قصة نجاح من كوريا الجنوبية

6٬128 قراءات
14 فبراير 2015
قصة نجاح من كوريا الجنوبية

بطل قصتنا اليوم من كوريا الجنوبية ، من مواليد 1928 في العاصمة سيئول لأب عمل في تجارة العطارة الصينية، وكان الابن الأصغر لأربعة سبقوه من الإخوة، واضطر لهجران مقاعد الدراسة وعمره 12 سنة لضيق ذات اليد، ليعمل بعدها في إصلاح مراكب الصيد ومزج الأعشاب الصينية وتنظيف المحلات، ورغم عمله وانشغاله إلا أنه حرص على التعلم بمفرده حتى تمكن من اجتياز اختبارات دخول الجامعة، وهناك حيث استمر تفوقه مما أهله لمنحة حكومية لاستكمال دراسته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تم له في عام 1959 في مجال إدارة المكتبات، ثم عاد بعدها لبلده واستلم محلا صغيرا لبيع الأدوية مملوكا لإخوته، ثم عمل في المكتبة الوطنية الكورية، ثم أستاذا في الجامعة.

البداية

في عام 1970 قرر شونج مون لي Chong Moon Lee الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأما سبب السفر فعجيب بعض الشيء، ذلك أن الحكومة العسكرية التي قفزت على الحكم وقتها أرادت توظيف كل من يتحدث ويفهم الانجليزية وهو ما برع فيه شونج، لكن العسكريين أرادوا توظيف شونج بدوام كامل في الحكومة، وهو ما رفضه شونج ولذا أخذ يؤجل تنفيذ طلبهم هذا حتى تسنى له الهجرة لأمريكا. لماذا رفض العمل مع العسكريين؟ لأنهم خالفوا دستور البلاد وقتلوا الأبرياء وخلعوا حكومة جاءت بانتخابات ديمقراطية، ولذا لم يرد شونج أن يكون جزءًا من هذا الظلم. حين هاجر شونج اضطر لترك أسرته خلفه، لكنهم لحقوا به بشهور.

الهجرة

حين هاجر شونج لأمريكا (تحديدا في شمال كاليفورنيا) لم يكن معه أي مال، لكنه كان يعرف رجلا أمريكيا عمل كمستشار تجاري لحكومة تايوان، والذي تولى رعاية ومساعدة شونج للعمل بعد أن ساعده خلال الهجرة. ثم حدث أن مر شونج على محل في لوس انجلوس يبيع كل ما فيه تمهيدا للإغلاق، وهناك حيث عثر على منتجات متفرقة بسعر زهيد (10/1 الثمن الأصلي)، خاصة كرات الجولف والتي عمل شونج على تصديرها لليابان.

لا حاجة لرأس مال – الثقة تكفي

وهنا يثار سؤال: كيف لفقير معدم أن يبدأ نشاطا تصديريا بدون رأس مال؟ سؤال وجيه وسيبقى معنا لبعض الوقت، على أنه في حالتنا هنا كل ما تعين على شونج فعله هو أن يطلب من البائع أن يمهله 3 أسابيع حتى يعثر له على بائع ويتلقى ثمن البضاعة ثم يدفع له، وهو ما تم.

كيف دخل قطاع الإلكترونيات

استمر شونج يعثر على بضاعة مزجاة يعيد تصديرها لأسواق تريدها ويربح من فرق السعر، ثم تصادف أن كان له عدة أصدقاء يعملون لدى شركة هتش بي HP والذين استمروا في التكرار على مسامع شونج أن عليه دخول معترك تجارة الإلكترونيات، ثم تصادف أن اشترى شونج لابنته الصغيرة كمبيوتر منزلي ابل في عام 1979، ثم اشترى كمبيوتر آي بي ام – بي سي لابنه الصغير في 1982 لكن شونج لاحظ أن ابنه الصغير يقضي جل وقته على كمبيوتر أخته، وبسؤاله علل الابن ذلك بأن كمبيوتر ابل له واجهة رسومية ولديه ألعاب تعليمية كثيرة، وهي أمور ندر أن يجد مثلها على حاسوب آي بي ام الجاد الجامد.

ليست كل فكرة جيدة…

هنا خطرت الفكرة لشونج: لماذا لا يطور نظام تشغيل يعمل على الحاسوب الشخصي ويوفر ما توفره أنظمة تشغيل ابل ويقبل تشغيل برامج ابل؟ (بهدوء، نحن نتحدث عن حقبة الثمانينات تقريبا لذا لا تحكم على الماضي من المنظور الحالي). حين عرض شونج الفكرة على مهندس يعمل معه، رد عليه الأخير بأن هذا الأمر ممكن ولن يحتاج لأكثر من ستة شهور من العمل!

التقدير المبدئي عادة ما لا يصدق…

شعار شركة دياموند لمؤسسها شونج موون لي من كوريا الجنوبية

شعار شركة دياموند لمؤسسها شونج موون لي من كوريا الجنوبية

في عام 1982 أسس شونج شركة أسماها دياموند للوسائط المتعددة أو Diamond Multimedia والتي عانت من التعثر والخسائر حتى بلغت الخسارة الكلية مليونين من الدولارات. ما حدث فعليا هو أن الأمر تطلب قضاء ستة أعوام ونصف من العمل حتى تحققت الفكرة التي راودت شونج، ذلك لأن ابل تحمي الكثير من منتجاتها وفق قوانين الملكية الفكرية، الأمر الذي يجعل من الصعب تقليدها. هذه الأعوام الستة قضت على الأخضر واليابس في حياة شونج…

خسائر من كل نوع وحدب وصوب

الخسائر لم تقف عند حد المال، إذ انفصلت زوجته عنه ورحلت آخذة معها الأبناء، وبعدها اضطر شونج لبيع منزله بما فيه، وفقد كل شيء حتى بات يأكل من القمامة ويشتهي ساندويتش اللحم، وبلغ به اليأس مداه حتى أنه وضع فوهة المسدس على رأسه ثلاث مرات في رغبة لم تكتمل للانتحار. حتى مصلحة الضرائب الأمريكية طاردت شونج وهددته بالسجن إن لم يسدد ما عليه من ضرائب مستحقة…

كيف تخرج من دوامة اليأس؟

شونج مسيحي ملتزم، رفض لقاء ربه منتحرا، كذلك لطالما أمسك بصورة حفيده الصغير من ابنه، وتذكر كيف أن التقاليد الكورية تشين من ينتحر، وأنه بانتحاره سيجلب العار لمن يحب. معتمدا على قناعته هذه، وعلى تقليصه لكل أوجه الانفاق، من طعام وشراب وملبس، وبعدما تعلم أنه حين يُظهر للناس أنه صادق في اجتهاده للخروج من مأزقه المالي، سيساعدونه، وهو ما حدث مع جباة الضرائب الأمريكيين الذين تركوه دون سجن ليبرح المال الكافي لسداد الضرائب، وكذلك فعل الدائنون.

زوجة رحلت، لتحل محلها أخرى

ثم حدث أن الشريك الياباني لشونج سافر من اليابان إليه ليرى بنفسه ماذا حل بشريكه المستمر في الخسارة والبعد عن المكسب، وبعدما جلس معه وتعرف على تفاصيل أكثر من قصته، وصل إلى نتيجة مفادها أن شونج بحاجة لمن يرعاه على المستوى الشخصي، قبل المالي والاستثماري. وجد الصديق الياباني أن شونج بحاجة لزوجة تحسن التصريف والتدبير، ولذا اقترح عليه الزواج من نسيبته ريكو Reiko وهو ما تم بعد مرور 6 أشهر من هذه المقابلة! رغم أن التوافق بين اليابانيين والكوريين أمر صعب للغاية، لكن ريكو أثبتت كفاءة عالية في إدارة دفة حياة شونج، وساعدته للعودة من جديد.

مقابل الزيجة كان موافقة الشريك الياباني على استثمار 200 ألف دولار مع شونج، وكان هذا المبلغ كافيا لصنع بطاقة محاكاة لتشغيل برامج ابل 2 على حاسوب آي بي ام والأجهزة المتوافقة معه، وبعد صنع أول بطاقة محاكاة Emulator Card حملت اسم TrackStar جاء أول طلب شراء من شركة تاندي Tandy والتي طلبت كمية كبيرة من هذه البطاقات.

مبيعات مضمونة، بنوك ممتنعة

رغم حصول شونج على أمر الشراء، ووجوب الشروع في تصنيع هذه البطاقات بسرعة وتسيلمها للعميل الأول، لكن البنك الذي يتعامل معه شونج رفض إقراضه المال اللازم لشراء المكونات اللازمة للتصنيع! لحل هذه المشكلة، عاد شونج للشركة المصنعة وطلب منها أن ترسل أمر الشراء إلى البنك ليوافق الأخير على إقراض المال وهو ما تم. بعد تسليم شونج البضاعة المطلوبة، سددت الشركة الثمن مباشرة للبنك. بعد تاندي طلبت آي بي ام IBM شراء هذه البطاقات بدورها!

الانطلاق مع الوسائط المتعددة

في عام 1988، وبناء على اقتراحات من الشركاء والعملاء، قرر شونج دخول شركته معترك تصنيع معدات الوسائط المتعددة Multimedia، وهذه المرة اعتمد مرة أخرى على موظف يعمل معه اقترح عليه تطوير بطاقة عرض فيجا مخصصة لتسريع عرض رسومات الجرافيكس، وبعد صدور أول بطاقة تسريع، اشترت شركة جيتواي Gateway كمية كبيرة من هذه البطاقات.

صورة وصوت

من بطاقات الجرافيكس إلى بطاقات الصوت، إلى أجهزة تشغيل الموسيقى المحمولة مثل أجهزة ريو Rio (نعم، سبق شونج عباقرة شركة ابل إلى ذلك!) إلى طرح الأسهم في البورصة، إلى بيع شونج جل نصيبه في الشركة في عام 1995 مقابل 92 مليون دولار ليؤسس شركة أخرى للاستثمار لا زال عضوا في مجلس إدارتها (وقت كتابة هذه السطور) بينما يوجه نصيبا لا بأس به من ثروته لأعمال الخير، وأوصى بألا يرث أبناؤه سوى القليل اليسير من ثروته بعد موته، فهو يرى أنه أعطاهم فرصة نيل تعليم ممتاز الأمر الذي يكفيهم.

بعد بيعه الشركة، استحوذت شركة S3 على دياموند، ومرة أخرى جاءت بداية الاستحواذ مليئة بالعثرات والفشل، حتى استحوذت شركة أخرى على الشركتين، لتعود دياموند بعدها بفترة كشركة منفصلة، لا زالت تصنع بطاقات ملحقات لأجهزة الحاسوب، لكن بدون الشهرة التي حققتها لأول مرة…

على الجانب:

  • شونج ينحدر من سلالة ملكية، جده الأكبر كان ملك كوريا وحكمت أسرته كوريا لمدة 500 عام حتى جاء المحتل الياباني الغاشم وعصف بالبلاد في عام 1905.
  • شونج راعي كبير للفن الآسيوي، يعمل على تعريف الغرب بالفن اللآسيوي القديم.
  • في وقت فراغه، يعمل شونج على الرسم بألوان الزيت.
  • في بدايتها استعملت دياموند رقائق إلكترونية من صنع شركات مجهولة. مع نجاح دياموند نجح مصنعو هذه البطاقات وحقق بعضهم شهرة عالمية.
  • يدين عشاق ألعاب الكمبيوتر والكونصول لشركة دياموند، والتي فتحت الطريق أمام ظهور بطاقات عرض سريعة بما يكفي لعرض رسوميات ثلاثية الأبعاد كالتي تراها اليوم!

هذه القصة وردت ضمن محتويات باقة النجاح الإلكترونية التي يمكن شراؤها من هذا الرابط.

اجمالى التعليقات على ” قصة نجاح من كوريا الجنوبية 10

  1. أحمد سعد رد

    بداية متعثرة ، و فشل درامي ، ثم نجاح مميز .

    قلما يستطيع الشخص العادي أن يتجاوز العائق الأول ثم الثاني ، ليصل إلى ما وصل إليه “شونج” من نجاح .

    أرى أن إرادته كانت قوية بما يكفي لصنع هذا الإنجاز .

  2. أحمد عبد اللطيف رد

    قصة جميلة – أخى شبايك – سطرتها كعادتك باتقان ، فابرزت مغزاها ، و الدروس المستفادة منها . و فى نظرى أهمها أنه عندما سقط لم يكن فى مقتبل الشباب لكنه وقف على قدميه وقفة كانت منطلقه الى مسعاه ، و محققه مبتغاه ، فهذه القصة تدمغ حجج من يقول كبرت فى العمر و خسرت و لا أقوى على البدء من جديد . فشكراً لك أخى العزيز شبايك على ما خطه يمينك .

  3. د محسن النادي رد

    ما لفت نظري انه من سلاله ملكيه
    يعني
    لم يجلس ويندب حظه
    فشل في فشل لكن قابه اصرار وامل
    هكذا بالفعل يتم نحت صخر النجاح
    ودمتم سالمين

  4. عبدالله الزهراني رد

    السلام عليكم
    موضوع ممتاز ومحفز في نفس الوقت
    سبحان الله كان مشرد واصبح رجل اعمال

  5. ناشد للنجاح . رد

    يعطيك اللعافية يا شبايك
    مدونتك ادمان ،منذ ان قرأت مدونة حذاء الثلج كأول هبوط لي في مدرجات مدونتك قبل شهر والى الان شعلي الشاغل وقد وصلت الان الى موضوع رسايل حب ..احب اشكرك على عطائك الامحدود والسلام عليكم…

  6. ايهاب كمال رد

    الاخ رؤوف
    انت تعمل كصياد اللؤلؤ تغوص في اعماق الكتب و المواقع لتجلب للشباب العربي الدر الثمين

    تمنياتي بدوام الابداع و ننتظر كتبك المتميزة

  7. المهاجر رد

    “أن شونج بحاجة لمن يرعاه على المستوى الشخصي، قبل المالي والاستثماري. ”
    “وجد الصديق الياباني أن شونج بحاجة لزوجة تحسن التصريف والتدبير، ولذا اقترح عليه الزواج”

    هل فعلا وراء كل نجاح إمرأة؟؟.. إذا كانت المرأة هى الجندى المجهول فأنا يلزمنى من يرعانى على المستوى الشخصى .. فهل لو هذا حدث سأكون مثل شونج؟؟

  8. محمد سلام رد

    انا مشترك جديد معكم، أولا اريد أن أبدي إعجابي بالمدونة ومواضيعها الشيقة التي قرأت بعضها وبالفعل اشترك حتي اكمل القراءة فيمه بعد
    الحقيقة أنا أبحث عن مشروع تجاري أبدأ به لأني مملت من الوظيفة واري ان قدراتي اكبر من مجرد وظيفة وعمل مكتبي، انا اعمل (محاسب + HR) لاني الوحيد الموظف العربي فى شركة ألمانيه فى دبي، الحمد لله راتبي جيد نعمة من الله عز وجل والوظيفة جيدة والمعاملة طيبة واعتبر مدير نفسي لكن فى الأخر وظيفة وراتب محدد
    أحب التجارة جدا ولكني متردد فى البدء لعدم وجود فكرة مناسبة فى رأسي، يشرفني التواصل مع من له نفسي الميول
    أعتقد أن المشكلة ليست فى رأس المال بقدر ماهي فى الفكرة المبتكرة التي تنمو وتنتشر فى السوق
    شكرا جزيلا لشبابيك ولكم
    محمد سلام
    mohamed_Salam60@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *