حملة إعلانية غير تقليدية – جسر عبور مشاة فوق نهر بعيدا عن العمران

في عام 1998 انتهي رجل أعمال أرجنتيني من بناء مجمع عقاري جديد حمل اسم ماديرو استيه أو Madero Este وضم أول فندق هيلتون في الأرجنتين كلها ومباني سكنية ومباني مكاتب تجارية.

المشكلة؟ هذا المجمع العقاري يقع بعيدا عن العمار خارج العاصمة بيونس آيريس (وقتها لا الآن).

ميزانية الإعلانات كانت 4 مليون دولار. وقع اختيار صاحب الشركة المالكة للمجمع العقاري على خبير إعلانات أرجنتيني مشهور جدا – وقتها – اسمه جورج هايمان.

وافق صاحبنا جورج على هذا المشروع، وزار موقع المجمع في أوقات مختلفة من الليل والنهار…

أنت بحاجة إلى جسر

بعد دراسة المشروع جيدا وبعد النظر إليه من وجهة نظر رجل الشارع العادي، ذهب جورج إلى مالك المجمع العقاري ليقول له: أنت لست بحاجة إلى حملة إعلانية وتسويقية، أنت بحاجة إلى جسر عبور مشاة.

كان المجمع العقاري بعيدا عن الناس، وكان الوصول إليه أمر مرهق، وكان هناك نهر عريض يقف حائلا نفسيا دون الوصول إلى المجمع من أقرب طريق.

حتى من يملك وسيلة الانتقال أو تكلفة ركوب حافلتين أو تاكسي – لم يكن المكان يستحق التعب من وجهة نظرهم، فالموقع كان منطقة صناعية سابقًا تحولت إلى مجمع عقاري، وفوق كل ذلك، كان على الراغب في الزيارة عبور نهر عريض للوصول إلى ضفة المجمع العقاري!

حتى من سيفعل كل ذلك للوصول إلى هذا المجمع، حتما سيكون في حالة ذهنية ونفسية لا تساعد على إنفاق مال وقضاء وقت سعيد هناك.

كان هناك حاجة ماسة لخلق سبب جوهري يشجع الناس على الزيارة…

تحفة فنية

جسر عبور مشاة يعبر من وإلى ضفتي النهر، من تصميم فنان عالمي مشهور، تستحق أن تنضم لإخوتها من قوائم المزارات السياحية التي يجب على أي سائح زيارتها في أي مدينة، ويشعر سكان العاصمة بالفخر لوجودها في بلدهم، تستحق شد الرحال لها!

كان على الجسر أن يجبر الناس للحديث عنه لشدة جماله وبديع تصميمه…

بالطبع، قلة في العالم من المهندسين من يمكنهم تحقيق ذلك الحلم، ولهذا سافر صاحبنا جورج إلى أسبانيا ليقنع فنان التصميم المعماري في زمانه سانتياجو كالاترافا Santiago Calatrava ليوافق على أن يضع اسمه على تصميم جسر عبور مشاة مثل هذا.

جسر ماديرو استيه

بالطبع، كان بإمكان صاحبنا جورج إنفاق الملايين الأربعة على إعلانات مصورة ومطبوعة ومسموعة، لكن كل هذا نهايته طي النسيان، وكان حتما سيفشل في تغيير الحالة الذهنية لمن سيركب وسائل المواصلات حتى يصل للمجمع.

أما جورج فتمكن من إقناع رجل الأعمال صاحب المجمع التجاري بالفكرة غير التقليدية.

عوضا عن إنفاق 4 مليون دولار على حملة إعلانات، سينفق 6 مليون دولار لكي يبني مزارا سياحيا وتحفة فنية يتحدث عنها العالم كله، حتى يقال إن مدونة شبايك تحدثت عن هذا الجسر لكن لم يتسنى لنا التأكد من ذلك!

بالفعل تحول الجسر ليكون قبلة الباحثين عن الجديد العجيب، واشتهر المجمع العقاري أيما شهرة وربحت المحلات والمكاتب والسينما والفندق وكل المباني هناك. كانت النهاية سعيدة!

حين تنظر إلى خريطة بيونس آيريس اليوم على خرائط جوجل، ستجد العمران قد فاض حتى بلغ هذا المجمع وما بعده.

وهنا حيث تنتهي القصة

أدعو الله أن يأتي قراء يقتنعون ويقلدون الفكرة في بناء المفيد للناس وللتجارة – للمُعَلن لهم وللمعلنين معا في آن واحد.

بدلا من إنفاق المال على غرائز أو أوهام أو أكاذيب أو وعود ستحقق لآحاد أو لعشرات، أرجو أن نجد حملات تسويقية تبني ما ينفع الناس ويبقى أثره لسنوات وسنوات.

رغم أن الكلام انتهى هنا، لكن مرة أخرى – لتذهب محركات البحث بخوارزمياتها إلى الجحيم!

  1. Exp

    منذ عقد وأنا احرص على زيارة المدونة بشكل دوري، كيف لا وأنت عراب التفاؤل والأمل
    من خلالك أحببت التسويق وتخصصت به

    تعلمت منك أن البساطة دائماً تربح
    تصميم المدونة الأخير غير مريح ولا يعمل بشكل مثالي

    فيديو توضيحي
    https://youtu.be/NzyE0erqRRk

  2. لست بحاجة إلى محركات البحث أصلًا، فجمهورك هو نصف الكرة الأرضية!
    سعيدٌ بعودتك أخي شبايك

    • أشكرك يا طيب. سبب جملتي هذه أن محركات البحث تغضب من المنشورات القصيرة… لكن في ظل ظروفي الحالية، سأكتب القليل كلما سمحت ظروفي وهذا أفضل من عدم الكتابة… أو انتظار الانتهاء من الكتابة…

  3. أشكرك أ/رؤوف على هذا المقال المفيد, أعجبتني جداً جملة “أدعو الله أن يأتي قراء يقتنعون ويقلدون الفكرة في بناء المفيد للناس وللتجارة – للمعلن وللمعلنين معا في آن واحد.” وأعتقد أنها فكرة تستحق العمل من أجلها وجعلها هدفاً في الحياة

    وكذلك أعجبتني جملة “لتذهب محركات البحث بخوارزمياتها إلى الجحيم” ليس فقط لأنها لم تمنعك عن نشر الجزء الأول من المقال ولكن أيضاً لأني ضد فكرة أن تتحكم محركات البحث -حتى بصفتها قنوات انتشار وتسويق- في سلوك وأسلوب الكاتب, نحن نقرأ لك ليس فقط لبعض المعلومات المفيدة ولكن أيضاً لأننا نريد أن نقرأ لك أنت, بشخصيتك وأسلوبك وظروفك ومتغيراتك, نحن مرتبطون بك كشخص وليس كمصدر للمعلومات أو الحكايات المفيدة.

    بارك الله فيك وجزاك خيراً على صناعة الأمل التي تقوم بها من سنوات

  4. محى محمد عبد الهادى

    ليست مثل هذه الحملات الإبداعيه صالحه لكل شئ ، مثال لو أنت تمتلك مطعم مثلا ستجد أنك مرغم على قبول الحملات التسويقيه العاديه ، أو التميز عن طريق الجوده فقط وخالص شكرى لأستاذى رؤوف جزاك الله عنا خير الجزاء

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاركها مع صديق