قصة نجاح بهارات السعيد في الخليل، فلسطين
وأنا ابحث في القديم من رسائل البريد لدي، وجدت رسالة وصلتني عبر المدونة في عام 2014 سألني صاحبها النصيحة… الأمر الذي شوقني لمراسلته من جديد وسؤاله كيف حاله اليوم… وطلبت منه أن أنشر رده وقصته في مدونتي الصغيرة…
البداية من مدينة الخليل
أنا عمر السعيد، من مدينة الخليل في فلسطين المحتلة، درست التسويق وكنت من المداومين على قراءة مدونتك.
بدأت العمل في شبابي مع والدي في تجارة البهارات (العطارة). كان والدي يستأجر محلاً صغيرًا والمردود المالي منه ليس كما المأمول له… كان المحل في مدينة الخليل في منطقة السوق، في شارع فرعي وليس في قلب السوق حيث حركة الناس والاكتظاظ…
رغم ذلك، جاء المشترون للمحل بسبب السمعة والشهرة الطيبة للوالد وللعائلة… ولأن عائلتي مشهورة في هذا المجال من الأجداد ويوجد لي أعمام وأقارب يعملون في ذات المجال…
كان ذهني مشوشا من تصارع الكثير من الأفكار فيه، ولكن جميعها ناقصة لا أعرف بدايتها ولا تنفيذها… لهذا كنت أتابع مدونتك وتواصلت معك كنت أريد فقط من يدلني على بداية الطريق…
سؤالي لك كان ماذا أفعل، كيف أحسّن وضع المحل… هل أبقى في هذا المجال مع والدي أم اتقدم لإحدى الشركات وأعمل موظفا في مجال دراستي… كنت أقرأ مدونتك وأتابع قصص النجاح وأعيش أحلام وأتخيل نفسي أحد هؤلاء الناجحين…
مفتاح الفرَج
وأنا في هذا الأمر، اقترح قريب لي أنه يريد العمل في الاردن بهذا المجال ويريد مني أن اذهب لأستلم العمل… وكان هذا الأمر بالنسبة لي مفتاح الفرج لأنها فرصة لي لتحسين الوضع المالي وتطبيق ما تعلمت في دراستي وأن أكون واحدا من الذين قرأت عن قصص نجاحهم في مدونتك…
بعدها تركت العمل مع الوالد، واستمر هو في المحل بمفرده. لم يكن المحل فعليًا بحاجة لأكثر من شخص يعمل فيه. بعد فترة، ترك والدي المحل لأن صاحبه أراد ان يستثمر فيه، ما اضطر والدي لاستئجار محل آخر أكثر سوءًا ولم أعلم بذلك إلا بعد مرور بوقت طويل… وحين علمت بهذا الانتقال، زادني ذلك اصرارا على أن أبذل كل ما أستطيع للنجاح..
السفر إلى عَمان
ومن هنا بدأت قصتي… ذهبت للأردن وتحديدا عمان، وبدأت أحضّر لكل شيء لكي أبدأ العمل من مستودع صغير وما أحتاج إليه من عبوات وماكينات طحين وهكذا…
عند البدء في العمل الفعلي ونزولي إلى السوق شعرت كأني تائه لا أعرف أين أنا وماذا أفعل..
مكان غريب وأنا غريب – لا أحد يعرفني ولا أعرف أحدا، سوق كبير، منافسة شديدة، تجار كبار لا أذكر بالنسبة لهم..
رغم ذلك، ذهبت إلى الأسواق والمولات وتعرفت على المنتجات المعروضة في المحال والمولات التي تخص مجال عملي.. كنت لأول مرة في حياتي أدخل هذا السوق – وأول مرة أخرج من بلدي تقريبا – كنت أذهب كل يوم إلى السوق وادخل المحال التي تعمل في هذا المجال، انظر إلى البضائع المعروضة واسأل عن الأصناف والأسعار واشتري شيئا قليلا حتى لا أحرج نفسي.
كررت الذهاب والنظر إلى الرفوف حتى حفظت طرق التعبئة والتغليف للمنتجات والأوزان والأسعار… واستمريت على هذا الحال ما يقرب من عشرة أيام إلى أن وجدت فكرة العبوة التي أريد ان استخدمها للتوزيع على المولات والمحال التي سأستهدفها لعرض البضائع..
في هذا المجال تجد المحال المتخصصة في هذه الأصناف ولا تبيع غيرها، وكذلك المولات ومحلات السوبر ماركت التي تخصص فقط بعض الرفوف لهذه المنتجات.

موزعين، أم تجزئة، أم مستهلك نهائي؟
في اللحظات الاخيرة من التحضيرات في عمان تواصلت معك لأسألك عن أفضل الطرق للبدء في هذه السوق الجديد: هل استهدف الموزعين أم تجار التجزئة. كان ردك أن أبدأ مع تجار التجزئة ليصل منتجي للمستهلكين أولا بشكل يخلق طلبا عليه.
لا أريد الاطالة، ولكن بدأت ودخلت السوق وأصبح لي زبائن، ولكن ليس كما كنت أطمح… كانت المبيعات بالكاد تغطي المصاريف، والأرباح قليلة…
كانت المبيعات تزيد لكن ببطء شديد حتى تعبت… السوق كبيرة والزبائن متعبون ويماطلون بالتسديد والنصابون كثر… ولأني غريب عن البلد فمن الصعب أن أعرف من الجيد ومن غير ذلك…
هذا لا يعني أنه لا يوجد هناك أشخاص جيدين، بل ومنهم من أتواصل معهم إلى الآن…
العودة بعد خمس سنوات
استمريت لمدة خمس سنوات ثم قررت أن أعود إلى بلدي الخليل.
عدت وأنا لا أعرف ماذا أفعل هل أكمل ما بدأت به في الأردن من توزيع وبيع بالجملة؟
انا هارب من هذا الشيء المرهق المزعج… لا أريد العودة إلى تلك المتاهات المرهقة…
كان لي قريب يعمل في هذا المجال، فقررت أن أتعامل مع المستهلك مباشرة وأن أطبق كل ما تعلمت من فنون التسويق بشكل مباشر مع المستهلك وأن أفتح محل بيع بالتجزئة.
بحثت عن مكان مناسب غالي الثمن لأن المكان له أهمية كبيرة، والبضاعة أخذتها من قريبي الذي تساهل معي في التسديد…
كيف دبرت ثمن المحل؟
هذه قصة لحالها. بعد عودتي إلى الخليل، ذهبت إلى قريبي (والذي اقترح علي سابقًا العمل في الأردن). هذا القريب يعمل بالأساس في تجارة الجملة في الخليل.
طلبت منه أن يعطيني بعضا من البضائع لأضعها في محل والدي كي أبيع بالجملة إلى أن أجد محلا مناسبا لبيع التجزئة لأني لا أريد العمل في تجارة الجملة فمشاكله كثيرة.
أصبحت اذهب إلى السوق وأعرض على المحلات شراء المنتجات بسعر قريب من رأس المال فقط لأبيع وأسدد ثمن البضائع.
وجدتها…
وفي أحد الأيام جاء على بالي منطقة شعبية في الخليل يوجد بها كثافة سكانية (وهي منطقة تكاد تكون النصف الآخر من مدينة الخليل) ولا يوجد بها محل متخصص لبيع البهارات والعطارة…
بسرعة زرت هذه المنطقة وتجولت بها أكثر من مرة وسألت عن أفضل موقع في هذه المنطقة لافتتاح محل بهارات وعطارة… وبعد عدة أيام وبمساعدة بعض الطيبين الذين وكلتهم ليسألوا لي عن محلات خالية، وجدت المحل المناسب…
في الواقع، كانوا ثلاث محلات بجانب بعضها… وكان هذا ما أبحث عنه بالتحديد…

ذهبت الى صاحب المحلات وطلبت منه الاستثمار معي بإيجارهم لكنه طلب مني إيجارا لا أملكه…
أخذت أفكر كيف سأجمع مبلغ الإيجار… لم أذهب إلى والدي لكن قصدت قريبي الذي ذكرته لك، وطلبت منه المبلغ لكنه رفض…
تضايقت بعض الشيء ولكني عذرته فأنا عائد للتو من الأردن ولم أجلب له أرباح بعد سنوات خمسة… كما أعطاني بضاعة أوزعها ولم أسدد له ثمنها كلها…
كان رأيه أن اعتمد على نفسي أكثر…
لكن الله هو الرزاق وكنت متوكلا على الله دائما…
بعدها اتصل بي شخص من مدينة جنين يطلب مني صنف بضاعة بكمية جيدة، وهذا الصنف موجود عند قريبي. اتفقت معه على دفع الثمن نقدا مع سائق الشاحنة التي ستستلم البضاعة مني.
ويشاء الله أن ثمن البضاعة مساو تماما لمبلغ إيجار المحلات…
أخذت المبلغ كاملا وأجلت دفع ثمن البضاعة لقريبي بعد موافقته، واستأجرت المحلات الثلاثة!
ثم جاء يوم الافتتاح – بهارات السعيد

قمت بتجهيز المحلات بنفسي ووقفت مع عمال الديكور وطلبت سداد أثمان لوازم التجهيز بالقسط المتأخر حتى تبدأ المحلات في ربح المال.
بعد افتتاح محلات بهارات السعيد (في الخليل المنطقة الجنوبية شارع السهلة) بدأت العمل وأحضرت والدي ليعمل معي.
منذ أول ثانية حرصت أن أقدم أحسن المنتجات للزبائن.
كان كل تركيزي على الجودة العالية ولم أتطلع إلى السعر. أردت أن أبيع أفضل المنتجات بهامش ربح بسيط في البداية.
حيث إن عملي الأساسي ومهنتي هي البهارات والتوابل – تعلمت الطبخ لكي أستطيع تقديم أفضل البهارات والخلطات.
أحضرت ماكينة طحن صغيرة لأطحن بنفسي وبكميات قليلة لكي تكون طازجة عند بيعها.
في أول أيام العمل وزعت على كل من يزور المحل عينات مجانية من البهارات التي أخلطها بنفسي…
الحمد لله نجحت الفكرة وبدأ عدد الزبائن يزيد يوما بعد يوم… حتى أصبح لي زبائن تأتي من أماكن بعيدة خصيصا لي.
بفضل الله تمكنت من سداد جميع التزاماتي المادية وافتتحت فرعا آخر في منطقة أخرى… وأنا أبحث اليوم عن محل شاعر لافتتاح فرع ثالث.
ما خرجت به من هذه المرحلة
وجدت أن التعامل مع المستهلك مباشرة أسهل لإقناعهم بمنتجك واعتمدت في هذا على نفسي وليس على الموظفين.
كما اعتمدت على تعريف الناس باسم عائلتي لشهرتهم في هذا المجال… والحمد لله زادت المبيعات والإيرادات حتى فكرت أن استورد بضاعتي مباشرة…
ولكني فضلت أن افتتح فرعًا آخر بحيث تزيد مشترياتي من المورد الذي هو قريبي واحصل منه على خصم أكبر..
…وعندما حدثته بالأمر أعطاني المزيد من التسهيلات كما لو أني استورد البضاعة… وقال لي المثل الشهير: (اللي بتعرفه أحسن من اللي ما بتعرفه).
ثم أحضرت أخي ليعمل معي ويكون هو المسؤول عن الفرع الجديد بعد تدرب معي مباشرة لفترة كافية، حيث تعلم وتم الأمر وسارت الأمور كما يجب.
بعدها خطرت لي أنا وأخي فكرة وهي أن يكون لنا المنتج الخاص بنا…
الجميد
وعليه اخترنا لبن الجميد – العنصر الأساس في وجبة المنسف وهي من أشهر الأكلات الأردنية والشامية. (مزيد من المعلومات في ويكيبيديا)
اقترح أخي على أحد منتجي الجميد عندنا في الخليل أن يصنع لنا منتجًا خاصًا يحمل اسمنا، وهو ما تم بعدها ولكن لم يلبي الكميات التي نحتاجها…
بعدها وجدنا شخصا آخر لديه لبن جميد سوري ولهم مزارع في ريف تركيا – واتفقنا معه وأصبح يورد لنا هذا المنتج ونبيعه لفروعنا من الأقارب.

كررنا الأمر ذاته مع منتجات أخرى بالتعاون مع الأقارب مثل صلصة الطماطم والمعلبات وشيكولاتة جوفرتينا من مصر..
لدينا العائلة الكثير من الشباب العاملين في هذا المجال، منهم من يبيع ومنهم من يستورد، ولذا قررنا معا افتتاح محلات للبيع بالتجزئة يعمل بها شباب العائلة واتفقنا مع المستوردين على الشراء منهم بأسعار قريبة من التكلفة بحيث تزيد الكمية المشتراة من المستوردين، لبيعها في محلات العائلة، بوذلك يكون شباب العائلة متعاونين لا منافسين.
الحمد لله لدينا الآن سبعة عشر فرعا منتشرين في مناطق جغرافية عديدة وأصبحنا نكمل بعضنا، نستورد ونبيع ويكمل بعضنا بعضا…
ولا زال لدينا المزيد من الأفكار بمشيئة الله.
وأما نصيحة عمر لي ولك فكانت: لقد كنت دائما أردد هذا الدعاء:
اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه.. صلاة تفتح لنا بها ابواب البر والتيسير… وتغلق لنا بها ابواب الشر والتعسير… أنت مولانا نعم المولى ونعم النصير. ردده تتحسن أمورك إن شاء الله.
رمضان كريم.
بالحديث عن العطارة، لابد أن أنصحك بقراءة قصة نجاح قارئ المدونة ضياء الدين لاكتشاف البهارات في كينيا ثم افريقيا




اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا 🤲
جزاكم الله خيراً 🌹
وكل عام وحضرتك طيب وبخير وصحة وسلامة وسعادة والأسرة الكريمة 💐
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال 🤲
الشريان الرئيسي في القصة هو القدرة على التكيف والمرونة، حيث لم ينتظر الظروف المثالية بل كان دائم البحث عن الفرص، مع القدرة على تعديل استراتيجيته حسب التحديات. هذا التكيف، بالإضافة إلى التركيز على الجودة والتدرج الذكي في النمو، بدءا بالمنتجات عالية الجودة ثم التوسع التدريجي والتعاون الاستراتيجي مع العائلة، هو ما ساعده على النجاح والتطور بسرعة.
ما شاء الله .. ربنا يزيد ويبارك ..