قصة تشارلز جوديير، الذي طوع المطاط الطبيعي

4٬295 قراءات
8 سبتمبر 2013

وأما قصتنا اليوم فعن الرجل الذي طوع المطاط لاستخدام البشرية بشكل عملي وسهل، الأمريكي تشارلز جوديير، المولود قبل يومين من نهاية عام 1800، في مدينة نيوهيفن في ولاية كونيتيكت، وتوزع صباه بين مساعدة أبيه في مزرعته وفي مصنعه، الأمر الذي جعله يتغيب كثيرا عن مقاعد الدراسة، لكنه امتلك عقلا يبحث عن المعرفة شغوفا بالاختراعات، وحين كان يلعب أقرانه كان هو يفضل قضاء الوقت في قراءة الكتب. ذات يوم وبعدما بلغ 10 سنوات، عثر على مادة لزجة غريبة، المطاط الطبيعي، والتي استهوته كثيرا ولفترة طويلة بعدها. تميز هذا المطاط بسهولة إذابته، ثم بعدما يجف، كانت يلتصق بالأشياء بشكل مرن. بعد عدة تجارب، تبين لتشارلز إنه في حال تمكن من حذف خاصية الالتصاق من هذه المادة، فبإمكانه ساعتها تطويعها لتكون مادة مرنة رفيعة ذات استخدامات تجارية عدة.

charles-goodyear-quote

بعدما أتم أخيرا تعليمه المدرسي وعمره 16 سنة، أرسله والده إلى ولاية مجاورة ليتعلم تجارة الخردوات، حتى إذا بلغ 21 عاما عاد مرة أخرى ليشارك والده في تجارته. على مر خمس سنوات، انتعشت تجارة الأب والابن، وامتدت لتصنيع الأزرار والمعدات المعدنية وآلات الزراعة وغيرها. بعض هذه المنتجات كانت من اختراع تشارلز، الذي وجد سعادة في مساعدة الناس باختراعاته. وعمره 24 سنة، تزوج تشارلز، ثم انتقل بعدها بعامين إلى ولاية فيلادلفيا ليفتتح أول متجر عام لبيع الخردوات العامة، حيث باع منتجات والده واستورد بعض البضاعة من انجلترا. كانت التجارة رابحة، ساعدته على فتح عدة فروع في مدن وولايات أخرى، حتى انضم إلى نادي الأثرياء، وكان له من الأبناء خمسة.

على أن قصص النجاح لا تحفل بمن عاش حياة سهلة، وكذلك كان تشارلز، الذي ما أن بلغ 29 سنة من العمر حتى بدأ حظه يتغير، بداية بإصابته بمرض عسر الهضم المزمن الذي كان يضطره للرقود طويلا في الفراش، الأمر الذي منعه من الاهتمام بأعماله، تلاها تأخر سداد المدينين لديونهم، فلم يأت العام التالي إلا بإفلاس تشارلز ووالده بسبب تراكم الديون، وليته وقف عند هذا الحد، إذ أضطر تشارلز للتنازل عن ملكية الاختراعات التي اخترعها وصنعها سدادا لديونه، ولما لم يكف كل ذلك، اضطر تشارلز لقضاء فترات متتالية في سجون الولاية. هذه الفترة العصيبة ساعدته زوجته الوفية على تخطيها. حتى في السجن، كان تشارلز مشغولا بالانتهاء من اختراعاته الجديدة في مجال الزراعة لسداد الديون المتأخرة والمتراكمة.

بعدما خرج من السجن أخيرا، وجد تشارلز صعوبة كبيرة في العودة لعمله السابق، ذلك أن الدائنون رفضوا العمل معه، الأمر الذي جعله يتجه إلى ابتكار أشياء جديدة واختراعات مفيدة، لكن في مجالات بعيدة عن عمله السابق، حتى يتسنى له البدء من جديد. استمر تشارلز يبحث عن هذا الجديد، حتى بدأ يلاحظ في عام 1831 نشاطا ملموسا في تجارة المطاط المحلية، وبدأت المنتجات المصنوعة منه تزدهر (خاصة في مجال الأحذية)، فبدأ يهتم بالمطاط ويتابع تجارته عن كثب. في عام 1934 شاهد تشارلز منتجا مصنوعا من المطاط، ووجد فيه عيبا صغيرا، فعكف على تجاربه حتى تمكن من معالجة هذا العيب، وذهب بفكرته الجديدة إلى الشركة المصنعة لهذا المنتج، والتي سعدت لهذا التطوير، لكنها كانت في موقف صعب جدا وتحتاج لمن ينقذها.

كان للمطاط عيبان، الأول في فصل الصيف حيث كانت مرونته تزيد وتنهار كتلته ويلتصق بمن يستخدمه، وأما في الشتاء البارد فكان يقسو للغاية ويفقد مرونته وتكثر فيه الشقوق، بل إن بعض المنتجات كانت تلين بشدة وتلتصق جراء حرارة جسم الانسان العادي الذي يستخدمها. هذه العيوب أدت إلى تراجع تجارة المطاط بشكل عام، خاصة وأن التخلص من المنتجات المطاطية المعيبة تطلب دفنها تحت الأرض لأنها ذات رائحة كريهة وكل هذه تكاليف إضافية. خلاصة الموقف، إذا أراد تشارلز بيع أي شيء لشركات المطاط، كان عليه قبلها حل مشاكلها. لكن قبل أن يتفرغ تشارلز لهذا الهدف، كان عليه العودة إلى السجن مرة أخرى سدادا لمتأخرات دين سابق، ولذا لم يجد بدا من أن يذهب للسجن ومعه كميات من مادة المطاط الطبيعي ليقضي فترة حبسه في التفكير في حلول لمعضلات المطاط كلها.

لا، لم تمض القصة على ما يرام، ذلك أن كثرة ديون تشارلز لم تترك له صديقا، كما أن المرض المزمن كان يجبره على مطارحة الفراش لفترات، والفقر لم يسمح له بشراء ما يلزمه للبحث العلمي، وفوق كل هذا، لم يكن تشارلز خبيرا بعلوم الكيمياء ليفهم تركيبة المطاط، كما أن غيره من علماء الكيمياء الذين درسوا تركيب المطاط لم يجدوا أي مؤشرات تهدي من يريد علاج عيوب المطاط الطبيعي. أي بكلمات أخرى، كان فقيرا، مدينا، مسجونا، مريضا، جاهلا، لكنه كان كذلك عازما على حل هذه المشكلة من أجل الصالح البشري العام.

على مر خمس سنوات تالية، قضاها في السجن، انكب تشارلز على تجاربه مع المطاط الطبيعي، وكان من توفيق الله له أن عثر على صديق ثري سمح له بالمكوث مجانا في بيت تابع له، ليجمع فيه شمل عائلته وينام تحت سقفه. إذن جاء اليسر في السكن والمأوى، لكن النفقة كانت بلا حل بعد. لم يضيع تشارلز وقتا وبدأ يكمل تجاربه في مطبخ هذا البيت، وبدأ يضيف هذه المادة إلى تلك ويراقب النتائج، وبدأ أصدقاء العائلة يتبرعون له ببعض المكونات الكيمائية، ليستخدمها في تجاربه، حتى بدأت الدنيا تبتسم له شيئا قليلا.

توصل تشارلز إلى أن سائل ترنبتين يجعل من المطاط نصف سائل، ثم إذا عالجه بمركبات كيماوية أخرى بعدها، أكسبه اللون والقوام والكتلة الثابتة بدون اللزوجة المعتادة، وبدأ يستعمل اكتشافه هذا في صنع الأحذية وبيعها، الأمر الذي مكنه أخيرا من اكتساب لقمة العيش وإعالة أسرته، ومع استمراره تمكن من توظيف بعض السيدات للعمل في مطبخه لصنع المزيد من الأحذية المطاطية، بجانب مساعدة أفراد عائلته له في عمليات التصنيع. للأسف، ابتسامات الأيام قصيرة الآجال، فما أن جاء الصيف وحره، حتى بدأت الأحذية المطاطية التي صنعها تشارلز تذوب وتفقد قوامها وتلتصق بأرجل المشترين، ولا تقف عند هذا الحد، بل تصدر منها رائحة كريهة جعلت الكل يشكو منها.

تشجع يا قارئي العزيز، للقصة نهاية جميلة، إقرأها على هذا الرابط.

اجمالى التعليقات على ” قصة تشارلز جوديير، الذي طوع المطاط الطبيعي 3

  1. DevelopSmith رد

    مقال رائع كالعادة ، لكن مجرد القراءة و الانبهار لا تجعل منا عظماء. يجب أن نسوعب ما نقرأ و نستلهم منه الأفكار. استمر فأنت تمتعنا كعادتك

    هناك خطأ إملائي علي ما أعتقد فالجمله “في عام 1934 شاهد تشارلز منتجا مصنوعا من المطاط” أظنك تقصد 1834 !

  2. برزان رد

    شكرا لك اخ شبايك قصص رائعة ومحفزة نسأل الله ان يوفق شباب العرب لقيادة العالم مستقبلا في مجال الأعمال لينفعوا أمتهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *