من أمريكا لليابان وبالعكس : محلات كونبيني

4٬685 قراءات
16 مارس 2014
من أمريكا لليابان وبالعكس : محلات كونبيني

هناك أمثلة كثيرة في تاريخ اليابان لأفكار أخذها اليابانيون من ثقافات أخرى ثم طوروها لتصبح جزءًا أساسيًا من ثقافتهم ثم أعادوا تصديرها للآخرين. اليابانيون لا يأخذون أي شيء من ثقافة أخرى دون إدخال شيء من ثقافتهم عليه ليتناسب مع أذواقهم، واليوم – أنا محدثكم عبدالله المهيري – أقدم مثالاً حديثاً لفكرة بدأت أمريكية وأصبحت يابانية ثم عادت لأمريكا.

كونبيني

هناك نوع من المحلات في اليابان تسمى “コンビニ” أو كونبيني (Konbini)، يمكن أن تقرأها هكذا: (كون بي ني)، وهذه كلمة يابانية مستلهمة من الكلمة الإنجليزية Convenience Store، وهي محلات يمكن أن تسميها بقالة أو محل على الزاوية أو دكان لكنها ليست كالبقالات في دولنا العربية، بل هي أشبه ما تكون بالسوبرماركت من ناحية التنظيم وتنوع المنتجات لكنها أصغر حجمًا.

صورة لمحل كونبيني من الداخل

صورة لمحل كونبيني من الداخل

محلات كونبيني اليابانية منتشرة في معظم أنحاء اليابان، وهناك أكثر من 50 ألف محل من هذا النوع وأكثر من 30 سلسلة كبيرة تتنافس للسيطرة على سوق هذه المحلات، وكل سلسلة لها مركز رئيس يدير كل الفروع ويحدد سياساتها وطريقة عملها ومنتجاتها وخطط تسويق خدماتها، بل ويطور خطوط منتجات خاصة لسلسلة المحلات لكي تتميز عن غيرها، وأرباح هذه المحلات أكبر من أرباح المحلات الكبرى التي تسمى في اليابان Department Store أو بالأحرى ديباتو (デパート).

كونبيني : محلات صغيرة منتشرة مفيدة

هذه المحلات الصغيرة عملية للمشتريات الصغيرة؛ إن كان الشخص جائعاً أو بحاجة لمشروب ساخن سيجده في هذه المحلات، وإن كان بحاجة لقرطاسية (مستلزمات مكتبية) أو أقلام سيجدها في هذه المحلات، إن كان بحاجة لمنتجات النظافة الشخصية أو غير الشخصية فسيجدها في هذه المحلات، وبسبب انتشار هذه المحلات ومواقعها الاستراتيجية التي تشغلها وما تقدمه من خدمات مفيدة، أصبحت جزءًا مهمًا من المجتمع الياباني، فهي محلات عملية تبسط حياة الناس بتقديم أنواع من المنتجات والخدمات.

أمثلة لمحلات كونبيني

معظم محلات كونبيني يعمل 24 ساعة وطوال العام، وهي عادة ذات مساحة صغيرة لكنها تقدم تنوعًا كبيرًا في المنتجات التي تعرضها، فبعضها يحوي أكثر من 30 ألف منتج في مكان صغير، وتشغل المنتجات الغذائية والطعام يأخذ ما يقرب من 60% من مساحة المحل، حتى أنك تجد في بعضها مخابز ومقاهي، آلات صراف آلي، آلات متعددة الاستخدام تقدم خدمات طباعة ونسخ الوثائق، طباعة الصور، إرسال الفاكس! (نعم، اليابان لا زالت تعتمد على هذه التقنية!) وهناك آلات بيع تذاكر للحدائق والمتاحف وغيرها من الأماكن والمناسبات، بل إن بعضها يقدم آلة لبيع الماء الساخن لمن يريد أن يعد كوب شوربة جاهزة أو كوب من الرامن الياباني المشهور.

بعض هذه المحلات يقدم كذلك خدمات إرسال واستقبال الأموال، وأيضا خدمات إرسال واستقبال الطرود وهذه خدمة مفيدة وعملية جداً لليابانيين المشغولين، لأن الفرد منهم قد يكون في عمله في الوقت الذي يجب أن يستلم الطرد فيه، لذلك يستلم محل كونبيني الطرد نيابة عنه وعندما يعود إلى منزله يمر على المحل ويشتري عشاءه وما يحتاجه ثم يستلم الطرد، وبعضها يقدم خدمة غسيل الملابس وخدمة طباعة وثائق رسمية توفر على الفرد عناء الذهاب إلى مؤسسات حكومية، بالتأكيد هذه ليست محلات بقالة عادية!

صورة لمحل كونبيني من الخارج

صورة لمحل كونبيني من الخارج

المحلات تجمع البيانات من الزبائن مع الحفاظ على خصوصياتهم، لأنهم لا يجمعون التفاصيل الشخصية بل النوع والفئة العمرية، ويجمعون بيانات الشراء والمنتجات التي تحصل على أكبر قدر من المبيعات والمنتجات التي تبقى دون بيع، ويجمعون كذلك بيانات الطقس! كل هذه البيانات تستخدم لتطوير منتجات جديدة كل شهر ولتغيير المخزون ليتناسب مع متطلبات الناس.

كونبيني تهتم بالعميل واحتياجاته النفسية

بعض فروع هذه المحلات تتخصص لتلبية احتياجات فئة محددة من الناس، فبعضها يهتم بمنتجات الجمال والصحة ويشمل ذلك أطعمة صحية مختلفة ومنتجات للعناية بالجمال وبالتالي سيكون المحل موجها للنساء، بينما تجد هناك فروع توجه خدماتها للأمهات ذوات الأطفال وتخصص لهم مساحة للتواصل الاجتماعي لكي يلعب أطفالهن في المحل. فروع أخرى تهتم بالطعام الصحي فتوفر خضروات وفواكه عضوية ووجبات يومية طازجة تتغير كل يوم وتوفر هذه الفروع كذلك ميزاناً بخصائص متقدمة لوزن الأشخاص ولحساب كتلة الجسم والشحوم! هناك متاجر توفر خدمة التوصيل لكبار السن ممن لا يستطيعون حمل البضائع أو حتى المشي إلى المتجر.

ونظراً لانتشار هذه المحلات في كل زاوية أصبحت مركزاً اجتماعياً للأحياء المختلفة، لأن الفرد الياباني قد يسير في طريقه من وإلى العمل فيمر على ما يزيد عن عشرة محلات من هذا النوع. هذه هي محلات كونبيني، أصغر من السوبرماركت لكنها أفضل من البقالات وأكثر تنوعاً وعملية أكثر، فكيف كانت بداية هذه المحلات في اليابان؟

بداية كونبيني ؟ ملاحظة في محطة وقود

في عام 1971 توجه مجموعة من اليابانيين إلى أمريكا يقودهم توشيفومي سوزوكي، وكانوا يبحثون عن أفكار لتجارة التجزئة لتطبيقها في اليابان. في يوم ما نزل سوزوكي في محطة للوقود ووجد فيها محلاً صغيرًا لكنه يقدم بضائع وخدمات متنوعة وكان المحل فرع لشركة سفن إيلفين (7-Eleven) [سبعة – احدى عشر كناية عن مواعيد عمل المحل وهي من السابعة صباحا وحتى 11 مساء ولمدة 7 أيام الأسبوع]. زار مقر الشركة الرئيس فوجد أنهم كتبوا دليل تشغيل للمحل في 100 جزء فقرر شراء الفكرة، كانت المفاوضات صعبة لارتفاع سعر ترخيص العلامة التجارية ولوجود شرط افتتاح 1200 فرع للشركة في اليابان خلال 8 سنوات.

ما المشكلة؟

عاد سوزوكي إلى اليابان وشكل فريق عمل وبدأ بترجمة الدليل الأمريكي واكتشف أن الدليل يغطي أساسيات بسيطة وأكثره موجه لتدريب العمالة المؤقتة، لكن الدليل لم يغطي مواضيع مهمة مثل حسن اختيار مكان المحل. افتتح سوزوكي المحل الأول في عام 1974 وراقب فريق العمل المبيعات وبدأ المحل في تحقيق أرباح لكنها لم ترتفع، بعد المراقبة والتحليل تبين أن هناك منتجات بقيت لأشهر دون أن تباع، ومنتجات أخرى كالعصائر تباع بسرعة فلا يتبقى شيء في المخزون، مسحوق الغسيل بأحجامه الكبيرة لم يبع ويقبل الناس على شراء الأحجام الصغيرة، كذلك يشتري الناس طعام رامن في كوب بدلاً من الأكياس، والمجلات الأسبوعية لا تبيع شيئاً بعد بقائها 4 أيام في الأرفف.

كيف تحل المشكلة؟

إدارة المخزن كانت مشكلة إذ أن حجمه الصغير كان يمنع من إضافة مخزون جديد، فقرر سوزوكي افتتاح محلات متقاربة تتشارك في المخزون وحققت الفكرة نجاحاً إذ تشتري المحلات بسعر الجملة كشركة واحدة وتوزع المخزون بحسب الحاجة على المحلات. بعد التجارب وملاحظة عادات الزبائن بدأ سوزوكي وفريق عمله بكتابة دليل تشغيل خاص بالسوق الياباني، واتسع سوق هذه الشركة حتى أنها في عام 1991 اشترت حصة من الشركة الأم في أمريكا وقد كانت تعاني من مشاكل مالية وبذلك أصبح الفرع هو مالك القرار بعد أن كان مجرد فرع، ونقل اليابانيون خبراتهم وتجاربهم إلى الشركة الأمريكية وحققوا نجاحًا.

هذه هي قصة “كون بي ني”. إذا حدث وزرت اليابان يوما فاحرص على زيارة أكبر قدر ممكن من هذه المحلات وخذ منها بعض الأفكار واكتب لنا عنها. إن كنت صاحب محل بقالة أو تنوي افتتاح واحد فاجعل نموذج كونبيني هو هدفك، وأن يكون المحل أكثر من مجرد بقالة صغيرة ليصبح مركزاً اجتماعياً يقدم خدمات كثيرة وسلعاً متنوعة توفر على الناس الوقت والجهد.

وهنا حيث انتهى كلام عبدالله المهيري، فبالنيابة عنكم وعن نفسي أشكره على هذه المعلومات القيمة. الآن، هل منكم من لديه ذكريات أو معلومات عن محلات كونبيني؟

[الصور من فليكر]

اجمالى التعليقات على ” من أمريكا لليابان وبالعكس : محلات كونبيني 16

  1. ابو ابراهيم رد

    انا صاحب عدة محلات ويا اخي اتمنى العمل بهذا المجال لكن مستحيل في بلادنا العربية بسبب ان لكل شيئ من هذه المنتجات اشتراطات ورخصة وحجم محل مستقل وتعال فهم هالاغبياء اللي عندنا
    يعني اقل شروط لتخصص واحد من هالتخصصات يحتاج محل بحجم ثلاث محلات
    يعني لكي تفتح مثل الذي في اليابان تحتاج اقل شيئ 1000 متر

    1. عبدالله المهيري رد

      لذلك لا بد من حملات لتغيير القوانين ولإعادة النظر فيها خصوصاً أن كثيراً منها وضع في زمن آخر ولم تعد تصلح لأيامنا، أعلم أن تغيير القانون صعب لكن مع المحاولة قد يحدث ذلك، البلدان المتقدمة لديها مرونة كبيرة بخصوص القوانين ولذلك الناس لديهم مساحة للإبداع، إن استطعنا إيصال هذه الرسالة بطريقة ما فقد نتمكن من تغيير القوانين لتكون مرنة أكثر.

  2. مصطفى سلاوي رد

    اهلا وسهلا بالاخ الكريم عبد الله المهيري،
    تحية خالصة لك وللاخ رؤوف الفنان المبدع.
    تدوينة جميلة بالفعل اليابانيين دوما يتركون على الافكار المستوردة بصمة خاصة بهم وتنتشر هذه المحلات الصغيرة كثيرا بامريكا بشكل كبير.
    الاهم ليس ان نقلد ولكن الاهم ان ننجح في الاضافة وتقديم الافضل.
    شكرا لك

  3. وائل رد

    افكار ملهمة خصوصا أني فكرت في فترة سابقة في فتح محل بقالة واهملت الفكرة بسبب تدني الارباح و المنافسة ، كوبيني تعطيك فكرة عن نماذج ربح غير مستغلة .

  4. د محسن النادي رد

    اتذكر بقاله في احد مخيمات فلسطين
    كانت مسيطره على العمل بشكل كبير
    قبل ان يصاب الجميع بطفرة افتتحاح الداكيين
    كنت اجد عنده اي شيء يخطر في بالي
    حتى اني احتجت راس بابور من حجم معين-على فكرة انقرض هذا المنتج-
    فوجدنه لديه مخزن منذ سنوات
    تتشابه افكار البشر لكن الذكي من يستغلها وينتشر
    الشكر موصول للاخ المهيري والاخ رءوف
    وللجميع
    ودمتم سالمين

  5. حسام رد

    السلام عليكم
    مقال رائع كعادتك استاذ رؤوف .. هنا لدي رجاء سيدي .. أن أحد أصدقائي أراد ترجمة للمقال .. فهو يتحدث الانجليزية فقط .. فهل يمكننا الحصول على ترجمة .. ربما استطيع تقديم اقتراح .. أن تجعل مدونتك بلغتين .. انجليزية وعربية .. مجرد اقتراح لا اكثر .. وشكرا

  6. brzan رد

    شد انتباهي تعدد النشاطات في المركز الواحد وهذا للاسف لا يوجد ببلداننا فالتعقيدات الحكومية تقف حائلا امام افكارنا للاسف يجب ان تكون الحكومات مرنة وتعطي حرية تجارية واقتصادية

    1. عبدالله المهيري رد

      الحكومات لن تتحرك ما لم يدفعها أحد لفعل ذلك، والأمر ليس سهلاً لكنه ليس مستحيلاً، إن كان يهمك الأمر فبادر، تغيير القوانين وإزالة التعقيدات لتبسيط ممارسة التجارة هو هدف رائع لكنه بحاجة لمن يعمل له.

  7. حازم سويلم رد

    مفاجأة جميلة وسارة يا “شبايك” ان يكتب “عبدالله المهيرى” هنا، تحية طيبة لكما.

    هذه النوع من المحلات أثار اهتمامى منذ مدة طويلة، بسبب محلات on the run فى مصر. فهى تتبع تقريبا نفس المفهوم مع فارق فى تنوع المنتجات، ولكن أسعارهم تكاد تكون مبالغ فيها بشكل كبير، باستثناء السجائر. فكرت يوما ان أقيم محلات مثل هذه ولكن على النمط الذى كتبت عنه أنت، فكثير ما رأيت مثله فى الافلام. فهى مناسبة لفئات عديدة ليست بحاجة للدخول الى هايبر ماركت وتتفوق على محلات البقالة التقليدية.

  8. محمد أبوتجار رد

    فكرة البيع حسب إهتمامات الزبائن مفيدة جداً وخصوصاً مع محلات بهذا الحجم ، تتواجد فى مصر محلات متوسطة و لكن للأسف يتركز بيعها على الأطعمة و كأن البشر يعيشوا ليأكلوا ، أحياناً لكى أحصل على كراسات بمقاسات معينة أو بعض أقلمة الكتابة أضطر للسير لمسافات طويلة بسبب التخصص الشديد للمحلات .

  9. محمد أبو الفتوح رد

    أكثر ما شد انتباهى فى هذا المقال هو شراء سوزوكى للدليل و تحمله لضغط الشركة الأم بدلا من ان يعود إلى اليابان و يطبق الفكرة دون أى التزامات.
    إنه شخص يعرف و يقدر قيمة الأبحاث و العلم، لذلك فقد عرف أن سر نجاح المشروع يتمثل فى الأبحاث التى أنتجت الدليل و التعليمات الذى يحتويها.
    و ما زاد من إعجابى هو مرونته بعد أن طبق الدليل و وجد أن النتائج ليست على المستوى المطلوب .. فقام بالتعديل عليه ليلائم الواقع اليابانى.
    أى أنه عقلية متزنة .. لا أخذته العنترية فقام بتطبيق المشروع كما شاهده – كما يفعل الكثيرون عندنا – ، و لا سمح لنفسه بالشعور بالدونية أمام التعليمات الأمريكية التى لا يأتيها الباطل – كما يفعل الكثيرون عندنا – .

    1. عبدالله المهيري رد

      بالتوفيق أخي هشام، لاحظ أن الوفد الياباني درس التجربة كذلك وجرب بنفسه ثم طور الفكرة، الأمر احتاج لسنوات عدة، فلا تستعجل النتائج.

  10. محمد القحطاني رد

    شكرا من كل قلبي لك يا أ.عبدالله على انتقاء هذا الموضوع الرائع وردودك الجميلة المليئة بالهمة العالية والاصرار والتفائل وهو ما نحتاج اليه
    والشكر موصول للمبدع الكبير الاستاذ روؤف شبايك

  11. عبد الحميد الجزائري رد

    فعلا حلمي ان افتتح محل بقالة اسثتنائي غير تقليدي متل هده المحلات اليبانية لكن العائق الأكبر هو القوانين الحكومية التي تفرض عليك تخصصين فقط لكل محل فلو اخترت المواد الغدائية وادوات التنظبف لا يمكنك بيع العطور والملابس وادوات الكتابة والاقلام والكتب و ادوات التصليح و الادوات الرياضية والخضر والفواكه والاجهزة الالكترونية والخدمات الإجتماعية الاخرى لكني بتوفيق من الله سانجح يوما في تحقيق الامر ولو اعملها بدون رخصة واواجه الحكومة لوحدي فكل الانجازات الاستتنائية كانت بعد معركة قادها افراد امنو بها في وقت ما كانت حلم لا يستطيع التفكير بها احد ):

  12. ياسر السيد رد

    الابتكار ….. لتوفير حاجاات المستهلك …
    فكرة بسيطة … تستحق التأمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *