العملات الرقمية والتحريم – تمهيد وتحليل

تدوينة اليوم اجتهاد بالرأي، وليست فتوى أو نصيحة استثمارية أو مالية، وهي جزء أول من مقالة / مقالات تالية تتناول العملات الرقمية والتحريم الذي حصلت عليه (انظر الرابط).

لا يخفى عليك الاهتمام العالمي الكبير المحيط بالعملات الرقمية والمشفرة والإلكترونية (وكلها مسميات مختلفة لشيء واحد يختلف في بعض الصفات ويتفق في الأصل).

بداية، ما هي العملات المشفرة الرقمية كريبتو

في تبسيط شديد، حملت أول عملة رقمية اسم بتكوين أو BitCoin. غير معروف مؤسسها بشكل واضح أو دقيق. جل ما نعرفه عن نشأتها أنها نتاج عقل وتفكير شخص ما حمل الاسم المستعار: ساتوشي ناكاموتو أو Satoshi Nakamoto.

لماذا هذا الغموض والسرية من مؤسس بتكوين؟

كنت أود المشاركة في نظريات المؤامرة اللطيفة، لكن من يقرأ الكثير عن تطبيقات عملات كريبتو سيجد أن هناك حرب سرية غير معلنة ضدها.

خذ على سبيل المثال برامج تعدين العملات الرقمية، والتي تقوم على تشغيل برنامج ما على جهاز كمبيوتر ما ليقوم بتعدين / جمع / حصاد عملات رقمية.

أكثر من مبرمج أعلن عن نفسه وعن برنامج التعدين الخاص به، فجأة وبدون مبررات توقف عن تطوير برنامجه وتوارى عن الأنظار بعدها بفترة طالت أو قصرت. أغلب برامج التعدين المستمرة لليوم، تجد مبرمجيها مختفين عن الأنظار يطلبون من المستخدمين ألا يبحثوا عنهم.

حين أعلن شخص طائش في أستراليا (رابط ويكيبيديا) أنه هو مؤسس بتكوين كان مصيره القبض عليه بزعم التحقيق معه في قضايا تتعلق بالضرائب.

حين تبحث عن أحوال أشهر الشخصيات التي عملت على تطوير بتكوين في بداياتها، ستجد منهم من مات ومن ترك البرمجة ومن خرج من مجال العملات الرقمية بالكامل.

ولذا ليس طمس هوية مؤسس بتكوين هو المؤامرة، بل هي ما حدث لرواد تقنية العملات الرقمية…

يشاع أن رصيد ساتوشي ناكاموتو من عملات بتكوين يفوق المليون، وهو رقم ضخم جدا عند تقييمه بالعملات الورقية.

نعود مرة أخرى للسؤال، ما هي العملات الرقمية باختصار..

لغرض التبسيط، العملات الرقمية كريبتو هي برنامج كمبيوترـ يعمل على أجهزة كمبيوتر منتشرة حول العالم. يمكن لمن يشاء تنزيلها من مصادر مضمونة وتشغيلها. هذا البرنامج يعمل بطريقة مشفرة لضمان عدم العبث به. الأجهزة التي يعمل عليها هذا البرنامج هي بمثابة شبكة كمبيوتر عالمية لامركزية. هذا البرنامج يوفر عناوين مشفرة لا يمكن تكرارها أو اختراقها أو الدخول عليها سوى بكلمة مرور مشفرة طويلة جدا.

بغرض تعويضهم مقابل تركهم هذا البرنامج يعمل على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، يحصل المستخدمون على مقابل إلكتروني.

هذا المقابل اتفقوا على تسميته عملة. (ومن هنا نبع الكثير من فتاوى التحريم)

كان الهدف من تطوير هذا البرنامج هو توفير بديل للمال وللعملات الورقية – لماذا؟

حين تقرأ – وأنصحك أن تفعل – مقالات ساتوشي ناكاموتو ستجده قد تضرر كثيرا من الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم في الفترة من 2007 – 2009.

باختصار شديد، أفرطت البنوك في الإقراض وتغاضت الحكومات عن ذلك حتى انهارت الأسواق المالية وأفلست الشركات العملاقة والمتوسطة والصغيرة وخسر البلايين من الناس ممتلكاتهم ووظائفهم. وتدخلت الحكومات لمنع انهيار بنوكها، لكن بعد خراب مالطة وانهيار قيمة العملات والأصول العقارية.

خرق كبار الناس القانون، تغاضت الحكومات، دفع الثمن الشخص العادي.

هذا ما أثار حنق ساتوشي ناكاموتو وجعله يفكر في فكرة يقضي بها على المؤسسات المالية العالمية والبنوك التي تخرق القانون وتدفع التعويضات حين تكتشف الحكومات فعلتها، ثم تتكرر الجولة.

أنا وأنت نحتاج البنك / المصرف من أجل النقود وحفظها وتحويلها ونقلها.

بدوننا، ينهار البنك. بدون العملات، ينهار البنك أيضا.

أراد ساتوشي ناكاموتو أن يكون هناك برنامج كمبيوتر يعمل على كل الأجهزة. لا يمكن تزويره أو تعديله بدون موافقة كل أطراف الشبكة. هذا البرنامج يوفر وظيفة مماثلة للوظيفة التي تقوم بها النقود.

إذا نظرت للنقود، فهي مجرد أوراق ذات طبيعة خاصة. يصعب للغاية تكرارها ونسخها. يتفق الناس على قبولها وتبادلها فيما بينهم، فيما يسمونه مخرن للقيمة.

قبل النقود، كان الناس يتقايضون، فرخة مقبل حزمة من الحطب. بيضة مقابل قطعة من معدن ذهبي أو فضي، وهكذا.

في البداية، كانت الأوراق النقدية تغني عن حمل الذهب الذي اتفق الناس على اعتباره ثمينا أو مخزن القيمة. وكان المالك يخزن ذهبه في بنك ما لحمايته من السرقة في مقابل ورقة نقدية مطبوع عليها قيمة الذهب الذي أودعه في هذا البنك.

يتعهد البنك بدفع مقابل الذهب المكتوب على الورقة النقدية لمن يأتي بهذه الورقة مطالبا بقبض المكتوب عليها.

تحول البنك إلى مركزي، تديره الحكومات. هذه الحكومات التزمت في البداية بألا تطبع أوراق نقدية أكثر من قيمة الذهب الذي لديها.

ثم اكتشف رجال السياسة والاقتصاد أنه لا بأس بطباعة الكثير من هذه الأوراق بدون ما يكافئها من الذهب.

ثـم توقفت الحكومات عن تحويل الأوراق النقدية إلى ذهب – مع استمرارها في طباعة هذا النقد.

بعدها اكتشف العالم ما هو التضخم الاقتصادي، وكيف يمكن لورقة نقدية أن تفقد قيمتها وتصبح أقل من قيمة الورق المخصوص المطبوعة عليه.

مائة تريليون دولار زيمبابوي – قيمتها في وقت إصدارها عام 2008 كانت أقل من نصف دولار أمريكي! الصورة من موقع cnn الاخباري

أصبح لكل دولة عملتها النقدية، تضمنها وتضمن سعر صرفها ومقابل تحويلها إلى عملات نقدية أخرى.

عادة ما تعكس قوة العملة قوة اقتصاد الدولة التي تصدرها. تمضي الأمور على ما يرام حتى يأتي سياسي ما فيعلن حربا ويخرب الاقتصاد… أو يغض الطرف عن طباعة المزيد من الأوراق بدون مقابل من الذهب أو القيمة، لتحدث بعدها أزمة مالية عالمية.

في بدايتها، حاولت بتكوين معالجة كل هذه العيوب …

إلا أن أكبر عيب في هذا الدنيا هو الإنسان… الذي يبحث عن الثراء بجشع ولا يهمه إن دمر كل شيء في سبيل الربح السريع.

في نهاية الأمر، تطلب الأمر مقايضة العملات الرقمية بأخرى ورقية، وبدأت تنتشر قصص سرقة العملات والاختراقات والنصب والاحتيال، ثم بدأت حمى المضاربة على تذبذب أسعار العملات الرقمية في الانتشار…

كل هذا جعل من المعتاد أن تقرا بين كل حين وآخر عن مسكين تعرض لسرقة رصيده من العملات الرقمية، لسبب أو لآخر. بعدها خرجت قصص أناس ضاربوا على أسعار العملات الرقمية وخسروا رأس المال الذي استثمروه. حتى بدأ الاعتقاد العام يسود بأن هذه العملات ما هي إلا مؤامرة كونية للنصب والاحتيال. ولأن خيال الإنسان واسع، وآخذ في الاتساع دون توقف، أصبحت الفكرة العامة أن العملات الرقمية ما هي إلا مؤامرة عالمية كونية مجرية لولبية سرية للنصب والاحتيال، لا أكثر.

العملات الرقمية والتحريم

اللطيف في الأمر، أنه رغم كل الهجوم الكثير المتكرر والمنسق عليها، إلا أن سعر بتكوين أخذ في الارتفاع، وأخذت تنتشر بين الناس، حتى حصلت على الوسام الأكبر: التحريم.

للحديث بقية في هذه التدوينة.

  1. اشتقنا لكتاباتك أستاذ رءوف ..

    وننتظر باقي أجزاء المقال.

  2. د. رامي شهاب الدين

    عود أحمد
    اشتقنا لك يا طيب
    مقال رائع وشيق
    كثيرا ما كنت أطالع مقالات عن البتكوين، وفي كل مرة كنت أصطدم بعدم فهمي لماهية البتكوين من الأساس. حسبما قرأت وفهمت من موضوعكم أن البيتكوين هو مقابل مادي تحصل عليه لقاء أن يقوم برنامج ما باستخدام جهازك وأجهزة أخرى بصورة لا مركزية.
    هل ما فهمته انا صحيح ؟
    وما طبيعة هذا البرنامج ؟ فيم يستخدم ؟ وما هي المنفعة أو الخدمة التي يحصل عليها مني وفي مقابلها يدفع لي تلك النقود ؟
    تحياتي وتقديري لشخصكم الكريم

    • شكرا يا يا طيب، مرة أخرى أؤكد أن الصورة التي ذكرتها أنا هنا هي تبسيط شديد والأمر فيه تفاصيل كثيرة.

      الهدف العام من وجود العملات المشفرة هو إيجاد وسيلة عامة لتبادل للثروة في متناول كل البشر. (المقصود بكل البشر من لديه جهاز كمبيوتر مثل الكمبيوتر الشخصي أو الهاتف الذكي أو اللوحي أو أي جهاز به معالج بيانات وقادر على ولوج شبكة انترنت)

      هذه الوسيلة عبارة عن برنامج كمبيوتر يعمل على جميع الأجهزة في العالم، طواعية بدون إجبار. لماذا سيعمل على أجهزة العالم؟ حتى لا يكون هناك جهة عليا تتحكم في هذه الشبكة من أجهزة الكمبيوتر، لأن التاريخ يؤكد أن الانسان إذا تحكم في غيره سيطغى ويصبح ظالما، طبعا هناك بعض الحالات النادرة التي خالفت هذا الحكم وهذه الحالات دورها في الحياة أن تقول أنه لا يوجد شيئ كامل لا أكثر.

      كيف تجعل الناس كلها تترك برنامج ما يعمل على أجهزتها؟ بأن تعطيهم نصيبهم من الكعكة، رصيد في العملات التي يتركون أجهزتهم تشغل برنامجها.

      لا تنس، لا توجد نقود تقليدية هنا، أنت تحصل على نصيبك من العملات المشفرة، ثم تقوم ببيعها مقابل عملات تقليدية.

  3. لو رجعنا لمصادر تاريخيه صحيحه فاكاد اجزم انه كان هنالك رفض للعملات الورقيه وايضا من أفتى بتحريمها
    كل جديد سيكون له معارضين لسبب او لاخر
    ودمتم سالمين

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاركها مع صديق