الذكاء الاصطناعي أخذ وظيفتي – ماذا أفعل؟
تلقيت هذه الرسالة من مصطفى، مصمم في موقع خمسات، قال فيها: “أخي رؤوف أنا في خمسات لما كان موقعك في بداياته ليومنا هذا وكانت الطلبات جيدة تصلني أسبوعيا لكن حاليا أجد أن الذكاء الاصطناعي استحوذ على مجالي الذي كان التصميم ولم أتوصل بطلبات العمل منذ شهور في هذا المجال. أريد أن أكمل في مجالي لأني أحبه لكنني للأسف أخسر كثيرا من الوقت بدون نتيجة مع أنني احاول المواكبة. بماذا تنصحني؟”
إجابة سؤال مثل هذا تطلبت مني البحث والقراءة والتجربة. قبلها دعونا نتحدث قليلا عن:
الذكاء الاصطناعي ببساطة
لتطبيقات الذكاء فروع كثيرة، هنا سأتحدث عن الذكاء الاصطناعي التوليدي أو Generative AI والأساسيات واحدة مع تفرعات كثيرة.
باختصار وتبسيط شديد: الذكاء الاصطناعي التوليدي هو برنامج إحصائي متقدم، يقوم بحساب معدلات تكرار كل كلمة في أي لغة. ثم يحسب معدلات تكرار كلمتين ثم ثلاثة وهكذا.
بناء على نتائج هذه الاحصائيات، يمكن لهذا البرنامج توقع أي كلمة ستأتي تاليا. لنجاح هذه التوقعات، يحتاج البرنامج لقراءة مليارات الجمل.
بعدها وببعض الذكاء البشري في البرمجة، يمكن لهذا البرنامج الإيحاء بأنه يفكر ويقدم الحلول السحرية لمشاكلنا العصرية.
تكلفة الذكاء الاصطناعي
هل تساءلت يوما لماذا تقوم كبار شركات الذكاء الاصطناعي بتوفير برامجها ضمن نموذج المصادر المجانية المفتوحة؟
هل تريد الشيفرة المصدرية التي يعتمد عليها هذا التطبيق الشهير أو منافسه؟ يمكنك تنزيلها بكل سهولة ويسر…
ثم ماذا؟
حاول تشغيلها على الكمبيوتر المفضل لديك. اطلب طلبك وستحصل على إجابة بعد دقائق، أو ساعات، أو أيام، أو أسابيع، أو شهور، اعتمادا على صعوبة سؤالك.
أنت بحاجة لمركز بيانات (داتا سنتر) مفتول العضلات لكي يقوم بالحسابات اللازمة كي يجيب عليك هذا البرنامج الإحصائي الذي نسميه اليوم الذكاء الاصطناعي في التو واللحظة. هذه الحسابات لها تكلفة مؤلمة حقا.
معضلات الذكاء الاصطناعي
1- التكلفة المادية الباهظة كما ذكرنا.
2- هذا النموذج الإحصائي يعتمد على بيانات سابقة – على الماضي. هو لا يفكر أو يبتكر – بل يبني على معطيات سابقة. ميزته الكبرى هو قدرته على تحليل الملايين من المعلومات في وقت واحد – وهي فوق قدرة الذاكرة البشرية.
هلوسة الذكاء الاصطناعي – Hallucination
دعني أروي عليك قصة قصيرة.
طلبت من تطبيق ذكاء اصطناعي تصميم موقع نصي يستقبل أسئلة عملاء الشركة ويجيب عليها مستخدما الذكاء الاصطناعي واعتمادا على ملف نصي كمرجع كتبته بنفسي وأجبت فيه على 99.99% من أسئلة العملاء المتوقعة.
أردت في البداية أن اعتمد على حلول مجانية تماما، ووجدت في تطبيقات WebLLM و WebGPU الحل الوسط الذي سيتيح لي تجربة تصميم موقع رد على العملاء. (دعنا لا نخوض في تفاصيل تقنية)
بعد محاولات طويلة امتدت لأيام، وصلت لحل وسط، استخدمت تطبيق ذكاء اصطناعي من Qwen معيار 1.8 مليار معلومة.
قبلها استعملت معيار 4 مليار معلومة لكنه كان بطيئا للغاية على حاسوبي المسكين. طبعا كلما زاد المعيار كلما حصلت على نتائج أفضل بكثير، لكن زمن انتظار الرد يزيد بشكل مؤلم.
كان الرد يحتاج لقرابة 30 ثانية أو يزيد على نموذج 1.8 مليار معلومة.
بالإضافة لذلك، قمت بتعديل الملف النصي حتى يجد برنامجي الرد بسهولة وسرعة.
الذكاء الاصطناعي يعيش في عالم خيالي
سعادتي بتوفير النموذج البرمجي الرد الصحيح تبخرت حين أعدت عليه ذات السؤال مع تعديلات بسيطة في الكلمات، لأجده يتجاهل المعلومات التي وفرتها في ملف الإجابات النصي الذي أمرته أن يستخدمه كمرجع ملزم له عند البحث عن إجابة سؤال.
تجاهل تطبيق Qwen معيار 1.8 مليار ملف الإجابات وبدأ يقترح إجابات من عنده. اختلط عليه التسجيل في المؤتمر كطبيب وزيارة المعرض كزائر والمشاركة في المعرض كعارض.
في عالم مثالي خالي من البشر وهرموناتهم، كانت إجابته لتكون صحيحة، لكن عالمنا مليء بالقواعد التي لا نلتزم بها… أمر سيصعب علينا شرحه للذكاء الاصطناعي.
مثل هذه الردود يسمونها هلوسة الذكاء الاصطناعي. عيب في صالحنا معاشر الموظفين بدون جدال.
الذكاء الاصطناعي قنبلة موقوتة بدون العنصر البشري
- يجب كتابة مرجع ملزم بطريقة يفهمها الذكاء الصناعي بسرعة وبدقة.
- يجب مراقبة وتدقيق إجابات الذكاء الاصطناعي لضمان توافقه مع المرجع الذي طلبت منه الالتزام به.
- يجب تذكير الذكاء الاصطناعي بألا يتجاهل المرجع الذي وفرته له، وألا يخجل من القول بأنه لا يجد لديه إجابة صحيحة لسؤال العميل، حتى ولو كان لديه إمكانية اختراع إجابة مثالية لأي سؤال لم تجب عليه في المرجع الملزم.
- يجب توقع غير المتوقع والاستعداد له.
مشاكل تطبيقات تصميم الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي
نعود للإجابة على سؤال مصطفى، وهنا أحكي له عن مشكلة واجهت عاصمة الاحتلال البريطاني لمساكين العالم، لندن. في مطلع عام 1900 كانت عناوين الصحف تهول وتحذر من مشكلة عظيمة تواجه لندن.
كانت ساعتها طرقات وشوارع لندن يسير فيها أكثر من 50 ألف حصان وحمار وبغل يجرون ويدفعون عربات الركاب وشاحنات النقل. لكل حيوان من هذا نصيبه اليومي من الفضلات. كل يوم كان هناك أطنان من مخلفات الحيوانات والتي يجب التخلص منها.
كانت الصحف تصدر حاملة عناوين مثل:
لندن ستغرق تحت أمتار من روث الخيول
ماذا حدث بعدها؟ كيف جاء حل هذه المشكلة التي عجز الخبراء عن علاجها؟
ببساطة جاء اختراع المحرك البخاري ثم السيارات كما نعرفها اليوم.
شيئا فشيئا قل الاعتماد على الخيول مقابل الاعتماد على المحركات والمواتير وغيرها.
لم تغرق لندن – لكن ساعتها كان الخوف والرعب والهلع من اختراع المحرك البخاري الجديد مشابها تماما للخوف الحالي من الذكاء الاصطناعي الجديد.
ما حدث مع لندن أن اسطبلات الخيول تحولت لمصانع سيارات وورش تصليح ومحطات وقود وغيرها من لوازم المحرك البخاري.
مدرب الخيل تحول ليكون ميكانيكي سيارات.
عربات الخيول استبدلت الخيول بمحركات والعجلات الخشبية بأخرى مطاطية والكوابح الخشبية بأخرى معدنية وهكذا.
مثال آخر تجد فيه الأمر ذاته تكرر مع اختراع تطبيقات الرسم باستخدام الكمبيوتر وعلى رأسها تطبيق أدوبي فوتوشوب.
وقتها خرج كثيرون يقولون ستموت صناعة الرسم اليدوي… وهو ما لم يحدث. نعم، تراجعت أعداد الرسامين اليدويين لكنها لم تبلغ الصفر.
هذا الأمر سيتكرر كل حين.
لذا يجب علينا جميعا أن نكون من المرونة النفسية والعقلية والذهنية لنواكب هذا التغير السريع.
إذا لاحظت في نتائج تطبيقات الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي، ستجدها كلها خالية من الروح، كلها تقرأ من مصدر واحد، كلها تكرر النتيجة ذاتها.
وجدت عدة دراسات أن البشر ينفرون من تلك الصور والفيديوهات ويشعرون بمشاعر سلبية تجاهها. (المصادر: gettyimages – جامعة بريتش كولومبيا، وغيرها)
العين البشرية باتت أكثر قدرة على كشف الصور والأفلام المصممة بتطبيقات الذكاء الصناعي ثم تنظر إليها نظرة دونية وكأنها نتاج آلة جامدة لا حياة فيها.
من اللطيف في الأمر أن روايات الخيال العلمي (خاصة تلك للمؤلف الروسي الأمريكي الراحل إسحاق عظيموف) تطرقت لهذه النقطة، وسردت حكايات كيف أن الانسان الآلي كان صراعه مع الانسان البشري على أحقيته في معاملته باحترام بدون هذه النظرة الدونية، وكيف أن الروبوت أفضل من سيده الانسان، وهذا ما فسر اندلاع حروب الروبوتات ضد البشر في تلك الروايات.
الآن، وبعد أن رأينا عيوب الذكاء الاصطناعي وحدوده، نصل إلى نتيجة مفادها أنه ليس عدوًا يجب محاربته، بل أداة يجب تسخيرها لصالحنا.
خطة العمل المقترحة لإجابة سؤال مصطفى:
- علينا جميعا التكيف مع الجديد والحديث لا مقاومته – مثلما فعل أجدادنا من البشر. قبول ذلك يوفر راحة نفسية تسهل الخطوات التالية.
- مهارات الذكاء الاصطناعي يجب علينا جميعا تعلمها الآن. جرب بنفسك تنزيل تطبيق ذكاء صناعي وتشغيله على حاسوبك في إنتاج الرسومات.
- تقديم نموذج عمل جديد يعتمد على التكامل الرأسي (مثال: أن تقدم خدمات متكاملة، أن تصمم الصور ثم تستخدمها في التسويق والدعاية والنشر بنفسك لصالح العميل)
- توفير خدمات أفضل طريقة لطلب صور من الذكاء الصناعي اعتمادا على هندسة سطر الأوامر أو Prompt Engineering
- عليك توفير تصميمات لا يوفرها أي تطبيق ذكاء اصطناعي ويصعب تقليدها بدون مشاكل.
- هذا ما أراه والله ولي التوفيق.
💡 لا تصدق مزاعم الشركات الأمريكية التي تسرح موظفيها بدعوى استبدالهم بالذكاء الاصطناعي – حقيقة الأمر أن هذه الشركات ارتكبت أخطاء إدارية سابقة وبدلا من اعترافها بالخطأ استغلت اسم الذكاء الاصطناعي كي تسرح العمالة ويسعد بها حملة الأسهم في سوق الأسهم الأمريكية – فمثلا شركة أمازون ضاعفت عدد موظفيها خلال جائحة كوفيد ثم تعين عليها تسريحهم بعدما اكتشفت خطأ التوظيف الكبير، ولم يجد كبار المدراء الذين يقبضون رواتب خيالية أفضل من لوم الذكاء الاصطناعي على هذا التسريح، بدلا من لوم أنفسهم. شركة فيسبوك تحاول التغطية على حقيقة أن موقع فيسبوك تراجع عدد مستخدميه بشكل مؤلم ونهايته اقتربت كثيرا. تغيير الاسم إلى ميتا كان أول إشارة رسمية على ذلك. من لا يصدق ربما عليه مراجعة قصص شركات شهيرة سابقا مثل ياهوو و نوكيا وغيرها.






اترك رداً
تريد المشاركة في هذا النقاششارك إن أردت
Feel free to contribute!