قوة حصان – حيلة تسويقية ضمنت نجاح المحرك البخاري
لديك منتج جديد ثوري، لم ير العالم مثله من قبل. منتجك يحل مشاكل العملاء، لكن هؤلاء العملاء عاجزين عن فهم قيمة منتجك أو حتى مقارنته بما يعرفونه.
هذه كانت المعضلة التي واجهها المخترع الإسكتلندي جيمس واط عندما طور المحرك البخاري وأراد بيعه في عام 1776 بمساعدة شريكه بولتون.
لم يخترع واط مجرد آلة تقليدية؛ بل وفر حلاً سحرياً لمشكلة شائعة واجهت كبار قطاع الأعمال في وقته، شركات وعمال المناجم.
كانت أكبر مشاكل مناجم ذلك العصر هو سحب / شفط المياه من المناجم ليتمكن العمال من الحفر واستخراج النفيس من المعادن وكنوز الأرض.
المنافسة؟ حصان
وقتها، لم يكن المنافس محركاً بخارياً آخر، بل كان الحصان والخيل القوية.
كان أصحاب وعمال المناجم يستخدمون الخيول لتدير مضخات شفط المياه من أعماق المناجم إلى خارجها.
وقتها، كانت حساب التكاليف قائم على تقدير تكلفة شراء وإطعام وعلاج الحصان ثم مقارنة كل ذلك بمقدار العمل الذي ينجزه أي حصان عادي في يومه.
المشكلة: كيف تسوق ميزة منتج لا يفهمها أحد؟
واجه جيمس واط سؤالاً تسويقياً محيراً: كيف يقنع صاحب أي منجم أن يدفع ثمن محرك بخاري غامض ومكلف والأهم لا يعرف عنه شيئا، بينما الخيول مألوفة وآمنة ومعروفة منذ فجر التاريخ؟
صاحبنا جيمس واط مخترع ومهندس لكنه لم يكن مغرورا بعلمه وهندسته على ما بدا لي. وجد واط أن عليه اختراع كلمات بسيطة تشرح مزايا محركه وفي ذات الوقت يفهمها أصحاب المناجم.
الحل: تحدث بلغة بسيطة يفهمها الجميع – اخترع وحدة الحصان
وجد واط أن كل ما يشغل بال أصحاب الأعمال هو إجابة سؤال بسيط: هذا الاختراع الجديد، يعادل قوة كم حصان عادي كالذي يستخدمه ويعرفه الجميع؟
بدلاً من الاعتماد على المقارنات العشوائية والمزايا الهندسية، قام باختراع وتعريف وحدة قياس قوة جديدة أطلق عليها اسم حصان.
راقب واط عمال المناجم في يوم عملهم التقليدي، وحاول احتساب مقدار الفائدة التي يقدمها الحصان. وجد واط أن الحصان يدير الساقية مرتين ونصف في الدقيقة الواحدة، ومن هنا اخترع معادلة حسابية فيزيائية تقول بأن وحدة حصان واحد Horsepower تعادل القدرة على رفع 75 كيلوجرام لمسافة متر واحد لمدة ثانية واحدة.
يذكر التاريخ أن جيمس واط اخترع أشياء كثيرة، لم يشتهر منها سوى القليل. حتى المحرك البخاري لم يكن هو من اخترعه، بل أدخل عليه تحسينات كثيرة جعلته في متناول عدد أكبر من الناس. جل ثروة واط جاءت من بيع حقوق استغلال اختراعاته.
من باب الوفاء لما قدمه من اختراعات، تم استخدام اسمه مرة أخرى لقياس القوة / الطاقة الكهربية.
من باب التبسيط، جرى استخدام وحدة قوة حصان لقياس قوة محركات البنزين والديزل والاسطوانات والكهربية.
حين اخترع وحدة قوة حصان لم يكن يعرف أنها ستنجح هذا النجاح الطاغي. في أحيان كثيرة، سيكون عليك أن تجرب وتحاول، وأما النجاح فلا وسيلة لتعرف من أي خطوة من خطواتك سيأتي. كل ما عليك فعله هو أن تستمر في المحاولات.

عودة لصاحبنا واط، عبر اختراعه وحدة قوة حصان فقد حقق عدة أهداف تسويقية مرة واحدة:
1. تحدث بلغة سهلة سلسلة يفهمها العميل:
حوّل المنتج المعقد إلى رقم بسيط وسهل المقارنة.
2. وضع معياراً يخدمه:
لأن الخيول الحقيقية تتعب وتمرض وتكبر، يعتقد كثيرون أن واط عرّف وحدة قوة حصان بقيمة أعلى قليلاً من متوسط قوة الحصان الحقيقي. هذا يعني أن محركاً بقوة خمس “أحصنة” حسب تعريفه، سيتفوق دائماً على خمس خيول حقيقية، ما ساعده على تخطي حدود توقعات عملائه.
3. السيطرة:
أصبح واط من يحدد معنى “القوة” وأصبحت جميع المحركات المنافسة في وقته تُقاس بالوحدة التي اخترعها هو.
الابتكار الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير التقنية والتكنولوجيا، بل في القدرة على جعل الجمهور يفهم سبب حاجتهم إليها.
هذا هو التسويق الناجح.
بالحديث عن المحركات، أنصح كذلك بقراءة قصة نجاح هوندا الذي لا يعرف مستحيلا










المشتري يشتري عندما يفهم المنتج ويطمئن له. العقل لا يرفض الجودة بل يرفض الغموض. التوضيح البسيط يخلق راحة نفسية تفتح باب الشراء، بينما التفاصيل التقنية المعقدة تثير القلق. الشعور بالفهم والأمان يسبق البرهان والمنطق؛ عندما يفهم العميل ويطمئن، يصبح مستعدًا لتقييم الجودة واتخاذ القرار.
مقال ملهم .. جزاك الله خيرا أستاذ رؤوف ..
السؤال الذي جال بخاطري عند قراءة المقال .. هل ستصبح قدرات الإنسان الوظيفية في يوم من الأيام مجرد (وحدة قياس) إذا ما قورنت بقدرة روبوت ذكاء اصطناعي بحيث يمكن القول بأن هذا الروبوت بقدرة 20 موظف (محاسب – مبرمج أو صانع محتوى .. إلى آخره ) !