المستهلك المتعلم أفضل عميل لنا

المستهلك المتعلم لهو أفضل عميل لنا هو شعار أطلقته شركة ملابس أمريكية منذ 1974 في إعلاناتها بجانب تقديمها خدمة عملاء عالية المستوى حتى أغلقت أبوابها في 2011. لماذا نجح هذا الشعار ولماذا خسرت الشركة كل شيء رغم هذا الشعار توضحه السطور التالية.

قصة شركة سيمز لبيع الملابس

فتحت شركة سيمز Syms أول فرع لها في مدينة نيويورك في 1959 وكانت تبيع الملابس الراقية بأسعار أقل من مثيلاتها في باقي المحلات. هذه الطريقة في التسعير والبيع تسمى Off-Price وتشتهر بها محلات الملابس بالأكثر.

قصة مؤسس الشركة

جاء ميلاد سيمور ميرنسكي في 1926 لأبوين هاجرا من روسيا إلى حي بروكلين في مدينة نيويورك. في البداية عمل في مجال التعليق على المباريات الرياضية، ثم في مجال الإعلانات في الراديو والتليفزيون.

بعد صراع وصل للمحاكم مع أخيه على ميراث في محل ملابس للعائلة، أسس سيمور شركته سيمز لبيع الملابس الفاخرة بأسعار في متناول المستهلك العادي.

المستهلك المتعلم أفضل عميل لنا
المستهلك المتعلم أفضل عميل لنا

المستهلك المتعلم لهو أفضل عميل لنا

في عام 1974، وضع سيمور هذا الشعار بنفسه An educated consumer is our best customer واستخدمه في إعلانات الشركة كلها والأهم جعله واقعا متحققا في فروع الشركة، من خلال تقديم خدمة عملاء عالية المستوى غير مسبوقة (في وقتها)، من أمثلتها:

حملت كل قطعة ملابس بطاقة تسعير تخبرك السعر الحالي، والسعر المتوقع بلوغه عند عمل الشركة تخفيضات مقبلة، وكذلك السعر عند حدوث تخفيضات مضاعفة. الشرط طبعا أن قطعة الملابس التي ينتهي مخزونها لا تعود مرة أخرى للرفوف. إما تشتريها الآن، أو تغامر وتنتظر بدء التخفيضات والأوكازيون!

حين كنت تسأل عن قطعة ملابس تناسبك، كان مسئول المبيعات يأخذ مقاساتك وينتقي لك ما يناسبك. ما اعتدنا عليه اليوم من توفر خياط ملابس في محل الملابس بأسعار في متناول اليد كان ساعتها أمرا غير تقليدي. لكن محلات سيمز كانت توفره. وكانت كذلك توفر ملابس ذات أكمام وأرجل أطول من المقاسات المعتادة ليتم تقصيرها حسب كل مستهلك، ليخرج ومعه قطعة ملابس على مقاسه بكل دقة، أكثر من المقاسات التقليدية التي نعتمد عليها في وقتنا الحالي.

حتى اليوم، ستجد أناس يفخرون بقطع الملابس الفاخرة التي اشتروها من محلات سيمز، والتي استمرت معهم حتى الوقت الحاضر.

وليس بعد الكمال إلا النقصان…

عندما تقدم خدمة عملاء من الطراز الأول، يبدأ العملاء في جلب المزيد من الزبائن لك (أو التسويق بالمديح كما أسميه) ومعهم النجاح والشهرة. في عام 1983 طرح المؤسس سيمور أسهم شركته في البورصة، ومعها بدأ التراجع.

حصل سيمور على 25 مليون دولار أمريكي من طرح الأسهم، استخدمها في التوسع وزيادة عدد الفروع، لكنه بدأ يفقد سيطرته على الشركة. كما وبدأت سياسته في تقديم خدمة عملاء استثنائية لا تجد آذانا صاغية في اجتماعات المدراء… الذين كانوا يريدون الربح الوفير السريع، ورأوا أن خدمة العملاء هذه لهي مصاريف ونفقات غير ضرورية يجب تقليصها.

ما حدث بعدها هو سقوط أول قطعة دومينو… تبعتها سقطات وخسائر وتراجع في ثقة العملاء حتى جاء الإفلاس في عام 2011. بجانب أسباب أخرى مثل وفاة سيمور في 2009 والأزمة الاقتصادية في 2007 ولكن يبقى السبب الأصلي هو أن العميل المتعلم لم يعد هو أفضل عميل لشركة سيمز!

احصل على محتوى تحصل على عملاء

هذا الإفلاس جعل المؤلف جو بوليزي Joe Pulizzi يقول في كتابه احصل على محتوى تحصل على عملاء أو Get Content. Get Customers أن المستهلك المتعلم يصعب التربح منه، وأن المبالغة والإفراط في تقوية وتعليم وزيادة خبرة العملاء تؤدي للخراب والإفلاس مثلما الحال في مثال شركة سيمز.

مع احترامنا لوجهة النظر هذه، لكن يجب كذلك القول إن شركة سيمز خالفت شعارها الشهير المستهلك المتعلم أفضل عميل لنا. حين تراجعت عن تعليم المستهلك وعن تدليله وتقديم خدمات عالية المستوى له، لم يعد أفضل عميل لها… حتى لم يعد لها عملاء، لأنها أصبحت شركة مثل آلاف الشركات، لا يميزها شيء عن الآخرين!

بالطبع، هناك كثيرون لليوم يؤيدون وجهة نظر جو بوليزي… إلا أن شبكة الانترنت جعلت أغلب المستهلكين متعلمين وعالمين ببواطن الكثير من الأمور، الأمر الذي يجعل هذه النظرة أكاديمية أكثر منها عملية في الوقت الحالي.

نظرية المدير الأنيق

(نظرية من وضع محدثكم رءوف شبايك من واقع معايشته لها)

على الجهة الأخرى، حين تقوم الشركة على عقيدة إدارية محددة، تثبت عليها لعقود وسنوات طوال، ثم فجأة يأتي مدير أنيق – يحمل شهادات غالية الثمن وسابقة أعمال تدير الرؤوس – يريد أن يستعرض قدراته في جلب الربح السريع، من خلال النصب والكذب والاحتيال الأنيق على العملاء والمستهلكين تحت مسميات تسويقية وإدارية أنيقة، مثل خفض النفقات وزيادة الأسعار وتعظيم الربح وحفض التكاليف والزعم بأن هذا التخفيض في السعر قدره 75% في حين أنه فعليا ربح 25% خالص للشركة… والنظر للعميل على أنه إنسان غبي معه مال يجب حرمانه منه!

حين يحدث كل ذلك، تنخفض معنويات العاملين ويعمل كل موظف لما فيه مصلحته هو ويكون الربح لا غير هو الأهم في اجتماعات تلك الشركات، ويدفع المستهلك ثمن كل ذلك – لمرة أو مرتين، بعدها يهرب ولا يعود للشراء مرة أخرى، فتحاول الشركة جلب عملاء جدد، تحاول تحقيق أكبر ربح منهم مقابل تقديم أقل خدمة وأرخص منتج لتعظيم الربح، وتكرر ذلك حتى تخسر كل شيء، ويقفز هذا المدير الأنيق من السفينة الغارقة إلى شركة أخرى ليكرر الأمر ذاته…

سوق / أمازون ضد نون

أتابع حاليا المنافسة الجميلة بين متجر نون ومنافسه أمازون. مؤخرا بدأ موقع نون يبيع منتجات خاصة به تحمل اسمه، ذات جودة عالية، بأسعار متدنية، خاصة في مجال اللوازم المنزلية ومعدات الطهي. حين ترضى عنك ربة المنزل / ست البيت، سيكون ما بعده أسهل. رغم البداية المتعثرة والأخطاء الكثيرة في البداية إلا أن متجر نون بدأ يتبع سياسة تسويقية جديدة وجميلة وواعدة. بالطبع تبقى بعض الهنات هنا وهناك، لكن المنافسة شيء جميل.

على الجهة الأخرى -أمازون… كنت قد كتبت مراجعة لمنتج اشتريته جاءني ناقصا قطعة ما، شكوت فيها من هذا النقصان فرفض أمازون نشرها. من باب التجربة كتبت مراجعة لمنتج آخر اشتريته ونصحت به باللغتين العربية والإنجليزية، مرة أخرى رفضه أمازون ولم ينشره. (لا يخبرك الموقع سبب الرفض بوضوح، بل يسرد قائمة أسباب محتملة طويلة عريضة تدل على شعور العاملين هناك بالملل)

خلال سنوات طوال اشتريت فيها مئات المرات من متجر علي اكسبريس، لم يرفض نشر ولو مراجعة واحدة لي. بعضها كان نقدا لاذعا لكن عن حق وباللغتين. في حين نسيت عدد المرات التي رفض أمازون العربي نشر مراجعات لي. تفسيري الوحيد لذلك هو أن المطلوب كتابة مراجعات إيجابية جميلة تؤكد على أن أمازون العربي هو أفضل شيء في هذه الدنيا… ويبدو لي أن ظاهرة المدير الأنيق تحققت هناك… الأيام المقبلة ستوضح ذلك.

الشاهد من القصة…

تقديم خدمة عملاء عالية الجودة أمر ضروري للغاية – مع ملاحظة تطورات الحياة، فالبيع التقليدي إلى انحسار مقابل زيادة التركيز على البيع عبر انترنت، والبقاء سيكون لمن يقدم خدمة عملاء جيدة جدا. (بالطبع هناك عملاء يجب عليك أن تخسرهم، على أن يكونوا قلة لا كثرة وإلا فلديك عيب لم تكتشفه بعد!)

مصدر الصورة المستخدمة فليكر.

  1. أرجو تسجيل حلقات صوتية (بودكاست).

  2. (بالطبع هناك عملاء يجب عليك أن تخسرهم، على أن يكونوا قلة لا كثرة وإلا فلديك عيب لم تكتشفه بعد!)
    بالفعل من كل 100 يطل عليك شخص ما وبعد ان اشرح له كل شيء عن المنتج
    وساعات وهو يحاور في الاخير يسب ويشتم ويهرب من خلال حظر
    اصبحت اعرف هذه النوعيه من خلال سير الحديث
    واتركهم باعتذار
    ودمتم سالمين

  3. لم يعجبني الشعار الذي أختاره سيمور لشركته ..

    وأظنه كان من الممكن أن يعبر عنه بلباقة أكثر ..

    فهمت ما قاله فقط بعد مشاهدتي للإعلان وعرفت أن تسعيره كان به شفافية أحبها العملاء .. وهي فكرة مبتكرة وفريدة بالفعل.

    شكرا لك أستاذ رءوف على مشاركة هذه القصص المفيدة معنا ..

  4. اشكرك .. هل ممكن ان تكتب عن طريقة التسعير والبيع Off-Price ؟
    سأكون ممتن لك لو قمت بذلك

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *