قصة الطبيب ذي أصابع القدم في اليد

6٬575 قراءات
19 سبتمبر 2011

حمل الطبيب فرانسيسكو Francisco Bucio الشاب ذي السبعة والعشرين أحلاما كبيرة، إذ كان على وشك تحقيق حلمه بممارسة الطب ومهنة الجراحة، على أنه في شهر سبتمبر من عام ١٩٨٥، وبينما هو في الدور الخامس من مستشفى مكسيكو سيتي، وقع الزلزال المدمر الذي حصد آلاف الأرواح، وترك الطبيب الشاب تحت ركام أدوار خمسة من مبنى المستشفي الذي كان.

في ظلام دامس، يسوده أنين الجرحى و وزفرات الموتي من حوله، تلمس فرانسيسكو جسده فوجد يده اليمنى محشورة تحت عامود خراساني جعل من المستحيل تحريكها… بحكم عمله، علم فرانسيسكو أن عدم وصول الدم إلى اليد نهايته فسادها وتوجب بترها، وهذا البتر يعني ضمن ما يعنيه نهاية أحلامه في مجال الطب والجراحة.

على مر أيام أربعة، ذهب فيها فرانسيسكو في رحلات ما بين اليقظة وفقدان الوعي، وبين الفزع وبين الخوف على يده المحشورة. خارج كومة الركام كانت فرق الإنقاذ تعمل ليل نهار، وكذلك والد فرانسيسكو وإخوته، الذين لم يفقدوا الأمل في العثور على فرانسيسكو حيا، وهو ما تحقق لهم بعد أيام متواصلة من البحث والتنقيب وسط الركام ورفع الأنقاض. ولم يفسد فرحة العثور على الطبيب الشاب حيا سوى إجماع فريق الإنقاذ على توجب بتر اليد اليمنى لإخراجه من تحت الركام.

علمًَا منهم بقوة أحلام ابنهم الذي يريد أن يكون جراحا، رفض ذوو فرانسيسكو هذا الاقتراح، الأمر الذي دفع فرق الإنقاذ للعمل لساعات على رفع العامود الخراساني الذي حبس اليد اليمنى تحته. بعد تحرير اليد اليمنى، والإسراع به إلى المستشفى، لم يكن الحال بأفضل مما اقترحه فريق الإنقاذ. انحباس الدم جعل أعصاب اليد تموت فلا تنمو، وجعل بتر الأصابع الأربعة من اليمنى أمر لا جدال فيه للحفاظ على سلامة بقية الجسد، وهو ما كان…

بعدما فاق من عملياته الجراحية في يده، أحصى فرانسيسكو خسائره، وبدأ يفكر كيف يعوض ما فقده. كيف يمكن له أن يكون جراحا بيد واحدة؟ قاده تفكيره للعثور على طبيب آخر متخصص في نقل أصابع القدم لزرعها في اليد، لعلاج من هم في مثل حال فرانسيسكو، وهو ما كان، حيث نقل له إصبعين من قدمه إلى يده اليمنى، بعد عملية جراحية جمعت ثمانية من الجراحين، امتدت على مد 14 ساعة، وجرت تحت مناظير الميكروسكوب، لوصل الأعصاب والأوردة والشرايين.

كانت هذه مجرد البداية، إذ تطلب الأمر تدريب الجسم والعقل والعين واليد على هذا التغيير غير الطبيعي. كان لزاما على فرانسيسكو عمل تدريبات طويلة ومؤلمة، وفي أغلب الأحيان غير ناجحة، على استعمال أصابعه الجديدة. كان مجرد مسك القلم وفك الأزرار عملية مؤلمة وطويلة وغير دقيقة، لكن بعد مرور شهر ونصف على العلمية الجراحية الطويلة، تمكن فرانسيسكو من توقيع اسمه بيده اليمنى.

بعدها بدأ في زيادة الحمل التدريبي، إلى تقطيع الخضروات والفاكهة والحياكة والكتابة. طوال هذا الوقت كان يقول لنفسه إن اليد مجهزة للتكيف مع كل ما يطلب منها، لولا أن ذلك يتطلب تدريبا طويلا جدا، وصبرا عميقا لا ينفد، وروح معنوية عالية لا تخمد..

بعد مرور بعض الوقت، وبعد تحقيق بعض النتائج الطيبة في تدريباته، عاد فرانسيسكو إلى مكسيكو سيتي، إلى ذات المستشفى التي خسر فيها أصابعه، وبدأ يزاول ما كان متاحا من تعلم الطب وممارسته. كان ما يقدمه الصغير والقليل من مهام الطب ، وكانت بدايته مع تنظيف الجروح وتضميدها، وكان يدرب نفسه دون تكاسل على التعامل مع أدوات الطب وخياطة الجروح.

في خضم كل هذا، راقبه من بعيد طبيب مقيم في المستشفى، حتى سأله ذات يوم إن كان يريد مساعدته في عملية جراحية سيجريها على مريض، وكان ظن فرانسيسكو أن الأمر سيقف عند التضميد والتنظيف وغلق الجرح، لكن الطبيب المقيم بدأ في عمله، ثم توقف في منتصفه، ثم نظر إلى فرانسيسكو وقال له: أكمل أنت النصف الثاني من الجراحة.

كانت المفاجأة قوية، لكن فرانسيسكو لم يكن ليفوتها أو يفسدها، ولذا جاهد على مد ساعة لينفذ المطلوب، على الرغم من أن أي طبيب آخر كان ليحتاج ١٠ دقائق فقط لينهي المطلوب، لكن هذه الساعة أعلنت عن قدرات هذا الجراح الذي أطلق عليه البعض الطبيب الذي يجري العلميات الجراحية بقدمه، وهو لا يبالي بهذه التسمية، إذ تحمل في طياتها بعضا من الحقيقة.

بعدها تكرر الأمر وقل الوقت المطلوب للانتهاء من المهام الجراحية، وتخصص فرانسيسكو في الجراحات التجميلية التعويضية، وانتقل للعمل في المكسيك، ويقول فرانسيسكو عن عمله بأنه خاص عمليات جراحية شاقة، وبالتالي فهو يعرف جيدا الخوف الذي يعتري كل مريض يمر بالموقف ذاته.

دروس وعبر:
طالما هناك رغبة قوية، فهناك حل ممكن.
من رحمة الله، أنه إذا كانت المصيبة جلل، كانت رحمة الله أكبر منها، لكنها لا تأتي بدون مشقات ومصاعب.
إذا وجدت مجتهدا، أعطه الفرصة. لا تكن واحد بدون منافس. اصنع منافسين لك. أعط غيرك الفرصة ليثبت نفسه.

اجمالى التعليقات على ” قصة الطبيب ذي أصابع القدم في اليد 33

  1. عبد الكريم جليد رد

    سبحان الله.. قصة تكاد أن تكون ضرباً من الخيال
    إصرار ما بعده إصرار.. رغم الحادث الأليم تغلب على مشاكله النفسية أولاً والجسدية ثانياً فغدا طبيباً ناجحاً
    فعلاً لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس
    شكراً أستاذ رؤوف على هذه التدوينة الرائعة والمحفزة

  2. diab awad رد

    ما رأيك يا أستاذ رؤوف في عمل صفحة لمعجبي المدونة علي الفيس بوك أو حتي closed group ?فيها يتم تبادل الخبرات والنصائح وقد يتحول نادي لمعجبي المدونة XD

  3. diab awad رد

    ما رأيك يا أستاذ رؤوف في عمل صفحة لمعجبي المدونة علي الفيس بوك أو حتي closed group ?فيها يتم تبادل الخبرات والنصائح وقد يتحول إلي نادي محبي شبايك XD

  4. أحمد أحمد رد

    أقل ما في الأمر أن المريض حينما يرى طبيبه بهذا الإصرار والعناد، يعلم يقينا أنه سيشفى بإذن الله، ثم بفضل إصرار هذا الطبيب، بالتالي تزول مخاوفه…

    هي قصة نجاح تتطلب من كل إنسان يعجز عن تحقيق شيء.. أن يتوقف ويتأمل غيره وكيف صنعوا أنفسهم.. من لا شيء..

    لدينا أمثلة هنا في “غزة – فلسطين” تتشابه في بعض الأمور.. منها حينما نرى طالبا “مبتورة يده اليمنى” في الجامعة ويصر على الدراسة والنجاح… بل والتفوق… كذلك كان لدينا طالبا كفيفا من أوائل الثانوية العامة هذا العام…

    تحياتي لكل مثابر ومُصرّ ومجتهد..

  5. عماد رد

    أهم هبات الله للإنسان هي العقل والإرادة.
    أحيانا ما يشعرنا العاجزون ذوا الإرادة القوية بعجزنا نحن الأصحاء، فتحية كبيرة لكل من لا يستسلم لظروفه الصعبة. وبمناسبة أصابع القدم هذه هى قصة قدم ذهبية أخرى http://www.youtube.com/watch?v=bNhmvGNAlLc
    وشكرا على المقالة الرائعة :).

  6. د محسن النادي رد

    يقال
    كل ذي عاهة جبار
    وفعلا هذا ما حدث
    فلم تقف الاعاقه حائلا دون النجاح
    هنالك العشرات من القصص العربيه المماثله ممن فقد عضوا في جسده
    وعوضه بنجاح باهر في شيء اخر
    نتمنى ان نرى قصصهم تنشر بشكل عالمي يوما ما
    ودمتم سالمين

    1. محمد نبيل رد

      بالفعل لدينا فى عالمنا العربى الكثير من قصص التحدى الرائعة التى أرجو أن يتم تسليط عليها , فمثلهم تكون هى الشخصيلت الملهمة.

      جزاك الله خيراً.

  7. نسيم رحالي رد

    قصة ذات عبرة كبيرة , الانسان اذا طرح شيئ في راسه فوجب عليه ان يفكر في كل الطرق لتنفيذها
    و الاستسلام او عدم المحاولة مساوية للفشل و عدم صدق النوايا

  8. سوداني الهوى رد

    لوتعلقت همة أحدكم بالثريا لنالها (أو كما قال الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام) …. مقاله رائعه تجلب الشعور بضعف هممنا رغم مانسميه محاولاتنا و لكنها توقد حماستنا للوصول إلى مبتغانا … بارك الله فيك

  9. maged رد

    قصة تعد ضربا من الخيال وهذا ما يفرق الحياة الاوربية والغربية عن مجتمعنا الذى اعتاد على التواكل ليت الجميع يقرأ مثل هذه القصص

  10. محمد أبو غالي رد

    سبحان الله العظيم ..
    هذه و الله روح العزيمة و الإصرار .. و هذه أكبر رسالة نوجهها إلى أولئك الذين
    قعدوا عن العمل و أصابهم اليأس و القنوط .. و ربما كانت مصائبهم أقل بكثير من مصيبة
    هذا الطبيب .. فعلا الحياة و النجاح لا يتوقف على شكل معين أو مستوى معين ..
    فقط ادفع ضريبة النجاح ألا و هي الإصرار و العمل و الجد و الأمل و سوف تحصل عليه لا محالة ..
    مهما كان وضعك الإجتماعي و مهما كانت هيئتك و حالك ..
    أشكرك أخي رؤوف على القصة الرائعة التي خطتها أناملك المبدعة .. و إلى الأمام ..

  11. د/محمد كمال رد

    السلام عليكم

    بجد جزاك الله خيرا على هذا المجهود الرائع

    انا طالب فى السنه الاخيرة من طب بشري و لقد اعطتنى هذه القصه
    دفعة من الامل و الحماس الشديد

    فشكرا لك

  12. نور شمس رد

    السلام عليكم ورحمة الله
    بصراحة موضوعات حضرتك غايه فى الجمال والعبرة
    من فضلك ممكن اعرف حضرتك بتحصل على القصص دى منين
    وممكن نتواصل انا فى بدايه طريق الربح من النت ومحتاجه مساعدة
    ربنا يعطيك اقصى ما تتمنى

  13. عمر الحمدي رد

    سبحانك ربي ما اعظمك

    خلقت الانسان واودعت فيه ادوات الانطلاق نحو فضائات واسعة ،،، وقل من يستخدم ما وهبتنا من عطايا عظيمه

    شكرا لك اخي شبايك

  14. أبوالجود عرفات رد

    قصة مؤثره ومحفزه جدا , نشكر صاحب المدونه على ما يتحفنا به من قصص النجاح , قرأت الكثير في هذه المدونه وأتمنى أن أستطيع دعمها في المستقبل إن شاء الله
    ربما هذه القصه وقصة ليجسون كايرا هما الافضل

  15. محمد نبيل رد

    إنها من أروع نماذج التحدى والإصرار وقوة الإرادة التى قرأتها .. فلنقرأ ولنتعلم.

    بارك الله فيك أخى الكريم.

  16. عماد لاشين رد

    سبحان الله .. كم منا بكامل صحته وليس له شأن أو طموح فى هذه الدنيا

  17. ريهام المرشدي رد

    إن كل مرحلة في حياة هذا الرجل لمثل قوي على قوة الإرادة و التمسك بالأمل … أدهشني إصرارة على تحقيق الحلم بغض النظر عن الظروف التي قد تبدو للبعض مستحيلة … أكثر شخص متفائل في مكانه كان ليجد لنفسه حلم آخر مع الوضع الجديد إلا أنه أبي و أصر على تحقيق نفس الحلم … إيمانه بحلمة كان أقوى من أى ظروف فهو حتى لم يفكر في استبداله … و ما قبل ذلك عندما كان تحت الحطام … من أين له الثقة أنه سوف يخرج و يكمل مشواره ؟ القصة رائعة أ/رؤوف و بها الكثير و الكثير فهي ليست قصة نجاح واحده بل قصص نجاح … جزاك الله خيرا … استفدت كثيراً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *