كيف نجح من نجح، وما الدروس والعبر المستفادة من تاريخ الناجحين

لا تسير الحياة على وتيرة واحدة، سُنة كونية يجب أن نتعامل معها لا أن نتجاهلها، أو نتصرف كما لو كانت غير موجودة، وهذا ما حدث، إذ بعدما زاد عملاء شركة من المتصل، كما رأينا في الجزء الثالث، وبعدما صنع لوني بيسون سوقا لم يكن موجودا، ورغم تقديم الشركة لخدمات من الدرجة الأولى، لكن الغرماء دخلوا أرض الملعب، وبدأ نصيب الشركة من كعكة السوق يتضاءل، وبدأت المبيعات تقل، والعملاء ينفضون إلى المنافسين وأسعارهم المنخفضة.

من أهم القواعد التي تسير عليها شركة من المتصل هو وجوب الابتكار والاختراع، والتفكير في المستقبل والاستعداد له، بل وصنعه إذا أمكن (عبر تطبيق أفكار جديدة تخلق أسواقا لم تكن موجودة)، وهي حذت في ذلك حذو شركات ناجحة كثيرة، مثل والت ديزني وجيشها من المتخيلين Imaginers. كان على رأس قسم الخيال هذا مدير الشركة ومؤسسها لوني بيسون نفسه، وهو عمل على نقل عدوى التخيل ورؤية الفرص السانحة إلى بقية العاملين معه.

من نتاج هذه الروح الإبداعية أن أنقذت مديرة خدمات المبيعات، الشابة كيت ستابتون، أرباح الشركة من مزيد التناقص، إذ نظرت فأبصرت فرصة ذهبية – غير مستغلة، فالشركة تبيع الإعلانات وتراقبها، عبر أرقام الاتصال المجانية، ومن سياسة الشركة إبقاء تقارير دقيقة عن سير الأعمال. رأت كيت أن لهذه التقارير فوائد غير مستغلة، وهي عكفت على إثبات ذلك.

اقرأ المزيد

على أن نمو شركة من المتصل Who’s Calling من مليون دولار عوائد في عامها الأول، إلى 60 مليون دولار من العوائد بعد خمس سنوات من بداية عملها لم تكن عملية سهلة، أو وليدة الصدفة. رغم أنها كانت ثالث شركة ناجحة يؤسسها لوني، لكنه خصص لها ميزانية محدودة وصغيرة، للتسويق ولزيادة حجم الأعمال، فإن نفدت هذه الميزانية ولم تنجح الشركة في زيادة مبيعاتها، كان هذا معناه وداع العاملين فيها ونهاية القصة!

لعل من أفدح أخطاء أصحاب الأعمال الناشئة، أنهم يتوهمون أنهم قادرون على فعل كل شيء بأنفسهم، ومهما كان هذا صحيحا، فاليوم مكون من 24 ساعة فقط، هذه الساعات لن تكفي في نهاية الأمر لفعل كل شيء، ولذا شئت أم أبيت، ستجبرك الأعمال على تفويض السلطات إلى الآخرين في فريق عملك. هذه الحقيقة فهمها لوني جيدا.

حين دخل جون ستابلتون غرفة الاجتماعات، التي جمعت وفود فريقي المحامين: فريقه وفريق لوني، حين دخلت شركته وشركة لوني في صراع قضائي، أدرك وقتها أن هذا الصراع القضائي لن يؤدي في النهاية سوى لجعل مصاصي الدماء – هؤلاء المحامين الذين يرتدون بذلات أنيقة غالية الثمن – أكثر ثراء، على حساب طرفي النزاع.

اقترب جون من لوني وطلب دقائق من وقته، فوافق لوني، واستمع لوجهة نظر جون، وأعجبه طريقة تفكيره، وما هي إلا سويعات حتى كان الاثنان حلا خلافهما، وتحولا صديقين، ثم بعد سنوات قليلة عرض لوني على جون أن يوليه مسؤولية إدارة شركة من المتصل، فوافق جون على الفور.

اقرأ المزيد

في عام 1996، دلف لوني بشركته إلى عالم خدمات الهواتف النقالة، وبدأ لوني يشعر بصعوبة الدعاية لخدمات الاتصالات النقالة، التي كانت حكرا وقتها على رجال الأعمال، لتكلفتها المرتفعة وقتها…

أراد لوني الدعاية لخدماته الجديدة: الاتصالات الجوالة/النقالة/المحمولة، وهو لم يكن من النوع الذي يلقي نقوده يمنة ويسرة، لذا فكر في طريقة جديدة – مبتكرة، للتسويق والدعاية لخدمات شركته – وتمثلت هذه في صورة أسطول من 60 سيارة نقل مغلقة، تحمل دعايات شركته وخدماتها، لتسير في شوارع المدينة وتقف في طرقاتها، بما يدفع الناس لقراءة الدعايات التي ترتديها…

في آخر لحظة قبل خروج السيارات إلى الشوارع، تفتق ذهن لوني عن فكرة عظيمة، فكرة نتاج إلهام السماء – أن تحمل كل سيارة من السيارات رقم اتصال مجاني.

لم يكن في الأمر أي تكلفة إضافية، فالشركة شركة اتصالات في الأصل، وأرقام الهواتف منتجاتها، فلا تكلفة إضافية فعلية على الشركة.

بذلك، يستطيع لوني في أي لحظة أن يتصفح تقارير الكمبيوتر، ليرى أي أكثر رقم اتصل عليه الناس لمعرفة المزيد من التفاصيل عن خدمات الشركة.

اقرأ المزيد

إذا تحتم عليك الاشتراك في اللعبة، فيجب أن تتفق على أشياء ثلاثة:
قواعد اللعبة – مخاطرها – ووقت الخروج منها.
مثل صيني

في شهر أكتوبر من عام 1987، جلس لوني بيسون في شقته، عاطلا عن العمل، مفلسا، جائعا، متأخرا ثلاثة أشهر عن دفع إيجار بيته، على شفا الطرد للعيش في الأزقة والحواري… فوق كل هذا، كان لوني يعاني من مرض أعقاه عن التركيز لفترة طويلة، فهو كان غير قادر ذهنيا على لعب الشطرنج، أو قراءة كتاب كبير، أو احتمال اجتماع أعمال مدته ثلاث ساعات!

ثم واتته تلك الفكرة: أن يبدأ عمله الخاص، في مجال الهواتف التي أحبها منذ صغره، فإن فعلها، فهو قادر على أن يسحب البساط من تحت أقدام شركات الهواتف الكبرى. كان لوني يعيش في مدينة سياتل، المجاورة لمدينة تاكوما، ورغم تجاور المدينتين، لكنهما وقعتا في تصنيفين مختلفين لفئة تكلفة الاتصال بين البلدتين، ولذا إن أردت إجراء مكالمة مع قريب يسكن هناك، فكان عليك أن تختصر، أو تذهب لتزوره، أو تدفع فاتورة تليفون سمينة.

لمعت الفرصة في عين لوني، فلو وفر للمتصلين حلا يجعلهم يجرون المكالمات بتكلفة أقل، لدر ذلك عليه دخلا رائجا. لكن كيف لعاطل مفلس مثله أن يحقق فكرة مثل هذه؟ تصادف أن كان لبطلنا لوني جارا قدم على سياتل مؤخرا، وهو لمس في لوني عقلا تجاريا ومشروعا رابحا، لذا لم يتردد في إقراضه رأس المال اللازم لتحقيق ما دار في عقل لوني من أفكار – كان هذا المبلغ 350 دولار أمريكي، استعمله لوني في تأسيس شركة فونلينك – أو وصلة الهاتف!

اقرأ المزيد

في معرض بحثي عن قصص حماسية، توقظ في زواري الحيوية والنشاط، ساق لي القدر قصة أنتوني برجيز، ولما كان التوقيت عجيبًا، علمت أن مشاركتي هذه القصة معكم أمر حتمي.

حين رقد أنتوني برجيز على أرضية الصف الذي كان يعمل فيه كأستاذ ومدرس، علم وقتها أنه نال كفايته من هذه الوظيفة، وأن الوقت حان ليتابع ما يهوى عمله، وهو ظن وقتها أن هذا كان سبب استمراره في الرقود على الأرض، بعدما أًصابه الدوار وسقط.

جاء التشخيص الأولي من الأطباء أن أنتوني مصاب بورم خبيث، سيترك له على الأرجح قرابة العام أو أقل ليعيش. لم يكن أنتوني في بحبوحة من العيش، رغم أنه زار قسماً كبيرًا من البلاد والأقطار، ولذا جلس يفكر فيما سيتركه لزوجته – زميلة دراسته الجامعية – من بعده، ولم يجد أنتوني حلاً أفضل من أن يجلس ويكتب ويؤلف روايته وقصصه لتستفيد هي من ريعها بعد موته. لقد كان عمره وقتها 43 سنة.

حين انتهت مهلة العام، كان أنتوني قد انتهى من تأليف خمس قصص ونصف، لكن أنتوني لم يمت! لقد ضمر الورم حتى اختفى، وتحول الأطباء للظن بأن تشخيص أنتوني كان خاطئًا. حتى وفاة أنتوني عن 76 عامًا، كان قد ألف أكثر من 70 قصة ورواية، ونشر ما لا يحصى من المقالات الصحفية، بأسماء كثيرة مختلفة ومستعارة، ما جعل حصرها صعبًا.

اقرأ المزيد