روز بلمكين

روز بلمكين رائدة البيع بالتخفيضات التي اشترى وارن بافيت شركتيها الاثنتين

روز بلمكين (أو السيدة بي أو مسز بي) مهاجرة يهودية الديانة روسية الأصل أمريكية الجنسية مواليد عام 1893، استطاعت أن تؤسس شركتين ناجحتين وتبيعهما إلى أحد أكبر رموز الأعمال في العالم: وارن بافيت.

سكنت عائلة روز منطقة نطلق عليها اليوم اسم بيلاروسيا، وكانت العائلة شديدة الفقر يجاهد كل أفرادها لكسب قوتهم. كان لبطلتنا روز سبعة من الإخوة والأخوات، وكان لزاما عليها العمل في محل بقالة والدتها لتساعد العائلة لكسب قوت يومها. حين بلغت 16 عاما، كانت تدير 6 عاملين في محل البقالة والذي تعرفت فيه على زبون يعمل بائع أحذية أصبح فيما بعد زوجها وعمرها 20 سنة.

روسي آخر يهرب من الحرب

هربا من انخراطه في الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الأولى سبقها زوجها في الهجرة لأرض الفرص، ثم في عام 1917 هاجرت روز بلمكين لاحقة بزوجها إلى الولايات المتحدة من بلدها بيلاروسيا، واستقرا بعد تنقل من مدينة لأخرى في أوماها، ولاية نبراسكا. لهذا الهروب تفاصيل مثيرة، إذ بعدما سبقها زوجها لأمريكا، تبعته هي من خلال ركوب القطار عبر ربوع روسيا ثم الصين ثم اليابان ثم ركوب المحيط على ظهر سفينة شحن ثم بلوغ شواطئ أمريكا.

كانت بدايتها في الغرب الأمريكي صعبة جدا حيث كانت لا تعرف شيئا نافعا من اللغة الإنجليزية والفقر ضيف ثقيل. كل ما كانت تملكه من خبرة عملية هو مساعدتها صغيرة لأمها في محلها للبقالة. حين لحقت بزوجها، وجدته يعمل في جمع القمامة فطلبت منه أن يجد تجارة أفضل تدر ربحا أكبر لكي تتمكن من جلب بقية أسرتها لأرض الأحلام – أمريكا. من أجل ذلك قررت الأسرة الصغيرة الانتقال إلى مدينة أوماها. بعد مرور عامين على ذلك، تمكنت روز من جمع شمل أسرتها كلها.

لماذا أوماها؟

لكن يا قارئ مدونة شبايك العزيز، لماذا اختارت الأسرة مدينة أوماها تحديدا؟ ما وجدته من إجابة أن هذه المدينة احتضنت عددا لا بأس به من المهاجرين الروس واليهود، الأمر الذي ساعدهم على البدء وشق طريقهم وتثبيت أقدامهم.

ثم حل الكساد الكبير على الاقتصاد الأمريكي وخسر الملايين وظائفهم وساءت الأوضاع المالية للغاية على الجميع. كانت على روز و زوجها التفكير في حلول جديدة لتجاوز هذه السنوات العجاف. في هذه الأوقات كانت روز تتعلم اللغة الانجليزية من أولادها الذين ذهبوا للدراسة وتعلموا اللغة ثم علموها لأمهم.

تفتق ذهن روز عن شراء الملابس المستعملة ثم إعادة بيعها بأسعار متدنية. للتسويق للفكرة، طبعت روز ووزعت أكثر من 10 آلاف منشور دعائي لمحل زوجها. من قام بالتوزيع؟ أطفالها وأطفال الحي وأطفال الجيران بمقابل مالي. راقبت روز هذا الجيش الصغير من الموزعين عن كثيب. نظرا لخبرتها المكتسبة من عملها في بقالة والدتها، كانت لا تدفع إلا للجادين من الموزعين. هذا الأمر أعطاها جيشا من خبراء الإعلان. الأمر الذي فادها كثيرا بقية حياتها العملية.

بعدها أدركت روز أن هناك فرصة كبيرة في سوق الأثاث المنزلي في أوماها. لذا قررت في عام 1933 تأسيس شركة “نبراسكا فرنتشر مارت” (أصبح الاسم فيما بعد NFM) في قبو متجر زوجها وخصصت رأسمال لهذا المشروع الجديد قدره 500 دولار اقترضتها.

صورة قديمة لمتجر نبراسكا فرنتشر مارت

عداء المنافسين

في وقت كان المنافسون يضعون نسبة ربح 50% كانت روز تضع 10% ربحا فوق سعر التكلفة فقط لا غير. كان جل العملاء من الأمهات الأمريكيات من الطبقة المتوسطة، وكانت هي البائعة الصديقة لهم… حتى أنها اقترضت المال من زبائنها الأمريكيات لتنمي تجارتها!

هذه السياسة جعلتها العدو الأول في المدينة لكل التجار والبنوك. ولذا بدأت الشركات ترفض بيعها أي بضاعة دون دفع كل الثمن، بعدها رفضوا أن يبيعوا لها أي شيء بمال أو بغيره. تذكر روز هذه المعاملة الشرسة إذا دخلت في نقاش حاد مع صاحب شركة رفض البيع لها فقالت له ستخسر شركتك هذه وسأشتريها منك بعد إفلاسك لأن طريقتك في إدارة عملك فاشلة. تحقق ذلك بعد مرور 20 عاما على هذا النقاش الحاد!

بعدها رفع عليها منافس قضية اتهمها فيه بأنها تبيع بأسعار غير عادلة. دافعت روز بنفسها أمام القاضي عن أسعارها وقالت له يا أيها القاضي، أنا أبيع للفقير الذي لا يقدر على الأسعار الغالية. أنا عشت حياة الفقر واعرف ما يمر به الفقير، فما العيب في أن أبيع لهذا الفقير بسعر يناسبه. طبعا ربحت القضية، وفي اليوم التالي زارها القاضي الذي حكم لها في متجرها واشترى منها سجادا بقيمة 1400 دولار أمريكي!!

بعدها اتفق تجار التجزئة في الولاية كلها على قلب رجل واحد وقرروا عدم البيع لمسز بي… فما كان منها إلا واستعانت بالتجار من خارج الولاية والذين سعدوا بملء هذا الفراغ. بمرور السنوات أدرك هؤلاء الممتنعون أنهم هم الخاسرون وأذعنوا لمطالب روز.

عقلية تجارية فذة

لا أريدك أن تظن أنها قصة جميلة كلها نجاحات وترفيه وسعادة وأرباح لا تنتهي، فذلك غير الواقع. كانت بدايات روز صعبة للغاية، وكان الربح الصغير بالكاد يكفي لتلبية المصاريف والنفقات والحاجة للتوسع… ولو تبقى شيئا ربما ذهب لعائلتها التي اتسعت لتضم أربعة من الأبناء، 3 بنات وولد… كلهم كانوا يساعدون والديهم في محلاتهم لكن بجانب دراستهم.

لا تشتر بندقية، استأجرها!

لحل المشاكل العويصة، كانت روز تتغلب على كل المعضلات بابتكار أفكار جديدة تماما – قليلة التكلفة في حل مشاكلها ومشاكل زوجها بدوره!

عمل الزوج في بيع بندقيات الصيد – ضمن أشياء كثيرة باعها. كان أهل أمريكا من محبي صيد الحيوانات في الغابات الطبيعية التي حباهم الله تعالى بها وكان هناك حاجة لهذه البندقيات… لكن أهل المدينة كانوا من زبائن الفقر الدائمين، بالكاد يقدرون على شراء الطعام فما بالك ببندقية…

ولذا قررت روز نشر إعلان في الجرائد قالت فيه: استأجر بندقية صيد مقابل 3 دولار في اليوم، مع دفع تأمين قدره 25 دولار. تلك الفكرة نجحت! هذه الفكرة الناجحة لم تكن الوحيدة.

دعونا نبيع كل شيء بأسعار مخفضة!!

في عام 1951 كانت الأحوال المادية لها ولعائلتها ولشركتها سيئة للغاية… حرب شرسة من المنافسين وبضاعة لا تتحرك وفواتير وجب دفعها وإلا حجز عليها الدائنون. كانت الأوضاع الاقتصادية صعبة على الجميع… فهذه الحقبة شهدت نهاية الحرب العالمية الثانية وتدهور الأوضاع الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب!

في لحظة إلهام (يوريكا) تشابه تلك لصاحبنا أرخميدس مكتشف قانون الطفو… قررت روز تأجير صالة عرض كبيرة ملك لمجلس مدينة أوماها لمدة 3 أيام وأعلنت عن تخفيضات خرافية على كل بضاعتها من المفروشات والأثاث والتي نقلتها من فروعها ومخازنها لهذه الصالة.

كان الكل يشك في جدوى فكرة مثل هذه… هذه الشكوك تبددت تماما حين انهالت عليها طلبات الشراء حتى جمعت ربع مليون دولار حصيلة بيع كل شيء في ثلاثة من الأيام!

هذه الأموال غيرت كل شيء فيما بعد، فلم تعد روز حشرة صغيرة في سوق كبير يتجاهل الحشرات. لقد انضمت لكبار اللاعبين في الحلبة!

اللحظة التي يدخل فيها وارين بافيت مسرح القصة!!

هذه الأفكار ساعدت أيضا روز على التوسع وفتح فروع جديدة حتى باتت “نبراسكا فرنتشر مارت” أكبر سلسلة محلات بيع المفروشات في ربوع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا اللقب لفت انتباه وحش الاستثمار الشهير وارين بافيت. في هذا الوقت كان بافيت راغبا في دخول عالم التجزئة وكانت روز بلمكين الناجحة البداية الجيدة.

روز بلمكين مع شريكها وارين بافيت
روز بلمكين مع شريكها وارين بافيت

في عام 1983 اشترى وارين بافيت 90% من أسهم “نبراسكا فرنتشر مارت” مقابل 55 مليون دولار بشرط بقاء روز ضمن فريق العمل حيث ظلت تذهب إلى عملها كل صباح حتى 1989 والذي قررت فيه روز التقاعد من عملها والجلوس في بيتها..

لماذا تقاعدت؟

السبب وراء ذلك يدعو للحزن. كان من طبع روز توظيف الأبناء، وبدورهم وظفوا أحفاد روز. هؤلاء رأوا أن الجدة بي امرأة من الطراز القديم… غير مؤهلة لعالم التجارة الحديث السريع ولذا بدأوا يتخطوها في القرارات ويخرجونها من الاجتماعات ومن دائرة صنع القرار… شاعرة بالخيانة من ذوي دمها قررت ترك كل شيء لتنزوي في غياهب التقاعد… أو هكذا كنت لتظن…

التقاعد لضعاف القلوب!

لم تمكث روز في وضعية التقاعد سوى 3 شهور حتى شعرت بالتعب والإرهاق والملل، وهي من اشتهر بأنها تعمل بدون أي إجازة أو عطلة أو توقف، كما أنها أرادت الانتقام من أولئك الصغار الذين ظنوا أنها خارج المنافسة ولذا…

في عام 1989، قررت روز تأسيس شركة جديدة منافسة، وافتتحت أول فرع لها في الجهة المقابلة من فرع شركتها السابقة، وتخصصت في بيع بضاعة التصفيات والبضائع القادمة مباشرة من المصنع!!

كانت روز في ذلك الوقت قد تخطت التسعين ربيعا من العمر!

مرة أخرى – استمرت روز في ربح القليل وتوسيع فروعها وتكبير تجارتها وزيادة دائرة نشاطها وتكسب المزيد من الزبائن والصفقات. بعد مرو عامين على الافتتاح، كانت شركتها تحقق أرباحا صافية!

هذه المرة نزع الأحفاد إلى أساليب قذرة لمنع روز من شراء البضائع بأسعار زهيدة، ومرة أخرى تغلبت عليهم روز بأفكار الإبداعية، واستمر النزاع العائلي حتى…

مرة أخرى، عاد وارن بافيت ليشتري الشركة الجديدة مقابل 60 مليون دولار مع احتفاظ روز بحصة إدارية جعلتها تتولى مهاما يومية (مع ضمان عدم منافسة العائلة لبعضها البعض) حتى تقاعدت بمحض إرادتها وعمرها 103 لتفارق الحياة وعمرها 104 في عام 1998. اشتهر عنها مشيها دافعة حامل أسطوانة الأوكسجين التي ساعدتها على التنفس والحركة حتى أصبحت علامة مميزة لها في هرمها.  

أكبر رائدة أعمال في العالم!

بذلك، أصبحت روز بلمكين أكبر رائدة أعمال / انتربينور على قيد الحياة في العالم، وأصبحت قصة نجاحها مصدر إلهام للجميع. لا تدع كونها يهودية الديانة يخيل لك أنها نجحت فقط بسبب دينها أو بسبب مساعدة بقية اليهود أو الروس لها. ما وجدته في قصتها عكس ذلك والله أعلم.

مما قرأته في تفاصيل قصتها وهي كثيرة، سأزعم أن روز بلمكين كانت السبب في نجاح وانتشار واشتهار متاجر التخفيضات والبيع بهامش ربح ضئيل. بل سأقول إنه لربما لولاها ما كانت هذه المتاجر وهذه الأفكار في البيع وصلت إلينا. هذا رأيي الشخصي مما وجدته ولا أزعم أنه الأصح أو الأصدق.

يقول عنها وارين بافيت إنها امرأة مبهرة للغاية، وأنه شعر بالتهديد من قوتها الشديدة في مجال المبيعات، وأنها لو دخلت في منافسة مع أفضل رجال المبيعات والإدارة والتسويق في أمريكا وربما العالم كله، فإنها ستتفوق عليهم في مجالاتهم وتسبب لهم صداعا كبيرا.

روز بلمكين مع منتجها المحبب إليها – السجاد

الدرس الذي نتعلمه من روز بلمكين هو أن الشغف والالتزام وتوفير قيمة حقيقية للعملاء هي مفاتيح النجاح في عالم الأعمال.

روز بلمكين الصديقة – لا البائعة

كان العميل يأتي إلى مسز بي ويقول لها وجدت الثلاجة كذا بسعر كذا في محل كذا… فتتصل بالمورد المحلي وتطلب منه ثلاجة مماثلة وتبيعها لهذا العميل بهامش ربح قليل يجعل سعرها أرخص من ذاك المتجر.

يأتي العميل لها طالبا سجادة لغرفة الأطفال… فتتركه يختار ثم تشير عليه بألوان تتحمل إبداعات الأطفال، تقبل الغسيل والتنظيف لتبقى في مظهر جيد. في هذه المواقف كانت روز بلمكين خبيرة تأثيث لا بيع.

كانت السيدة تأتي لها بمخدة نومها وتطلب منها ألوان تتماشى معها، فتمضي معها الحاجة بي في طرقات المتجر يبحثان معا عن المزيج الأمثل والأفضل، لا الأغلى ولا الأكثر جلبا للربح.

هؤلاء العملاء كانوا أفضل وسيلة تسويق ممكن، بل لعلها أفضل وسيلة تسويق ذكرتها مدونة شبايك في كل تدويناتها عن التسويق وهو ما نطلق عليه التسويق بالمديح.

لا يا صديقي، لم تنته القصة هنا، إذ تخطى التسويق بالمديح حدود الولايات المتحدة فبدأ عملاء مغتربون يطلبون تأثيث مساكنهم خارج أمريكا بأثاث من عند الحاجة بي التي لم تجد أي صعوبة في تحقيق طلباتهم هذه!

العامل وعائلته

كانت روز تطلب من العاملين معها التزام الصدق والأمانة والالتزام بالمواعيد والوعود. من فعل ذلك يتحول من عامل لصديق روز والتي كانت تتعرف على أفراد عائلته كلها وتوافق على طلب العاملين تدريب أبنائهم خلال العطلات. حتى أن أحد العاملين كان لديه ثمانية من الأبناء، عملوا كلهم مع والدهم، لأنهم كانوا أهلا للثقة. الخبرة تأتي بعد ذلك.

على الجهة الأخرى، إذا حدث وأغضب عاملُ عميلا وكان العميل على حق، كانت روز تطلب من العامل أن يرحل قائلة له إنك في المجال غير الأنسب لك وعليك تغيير ذلك.

بع رخيصا و كن ملك الحجم الكبير

شعار روز بلمكين / مسز بي (اللقب الذي اشتهرت به) هو: بع رخيصا، أخبر عملاءك الحقيقة. لا تغش أحدا. ليس الشعار الأجوف الذي تجد شركات كثيرة تضعه في مواقعها على انترنت وفي أخبارها الصحفية ونشراتها الرتيبة على الشبكات الاجتماعية ثم تنساه بالمرة فلا تطبقه ولو من بعيد!

مرات كثيرة باعت مسز بي بسعر التكلفة دون ربح لتكسب العميل. وكانت تهون الأمر على من يعملون معها بقولها إن حجم المبيعات الكبير سيعوض فوات الربح. واستمرت كذلك حتى أصبحت الملكة المتوجة للبيع بكميات كبيرة جدا.

ماذا تفعل حين يشكو الزبائن من كلفة ركن سياراتهم؟

حين ازدحم العمران حول متاجرها، اشتكى إليها الزبائن من تكلفة ركن سياراتهم لزيارة محلاتها فماذا فعلت؟ اشترت الأرض المقابلة للمحل وجعلتها مركن سيارات مجاني. حين ازدادت أعداد الزبائن بسبب الجراج المجاني، اشترت قطعة أرض أخرى وأصبحت متجر المفروشات الوحيد الذي يوفر ركنات مجانية لسيارات العملاء. حين اشتد الزحام أكثر، باعت كل شيء وانتقلت إلى مكان هادئ غير مزدحم بعيد عن وسط المدينة.

كما اشتهر عن الحاجة بي أنها كانت تزور محلات كل منافسيها وتشتري منهم بنفسها، وتتعلم التكلفة وتحفظ الأسعار وتراقب مستويات خدمة العملاء، ثم تخرج مصرة على أن تقدم أسعار أرخص وخدمة أفضل في محلاتها.

لماذا أطلقت عليها لقب الحاجة بي؟

اسمها مسز بي ومن يقرأ لي كثيرا سيعرف حبي للدعابة والمرح. ولكن في هذه القصة تحديدا استحقت مدام بي لقب الحاجة بي فهي كانت مدعومة من السماء. في عام 1975 زار المدينة إعصار عاتي شديد ابتلع المباني والشاحنات والأسقف والبيوت، لكن أثره كان بسيطا على متجر كبير لمسز بي.

هذا المتجر فتح أبوابه في اليوم التالي لرحيل الإعصار – رغم الدمار – وباع كميات كبيرة جدا إذ ابتلع الإعصار بقية المتاجر أو أغلبها وكان هناك الطلب الكبير والعرض القليل على المفروشات. لم أجد في سياق القصة أن الحاجة بي استغلت الموقف ورفعت أسعارها. الاستغلال الوحيد للموقف كان إعادة بناء المحل ليشغل رقعة أكبر بمساحة عرض أكبر!

القصة الثانية حين شب حريق كبير في متجرها الكبير… لكن العناية الإلهية حالت دون وقوع أي إصابات في الأرواح، وتمكن أفراد سرية الإطفاء من إنقاذ البضاعة. وفي صباح اليوم التالي أصرت الحاجة بي على فتح أبواب المتجر وعلاج آثار الحريق. كعادتها في الابتكار، أعلنت عن تخفيضات خاصة بسبب الحريق في هذا اليوم وأعلنت لعموم الناس أن هذه البضاعة نجت من حريق المتجر – اشترها على حالتها وكن ملما بتفاصيل قصتها.

العجيب في الأمر أن الزبائن زاروا المتجر واشتروا وكانت أرقام المبيعات جيدة والخسائر جاءت قليلة.

أزيدك من الشعر بيتا، ضمن خسائر الحريق كانت دفاتر مديونات العملاء الذين أخذوا البضاعة ولم يدفعوا ثمنها. هؤلاء سددوا ما عليهم رغم عدم وجود أوراق تلزمهم.

أزيدك أكثر، كانت على الحاجة بي مديونات لموردين، هؤلاء عرضوا من أنفسهم تأخير سداد هذه المديونات حتى تتعافى من أضرار الحريق…

من لم يملك المال، جاء للمتجر وعرض أن يساعد بنفسه على إزالة آثار الحريق.

من وجهة نظري المتواضعة، هذه علامات خير.

العرفان بالجميل

نرجع لقصتنا. من باب رد الجميل لأهل أمريكا الذين ساعدوها، بنت روز العديد من العيادات الطبية ودور رعاية المسنين وتبرعت لكثير من الجهات الخيرية وساعدت الكثيرين على تخطي مصاعب الحياة.

حين حل طوفان بالمدينة، ساعدت روز المنكوبين ببضاعة مجانية وساعدتهم على فرش مساكنهم البديلة. حين كان يأتيها عميل يقول لها الحال صعب وسنشتري غسالة الآن وسنشتري المجفف حين تتحسن الأحوال. كانت تقول له أنت عميل جيد، سأعطيك المجفف وحين تتحسن أمورك عُد وسدد الثمن.

كما كانت رهيبة في تحصيل الديون من المدينين، خاصة أولئك القادرين على السداد المتكاسلين عنه. كانت طيبة لا غبية!

لماذا؟

لماذا اختارها وارن بافيت لشراء شركاتها سيبقى سرا. (أتكلم عن السبب الحقيقي لا المعلن). لكن المثير في الأمر أن شريك وارن بافيت واسمه تشارلي منغر، كان له أم فاعلة خير تساعد الناس دون مقابلها، وكان من روادها روز بلمكين. وارين بافيت كذلك من سكان أوماها ولذا فهو جار لها من قريب أو بعيد.

أول شركة اشتراها وارن بافيت والتي حملت اسم بيركشاير هاثواي، كانت في الأصل تعمل في مجال المنسوجات والأقمشة.

وارين بافيت ليس يهوديا ولذا نظرية المؤامرة بحاجة لجهد أكبر إذا أردت السير في هذا الاتجاه!

على سبيل المكافأة لمن قرأ حتى النهاية. روز لم تذهب لأي مدرسة، وتعلمت في مدرسة الحياة. وأما أكثر منتج مقرب إلى قلبها فهو السجاد… تعرف طريقة حساب مساحاته وتكلفته – بداية من نقله من المخازن وحتى تركيبه والسير عليه – دون حاجة لأي مساعدة من آلة أو شخص أو دفتر حسابات! حين تزور موقع المتجر، ستجد شاغلي كل الوظائف العليا من النساء!

كانت ترفع بيدها الوارد من السجاد إلى مخازنها فتعرف الوزن حتى الجرام وتدرك فورا من يحاول غشها في ميزان أو جودة أو سعر بيع. الويل والثبور والحرمان كان جزاء من يحاول غش مسز بي!

الشاهد من القصة

من مشكلة لأخرى، مضت تلك المرأة تحل هذه وتلك بأفكار بسيطة وجهد كبير دون كلل أو ملل. نجاح هذه المرأة ليس في كم المال الذي ربحته، بل في كم الصعاب والمشاكل التي تجاوزتها… وهذا ما نتعلمه من قصتها.

11 ردود
  1. محمد من اسطنبول
    محمد من اسطنبول says:

    أشكرك على هذه القصة المفيدة

    ولكن دعني أختلف معك في تسمية “الحاجة”, حتى الأسباب التي سقتها لتبرير هذه التسمية العجيبة لم تقنعني, هذه التسمية تحمل دلالات دينية -خاصة عندنا في مصر- وليست فقط تحمل معنى التأييد الإلاهي, فأنت تكتب بثقافة عربية/إسلامية لعرب وليس بثقافة غربية لغربيين.

    أعتقد أنك تحتاج لإعادة التفكير في ذلك.

    مع تحياتي

    رد
    • شبايك
      شبايك says:

      عندنا في مصر نطلق كذلك لقب الحاجة على الست البركة، التي تقف السماء في صفها وتدافع عنها وتحميها وعند عموم البشر بدون النظر لديانتها.

      الموضوع كله مبالغة والعربية لغة البلاغة والاستعارة المكنية، وهي فرصة لتعريف غير العارفين بهذا اللقب.

      رد
  2. أحمد سعد
    أحمد سعد says:

    جهد كبير في استقصاء المعلومة والكتابة والتحليل ..
    (بوركت أستاذ رءوف) .. أكثر ما أذهلني في قصة (السيدة بي) هي اقدامها على تأسيسها لشركة جديدة بعد أن تخطت التسعين من العمر (هذا وحده يكفي لفهم مقدار استمتاعها بعملها) وأظن أنها أمرأة حديدية دون أدنى شك.

    رد
    • شبايك
      شبايك says:

      من باب المبالغة والدعابة يا طيب لا التزاما بالمعنى الحرفي للكلمة.

      لتقريب قصدي مع الفارق طبعا، عندك في القرآن الكريم مثال قريب في الآية 3 سورة التوبة، (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) لو التزمت بالمعنى الحرفي لكل كلمة فكيف تبشر بعذاب أليم؟ لكن المعنى المقصود أعمق من حدود المعاني وأرجو أن أكون قد أوضحت هذا الجانب البلاغي في اللغة العربية الذي قصدته.

      رد
  3. محمد
    محمد says:

    ماشاء الله تبارك الله أستاذ رؤوف أبدعت أيما إبداع في عرضك لهذه القصة الأكثر من رائعه.
    يقال الخيال أهم من المعرفه ولكن في هذه القصة لحسن عرضك وحبكك وتسليطك للضوء على الفوائد المفصليه فيها أجتمع فيها قوة المعرفه مع قوة الخيال وكأن القارئ يشاهد فلم وثائقي.
    أهنيك على أسلوبك المميز وأسأل الله أن يزيدك من فضله
    وفي الحقيقه حاولت أن أضيف فائدة فما أستطعت ولكن سأضيف توصية لمن أراد التجارة فاليدرس هذه التدوينة ويطبق مافيها وستقوده بإذن الله للنجاح فيها..

    رد
  4. محى محمد عبدالهادى
    محى محمد عبدالهادى says:

    لست مؤمن بنظريه مؤامره ولكن استاذ رؤوف من خلال خبرتك ماسر تفوق اليهود ماليا أرى أن تفرد له مقالا مفصلا أو على الأقل قل لنا وجهه نظرك وشكراااا لك أستاذى الفاضل

    رد
    • شبايك
      شبايك says:

      علم النفس يجيبك وببساطة شديدة. أي مجموعة من البشر يجمعهم شيء مشترك قوي (مثل ديانة أو جنسية …) يتعرضون لظروف مميتة (قتل، إبادة، تمييز …) سيقفون معا وسيقاومون صعوبات الحياة وسيجدون سببا قويا للاستيقاظ مبكرين وللعمل دون كلل رغم التعب والمصاعب من أجل رفع كل هذه الصعوبات.

      عندك في ديننا الحنيف خير مثال. استمتعت باجتهادات مجتهدين سألوا لماذا ترك الله عز وجل رسوله الكريم يتعرض هو والقلة التي آمنت به في بداية الدعوة لمجاعة ومقاطعة ولأكل العشب الأخضر لمدة 3 سنوات أو تزيد… قال القائل منهم انظر ماذا حدث للمسلمين حين تحولوا من الفقر إلى الثراء؟ (إشارة إلى فتنة مقتل عثمان وكيف رفع المسلمون السيوف على بعضهم البعض من أجل دنيا أو حكم عضوض)

      في عالم اليوم، شكا لي يوما صاحب شركة صغيرة أنه رغم تعامله مع شركات دولية، لكن أقسام الحسابات فيها كان جل العاملين فيها من منطقة بعينها في بلد بعينه. كلما وظف صاحب الشركة محاسبا من جنسية مختلفة كانت الشيكات تتعطل بالشهور وربما السنوات وتتأخر معاملاته مع هذه الشركات رغم تواصله مع كبار المدراء لحل مشاكله. حين وظف محاسبا من نفس الجنسية والمنطقة واللغة، اختفت كل مشاكله في أيام.

      لهذا السبب في إدارة الأعمال والشركات، يحذرونك من طغيان جنس / جنسية بعينها على بقية جنسيات العاملين في أي شركة مهما كان المتقدم محترفا أو بارعا في عمله. طبيعة البشر هي الحاكمة. إذا كنت في نفس البلد تتوسع دائرة التحذير إلى مدينة / حي / نادي / طائفة / ديانة وهكذا. يجب عليك التنويع في التوظيف. كل الشركات التي تزعم أن هذه المشكلة غير متحققة عندهم وأن موظفيهم من الملائكة هي شركة تكذب وتخبئ مصائب أكبر ستكشف عنها الأيام.

      على الجهة الأخرى، ستجد الموظفين من جنسيات قليلة يعملون بجهد وكد لتشجيعك على توظيف من هم من جنسيتهم وحين تفعل، ستجد الكفاءة والجودة والإنتاجية تتراجع.

      الشيء ذاته مع اليهود. دعهم يتكاثرون ويجتمعون وينعمون بالأمن، وستجدهم كسالى ومتأخرين ويقاتلون بعضهم بعضا… بدون أي سر تفوق.

      ولذا أنا ارفض نظرية المؤامرة. الإنسان كله عيوب، وعيوبه تزيد وضوحا حين يجتمع مع أشكاله من أقرانه من البشر، إلا من رحم ربي.

      حتى لا أطيل عليك، ستجد في كتب التاريخ تفوق جنسيات وأديان وطوائف كثيرة، كلها اشتركت في ذات النظرية التي ذكرتها في مطلع تعليقي.

      رد
  5. Abu ahmed
    Abu ahmed says:

    سلمت أناملك الذهبية أستاذ رءوف
    أن تكتب في يوم ميلادي مقالا بهذا الوزن، هذه المفاجأة الطيبة التي أسعدتني رغم أني لست ممن يحتفلون بيوم الميلاد، ولكني ممن يقيمون له وزنا ويسألون أنفسهم: ماذا فعلت؟ وأين أنا الآن؟ وماذا سأحقق مستقبلا؟

    رد
    • شبايك
      شبايك says:

      ذكري ميلاد طيبة سعيدة هانئة مرحة بمشيئة الله تعالى.

      نعم، لقد وضعت يدك على السؤال الأهم: ماذا سأحقق مستقبلا أو ماذا سأترك من خير ينفعني بعد رحيلي عن هذه الدنيا. بطلتنا هنا لم تبحث عن وظيفة أو تشكو من بطالة بل سعت وصنعت هي عملها وشركتها واسمها وهو ما يجب أن نركز عليه في حياتنا… من أرباحها ساعدت أهلها وجيرانها والمجتمع الذي تعيش فيه…

      رد

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *