لا تثق بما يقوله الناس | فهم الدوافع الحقيقية وراء سلوك البشر

هل هناك من يعرف حقًا على أي أساس يتخذ الناس قراراتهم؟

لا تجد من يختلف معك على أن الناس أنفسهم لا يعرفون الأسباب الحقيقية والدوافع الصادقة وراء اتخاذ أي قرار في حياتهم.

هل تساءلت أنت يومًا لماذا لا نستطيع دائمًا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين؟

الدوافع الخفية لقرارات البشر والتي تخفى عليهم هم أنفسهم

يعتقد علماء التطور أننا معاشر البشر قد تطورنا منذ نزولنا على هذا الكوكب بحيث نكون جميعا ماهرين في خداع أنفسنا، مما يساعدنا على خداع الآخرين بشكل أفضل.

خداع الآخرين مهارة مطلوبة لبقاء البشر أحياء وللنجاة من كيد وخيانة الآخرين.

هؤلاء العلماء يفسرون الأمر على أننا لا نملك وصولًا كاملًا إلى الدوافع الحقيقية وراء قراراتنا في عقولنا.

سبب ذلك أنه في بعض الأحيان، قد يكون من الأفضل لنا ألا نعرف هذه الدوافع الحقيقية وراء قراراتنا، إذ أنها قد تكون غير مرغوبة أو غير منطقية.

إذا التزم الانسان بالمنطق في كل أفعاله، سيصبح سهل التنبؤ بخطواته، وسيستغل ذلك بقية المحيطين به، وسيكون هلاك هذا الانسان في عقلانيته.

هنا يتدخل التطور البشري عبر آلاف السنين والأجيال ليجعل الانسان غامض الأفعال، حتى أنه هو نفسه لا يعرف لماذا يفعل ما يفعله!

ذلك الغموض سيضمن بقاء هذا الانسان. هذه النظرية قد تساعد على فهم الدوافع وراء سلوك البشر في كثير من الأحيان.

على سبيل المثال، تسائل صاحبنا روري ساذرلاند في كتابه العلم المشوق لكيمياء العلامات التجارية الناجحة، لماذا يبقى بعض ركاب القطارات واقفين حين تخلو المقاعد من شاغليها، رغم أن التعب والإرهاق واضح على ملامحهم. هؤلاء الناس أنفسهم لا يفهمون لماذا لم يسارعوا بالجلوس.

القصور الأكبر لأبحاث التسويق – سلوك البشرأنفسهم!

يقول عملاق صناعة الإعلان الأمريكية ديفيد أوجيلفي “المشكلة في أبحاث السوق هي أن الناس لا يفكرون بما يشعرون به، ولا يقولون ما يفكرون فيه، ولا يفعلون ما يقولون.”

فهم الطبيعة البشرية – مستحيل أم التجربة والخطأ؟

يؤكد بيل بيرنباك على أن الطبيعة البشرية لم تتغير منذ مليون عام ولن تتغير في المليون عام القادمة. ما يتغير هو الأشياء السطحية فقط.

قد يتأثر سلوك البشر بالضغوط والتوقعات الاجتماعية. في أحيان كثيرة، قد نقول ما نعتقد أنه متوقع منا، بدلاً من قول الحقيقة. قد لا ندرك ذلك، لكننا كبشر نهتم كثيرا بآراء المجتمع المحيط بنا فينا، ونحسب مليون حساب لما سيظنه الناس بنا.

يرى روري ساذرلاتد أن السبب الحقيقي وراء شراء مشروب قهوة ثمنه 5 دولارات أو يزيد، في كوب ورقي عليه علامة خضراء … (يقصد ستاربكس دون أن يصرح بذلك) قد يكون هو أننا كبشر نريد أن يرانا الناس حاملين هذه العلامة الخضراء غالية الثمن. القهوة لا ناقة لها ولا جمل في هذا الشراء.

لأن فعل ذلك يجعلنا نبدو ماديين، فاقدي الثقة بأنفسنا، مستعدين لفعل أي شيء كي نحصد نظرات التقدير من الناس، فإن عقلنا يخفي علينا هذه الدوافع الحقيقية…

هذا العقل سيؤكد لنا أن السبب الحقيقي للشراء هو جودة القهوة وحلاوة الطعم والراحة النفسية واصطفاف الكواكب وتوازن القوى المغناطيسية وغيرها من الأسباب الفيزيولوجية…

إذا كنت من المهتمين بالتسويق فعلا، يجب عليك أن تفهم الدوافع الأساسية التي تحرك البشر… والتي غالبًا ما نخفيها وراء كلمات رنانة وأفعال غير مفهومة.

كيف نفهم الدوافع الحقيقية للسلوك البشري ؟

  • بدلاً من الاعتماد على ما يقوله الناس، راقب سلوكهم الفعلي وحاول تفسيره بشكل منطقي. (ليكن الحظ حليفك قارئي العزيز في هذا المسعى!)
  • عن استخدام الأدوات النفسية لفهم الدوافع اللاواعية. شئت أم أبيت، أنت بخير لخبير نفساني متخصص في محاولة فهم سلوكيات البشر ليكون حجر الزاوية في قسم التسويق لديك. هذا الخبير سيكون لديه معرفة كافية بآليات نفسية تكشف غموض سلوك البشر.
  • تحليل البيانات الضخمة من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات والمعلومات.

الخلاصة:

لا يمكننا دائمًا الاعتماد على ما يقوله الناس. يجب أن نستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات والتقنيات لفهم دوافعهم الحقيقية. من خلال فهم هذه الدوافع، يمكننا اتخاذ قرارات أفضل في حياتنا الشخصية والمهنية.

من ضمن الحملات الإعلانية التي خرجت عن المعتاد حملة فكر بالحجم الصغير للسيارة الخنفساء بيتلز من شركة فولكس فاجن

حملة فكر بالحجم الصغير

6 ردود
  1. أحمد سعد
    أحمد سعد says:

    “هذا العقل سيؤكد لنا أن السبب الحقيقي للشراء هو جودة القهوة وحلاوة الطعم والراحة النفسية واصطفاف الكواكب وتوازن القوى المغناطيسية وغيرها من الأسباب الفيزيولوجية…”

    أضحكني هذا التعبير .. ذلك لأنه يمثل حقيقة ..

    وقد سبق لنا أن تحدثنا على صفحات المدونة عن القيمة الاجتماعية للمنتج .. وهذا ما يصنعه التسويق وبناء الصورة الذهنية للعلامة التجارية.

    قيمة خفية قابلة للبيع والشراء بصحبة المنتج ..

    رد
    • شبايك
      شبايك says:

      الكتابة الساخرة هي آخر معقل سيستعصي على الذكاء الصناعي الذي يأخذ مكاننا تدريجيا … وبذلك تتأكد أنك تقرأ ما دقته يداي على لوحة المفاتيح وليس شيئا آخر 🙂

      رد
      • أحمد سعد
        أحمد سعد says:

        بالرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة مقالات وردود تعليقات منمقة وصحيحة لغويًا ومبنية على معلومات مستقاة من الكتب ترقى إلى حد الكمال .. إلا أنها تبقى كتابات (معلبة) ليس فيها إحساس وإبداع العقل البشري ..

        ولهذا فإني قد لاحظت بأنه ولا يزال ما يكتبه بني آدم يحظى بشعبية ومتابعة أكثر بكثير مما يكتبه الذكاء الاصطناعي.

        وخصوصًا في مجال الأعمال والتجارب الشخصية الحياتية وهو المجال الذي نحن مهتمين بشأنه ..

        وخصوصًا أنه ليس كل ما يحدث من تجارب في مجال الأعمال قد تم التصريح به والكتابة عنه ! .. فكيف يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشافه ومضاهاته ..

        بالإضافة إلى حس الدعابة في الكتابة والكتابة الساخرة التي تفضلت وأشرت إليها .. فهو شئ لم يصل إليه بعد ..

        وما يصدر منه في هذا الإطار يوضح بأنه لا يزال ثقيل الظل !

        رد
    • عمرو النواوي
      عمرو النواوي says:

      من العجيب أنني منذ سنين طويلة لا تعجبني قهوة ستاربكس .. أتحدث هنا عن الطعم نفسه .. تذوقتها أكثر من مرة أحاول فهم سر شعبيتها أو لماذا يحبها الناس ولم أفهم .. هي ليست متوسطة، بل سيئة .. وسيئة للغاية كذلك.

      في حين أن تناول القهوة في مقهى آخر مثل سيلنترو كان طعم القهوة أفضل بكثير .. وهنا أخبرك عن خبرة شخص جرب أكثر من مقهى غربي وعربي حتى حصل على طعم القهوة الذي يبحث عنه.

      رد
  2. عمرو النواوي
    عمرو النواوي says:

    هذا الأمر شغلني فترة طويلة من الزمن، وبالأخص بعد قراءة كتاب Buy-ology للباحث مارتن لندستروم .. الكتاب ممتع وصادم في نفس الوقت. فهو يخبرنا أن جميع قراراتنا الشرائية ليست مبنية على منطق عقلاني كما كنا نظن، وإنما لعوامل أخرى غير مرتبطة بالمنطق أو حتى قريبة منه .. هذا اختصار مخل للكتاب.

    ولكن بشكل عام هناك ثوابت يمكنك أن تتحرك وفقًا لها ولو لفترة زمنية معينة (حقبة معينة من الزمن) قبل أن يحدث انقلاب فكري للجيل يتسبب في تشويه صورة التسويق.

    على سبيل المثال، لم يعد الناس يقرأون من المدونات الشخصية كما كانوا من 20 سنة، واستبدلوها بالشبكات الاجتماعية .. هذا التراجع الفكري في قراءة المدونات الشخصية (في السوق العربية تحديدًا) تسبب في فجوة ثقافية لا أجد لها علاجًا في حدود علمي. فلا يمكن اعتبار الشبكات الاجتماعية مصدرًا للثقافة بأي حال من الأحوال.

    على صعيد آخر،
    أين دكتور محسن النادي .. أوحشني كلمته الطيبة “ودمتم سالمين”

    رد

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *