواقع وبدأ العمل على موقعه، ومن ثم مدونته، وبدأ ينشر تدوينات قصيرة بسيطة عما يتعلمه في حياته.

أراد ناثان تعلم برمجة تطبيقات آيفون وآيباد، وبدأ بأن صمم تطبيقا مخصصا لمن يواجهون صعوبة في / عدم قدرة على الكلام، بحيث يختارون خيارات محددة ثم يقوم التطبيق بنطق جملة معدة مسبقا ليساعدهم على التواصل مع من حولهم.

اقرأ المزيد

في عام 2012 اشتهر أصحاب مزارع دواجن في كينيا، تمكنوا من حل مشكلة عويصة جدا بطريقة ذكية جدا، استخدموا فيها اللون الأرجواني.

عانى المربون من افتراس الطيور الكواسر لأفراخ الدجاج التي خرجت لتوها من البيض، وكان المزارع الواحد يخسر أكثر من 80% من الكتاكيت التي يربيها، حيث تفترسها الصقور والنسور الجائعة.

كان الحل السائد هو حبس الكتاكيت في عشش ضيقة لحمايتها من أي حيوان مفترس جائع، وهو أمر مكلف نسبيا وله مخاطره بدوره.

ذات يوم قرر مزارع كيني أن يصبغ صغار الدجاج باللون الأرجواني، على أمل أن تخطئها أعين الطيور المفترسة، وهو ما حدث فعلا.

اقرأ المزيد
أنا أحب نيويورك أو "I ♥ NY"

في فترة السبعينيات الماضية، عانت مدينة نيويورك من أزمة مالية طاحنة كادت تؤدي لإعلان إفلاسها لولا شنها حملة تسويقية شعارها أنا أحب نيويورك أو “I ♥ NY” والتي نجحت نجاحا طاغيا استمر أربعين سنة ونيف. هذا النجاح الكبير له قصة أكبر وجب على شبايك أن يحكيها لكم بشكل وافي كافي وليس على عجالة.

حال مدينة نيويورك في حقبة السبعينات

كانت الجريمة في أعلى معدلاتها المسجلة (حتى أن نيويورك وقتها اعتلت قائمة المدن الأمريكية ذات أعلى معدل جرائم في الولايات المتحدة كلها). حين انقطع التيار الكهربي عن قطاع كبير من المدينة في عام 1977 انتشر السلب والنهب بسرعة الريح، وقبضت الشرطة على 4500 متهما فقط خلال فترة انقطاع الكهرباء، الأمر الذي جعل أرقام السياح الوافدين إلى المدينة تنخفض بشدة، خاصة في ظل التعامل الفظ للمواطنين مع السياح في المدينة. فوق كل هذا، رفض الرئيس الأمريكي (وقتها) فورد منح دعم فيدرالي لإنقاذ المدينة من إعلان إفلاسها.

كيف جاء الحل؟

لتجنب الإفلاس، طلبت إدارة التنمية الاقتصادية لنيويورك من شركة دعاية (ويلس ريتش جريني –  Wells Rich Greene) تصميم حملة إعلانية موجهة للسياح، لزيادة أعداد السائحين لزيادة الدخل العام للمدينة، وكانت المينزانية الكلية 400 ألف دولار أمريكي.

عند إجراء أبحاث السوق وجد فريق التسويق رفضا قاطعا من مجموعات السياح الذين عرضوا عليهم فكرة زيارة نيويورك. حتى بعد تعديل السؤال إلى هل ترغب في زيارة مطاعم نيويورك وأشهر محلاتها وفنادقها وغير ذلك، كان الرفض سائدا بدوره، حتى جاء الفرج في صورة إجماع السياح على رغبتهم في زيارة أشهر مسارح نيويورك، برودواي.

ما إن جاء ذكر زيارة مسارح برودواي حتى انفرجت أسارير السياح وأشرقت وجوههم وأعلنوا رغبتهم في زيارة هذه المنطقة ذات الشهرة الراقية. (لتوضيح الأهمية، هذه المسارح وحدها تساهم في دخل الولاية بحفنة من مليارات الدولارات كل عام)

نتيجة أبحاث السوق، نكره المدينة و نعشق مسارحها

كانت حصيلة دراسة السوق هي كراهية نيويورك + حب برودواي. حتى بعد تكرار الدراسة على عينات أخرى من السياح، جاءت النتيجة واحدة.

بالطبع، لم يكن من الممكن زيارة مسارح برودواي دون زيارة نيويورك ذاتها. لذلك حولت شركة الدعاية جوهر حملتها الدعائية من زيارة نيويورك إلى زيارة برودواي.

لضمان نجاح الحملة الإعلانية وفي ظل نتائج أبحاث السوق والسياسة الجديدة، نجحت شركة الإعلانات في إقناع المسؤولين الحكوميين بزيادة ميزانية الإعلانات إلى 4 مليون دولار – لا تنس أن الوقت كان نهاية حقبة السبعينيات وكانت الإدارة الحكومية على وشك الإفلاس، وهذه الزيادة كانت ثقة في العوائد المتوقعة للحملة الإعلانية.

ميلاد شعار أنا أحب نيويورك أو “I ♥ NY”

في أول إعلان صورته شركة الدعاية، جاءت بأشهر الممثلين على مسارح برودواي وهم يغنون أغنية جديدة (وقتها) اسمها أنا أحب نيويورك وكان الإعلان بالكامل مخصصا للدعاية لمسارح برودواي ولباقات السياح لزيارة هذه المسارح.

تشير التفاصيل إلى أن شركة الدعاية لم تنفق الكثير على تلحين الأغنية القصيرة، وحتى الشعار المصور جاء من مخيلة مصمم هبط عليه الإلهام وهو جالس في سيارة أجرة في نيويورك ورسمه على مظروف ورقي صغير كان في جيبه. هذا المصمم (ميلتون جليسر) وظفته إدارة التنمية الاقتصادية لنيويورك خصيصا للوصول إلى شعار مناسب لهذه الحملة.

بسبب بساطة الشعار، وافقت شركة الدعاية فورا على استخدامه. عندها عاد هذا المصمم ليضع لمساته الفنية الأخيرة على الشعار والذي اشتهر لمدة 40 سنين أو يزيد بعدها، أمر لم يكن أحد ليتوقعه ساعتها.

البساطة وعدم التعقيد – أمر لو تدري عظيم

شعار بسيط، أغنية بسيطة المعنى سهلة الكلمات، دعاية لمكان مرموق مشهور محبوب… ميزانية إعلانية كافية…

خلطة سحرية ذات احتمال نجاح كبير…

رغم أن الحملة استهدفت السياح من خارج نيويورك، لكنها لمست وترا حساسا لدى سكان المدينة أنفسهم، والذين بدأوا يشعرون من جديد بالفخر بمدينتهم، الأمر الذي دفعهم للارتقاء بأفعالهم مما ساهم بدوره في تقليل قبح المدينة.

رغم أن الحملة استهدفت السياح من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الإعلانات السمعية والمرئية اشتهرت وتخطت الحدود الجغرافية وعرفها العالم، ساهم في ذلك انتشار استخدام الشعار المكتوب على هدايا تذكارية عديدة وكثيرة.

بدأت حملة أنا أحب نيويورك الإعلانية في عام 1977 واستمرت لعقود، وعلى الرغم من نجاحها في البداية، إلا أنها واجهت مقاومة عنيفة في عام 1980 من باقي القطاعات السياحية في المدينة والتي رأت الإعلان قاصرا على المسارح وحسب. لولا ثبات إدارة المدينة واستمرارهم في استخدام الإعلان لربما لم يحقق كل هذا النجاح والانتشار.

وفقا لمقالة منشورة في 1995 في جريدة نيويورك تايمز، حققت حملة أنا أحب نيويورك عوائد قدرها 22 دولار لكل دولار أنفقته الإدارة لعمل هذه الحملة، وهذا نجاح إعلاني كبير في حد ذاته.

حين وقعت أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، وامتنع السياح عن زيارة نيويورك، عادت المدينة لاستخدام ذات الأغنية وذات الشعار من جديد، والذي كرر نجاحه مرة أخرى… طاقم من أشهر ممثلي مسارح برودواي يغني الأغنية الشهيرة ويدعو الناس لزيارة المسارح – لا المدينة!

هذه المرة أضافوا جملة مؤثرة للأغنية – دعونا نكمل العرض المسرحي أو – Let’s go on with the show وهي جملة شائعة بين الناس، تحمل معاني التفاؤل والرغبة في الوقوف بعد الوقوع…

من عزوف السياح عن زيارة نيويورك إلى أكثر من خمسين مليون سائح سنويا (والرقم في زيادة مستمرة) بفضل دراسة سوق ورؤية تسويقية واعية وحملة إعلانية ذكية.

حتى اليوم، يجلب شعار أنا أحب نيويورك أو “I ♥ NY” أرباحا للمدينة مقابل الحقوق الفنية لاستخدامه في مختلف دول العالم.

هل كانت حملة أنا أحب نيويورك وحدها كافية لتحويل المدينة كلها؟ بالطبع لا، إذ تزامن معها جهود أخرى لإصلاح أحوال المدينة وسكانها، تجد تفاصيلها في تدوينتي السابقة والتي حملت عنوان نظرية النوافذ المحطمة – أو كيف تحولت نيويورك من قلعة الإجرام لمدينة النظام.

على الجانب

مؤخرا بدأت ألاحظ تكرار انتقادات (أو سمها ملاحظات) على قصص النجاح بشكل عام وكيف أنها مثل المخدر شديد المفعول سريع الانتهاء. في الأغلب، سبب هذه الانتقادات هو أن قصص النجاح هذه تأتي من خارج البيئة العربية، لا يمكن تكرارها، وكل هذه الأسباب.

بداية، أجتهد كثيرا ليكون ما أرويه هنا هو أحداث واقعية وقعت بالفعل، يمكنك البحث بنفسك والتأكد من تفاصيلها.

ثانيا، هل يمكن تكرار مثل هذه القصص في عالمك وزمانك؟ هذه تجيب أنت عليها، ولا يعيب القصة إذا جاء ردك بالنفي، وليس هذا مبررا كافيا لتحكم عليها بأنها قصص خيالية لا فائدة منها.

ختاما، هذه المدونة وما تحويه هي محاولة ضعيفة لتغيير الحال والواقع للأفضل. تصيب أحيانا وتخطيء أحيانا أخرى وهذا ديدن البشر. خذ منها ما يفيدك واترك ما عداه. ما حكمت أنه مخدر ربما كان الدواء لغيرك، فلا تسرع في الحكم بعدم جدواه.

إذا أردت المزيد من قصص التسويق من نيويورك، أنصحك بقراءة التدوينة تسعون دقيقة من التكييف – أبرد أفلام الصيف في نيويورك