رحيل فرافيا Fravia

4٬189 قراءات
4 سبتمبر 2009

سألني يوما أحدهم عمن ترك أثرا كبيرا في حياتي الشخصية، ومن ضمن أول الأسماء التي تحضر إلى ذهني فرافيا، ذلك الرجل الغامض الذي وقعت صدفة على موقعه في عام 97، وكانت المقولة التي يعمل موقعه كله في ضوئها، والتي شدتني كثيرا هي:

هناك شروخ في كل شيء، فمنها يمر الضوء إلى الداخل… ليونارد كوهين
There is a crack in every thing, and that is how the light gets in.
Leonard Cohen

في هذه الحقبة من نهاية الألفية الماضية، كان موقع فرافيا يعمل على تعليم وتسهيل الهندسة العكسية للبرمجيات والتطبيقات، ورغم أن هذه الجزئية هي النواة التي يرتكز عليها من يريد كسر حماية تطبيق ما، لكن فرافيا كان يصر على أن جهوده العلمية كانت لأجل العلم، ولأجل كشف عيوب كثيرة، تخفى على المستخدم العادي لأي حاسوب. أذكر فرافيا حين شرح كيف أنه من وجهة النظر البرمجية، لم تختلف ويندوز 95 كثيرا عن سابقتها 3.1 في طريقة العمل، اللهم إلا بعض العمليات التجميلية، وكذلك أثبت كذب مايكروسوفت حين أدعت أن ويندوز لا يمكن أن تعمل إذا نزعنا منها انترنت اكسبلورر، وكذلك أثبت أن مايكروسوفت تجمع معلومات كثيرة جدا عن مستخدمي برامجها، وساعد على كشف الملفات التي ترسل هذه المعلومات إلى خوادم مايكروسوفت.

أذكر فرافيا حين شرح بخطوات سهلة كيفية تخطي خطوات حماية التطبيق الأشهر سوفت ايس Soft Ice، الذي يعرفه كل من اختبر محاولة فهم كيفية عمل أي تطبيق يعمل على منصة دوس أو ويندوز، وكان الرجل دائما ما يكرر، لا تركز على نقطة واحدة تقتحم منها نظام ما، بل فكر في أكثر من نقطة محتملة للدخول، كذلك لطالما قال لا تظن الحل يسير في اتجاه وحيد، أو يأتي من باب واحد، فهناك أماكن كثيرة تنتظر من ينقب عنها لتكشف له عن كنوزها.

الهندسة العكسية ذات فوائد عظيمة، إذ أنها تشرح لك لماذا ينهار تطبيق ما، وتشرح لك كيف يمكنك تخطي طريقة حماية ما، أو تفضح كسل مبرمج حين عالج خطأ ما عبر الترقيع وليس عبر حل المشكلة من جذرها، ما جعل المشكلة تتفاقم (وهذا مثلا من ضمن أسباب حدوث اختراقات للمواقع الكبيرة)، لكن الأهم من ذلك أنها تشرح لك خفايا عمل كل تطبيق، ولماذا تضيء لمبة عمل القرص الصلب كثيرا بينما تعمل وتكتب على حاسوبك، فأغلب الظن أن التطبيق يتولى عنك حفظ نسخة احتياطية، لكن ليس على قرصك الصلب وحسب!

أذكر فرافيا حين أعلن ملله ممن يستخدمون أطروحاته لكسر حماية البرامج، وهو من كان يشجع على عدم القرصنة، ليس خوفا على أرباح مايكروسوفت، بل لأن القرصنة توقف عمل العقل والتفكير، وهذا ما كان يمقته فرافيا، ولذا ذات صباح أعلن عن حذف محتويات موقعه للهندسة العكسية في التطبيقات والبرامج، وتحول بعدها للهندسة العكسية لمحركات البحث، وطرق البحث عن إبرة في أطنان من أكوام المعلومات.

أذكر فرافيا حين أثبت بخطوات سهلة كيف أن موقع جوجل الشهير يعرض نتائج بحث من أفضل ما يمكن، وذات عدد زائد، للمستخدمين القادمين من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف أن هذه الجودة تنخفض وأعداد النتائج تتدنى حين يعرض جوجل النتائج لزائر من أوروبا مثلا. كذلك فضح فرافيا زيف الكثير من التطبيقات التي زعمت أنها لا تجمع بيانات عن المستخدمين، وفضح زيف إدعاء نسيان بعض مواقع الخدمات المجانية (مثل البريد الإلكتروني وتحرير الملفات) لما يكتبه المستخدمون…

تعلمت من فرافيا أنه لا توجد مشكلة بلا حلول (لاحظ حلول وليس حل)، ولا تجد نظام حماية لا يمكن التحايل عليه، ولا ملف لا يمكن العثور عليه على انترنت، فكل ما يتطلبه الأمر هو التفكير العميق الطويل، وألا تنساق وراء افتراضات سائدة ينقصها الإثبات العلمي، وتعلمت منه تحدي كل المزاعم، فكل شيء يمكن اختراقه، فلو لم يكن ذلك صحيحا، لكن نعيش في ظلام دامس. لم يكن فرافيا من معتنقي نظرية المؤامرة، بل كان حرا يطلب الحرية للجميع، ويطالب بعدم استغفال المستخدمين العاديين، وينادي بتوفير العلم للجميع، وهو كان ذا باع طويل في التطبيقات المفتوحة والحرة.

رحل فرافيا عن دنيانا في شهر مايو الماضي بعد معركة قصيرة مع المرض، ولأن فرافيا كان يضيف الجديد إلى موقعه كل 3 شهور، تأخرت في معرفة خبر وفاته لتأخري في متابعة جديده حتى الأمس، وهو أفصح عن نفسه واسمه (Fjalar Ravia) وجنسيته قيبل موته، ورغم أن محبيه حتما سيكملون مسيرته، ويحافظون على تراثه، لكن جل ما أخشاه أن يختفي يوما عمل هذا الرجل، الرجل الذي بدأ يصمم موقعه على انترنت منذ 1995 حتى مات، ولطالما تغنى وتباهى بأنه لا يستخدم سوى محرر نصوص تقليدي في ذلك، ولا يعتمد على أي تطبيق لتصميم مواقع انترنت، وكان لا يثق سوى في متصفح أوبرا لمواقع انترنت، ولم يضع إعلانا واحدا في موقعه طوال حياته، وكان حقا راهبا في محراب العلم…

نعم، ستجد في ثنايا كلمات الرجل القليل مما يتعارض مع ديننا الحنيف، ولربما وجدت بعض الصور التي لا نقبلها، لكن هذا الأمر تجده في كل شيء في عالمنا اليوم، فليس الرجل ملاكا طاهرا، ولا شيطانا مريدا، وحين أنصحك بزيارة موقعه، فلكي تحصل على الطيب، وتترك ما عداه، فالسكين يمكنك بها أن تذبح شاة لتطعم لحمها للمساكين، أو تذبح بها بريئا، ولا يمكن ساعتها لعاقل أن يلوم السكين، بل اليد التي تقبض عليها…

أنصح كل من يجيد الانجليزية بزيارة موقع فرافيا والتعلم مما تركه من طيب الأفكار والأطروحات والفلسفة الحرة، قبل أن تضيع الفرصة. نكمل بمشيئة الله مع الجزء الثالث من مسابقة نوكيا – غدا (أو حين تصلني الأسئلة!).

اجمالى التعليقات على ” رحيل فرافيا Fravia 21

  1. حسن يحيى رد

    جميل ان يموت الانسان و قد ترك اثراً في نفوس الآخرين اولاً ، و اثراً مادياً آخر ينفع به الناس جميعاً .

    تقبل فائق احترامي .

  2. احمد ماهر رد

    الحقيقة لم اسمع عنه من قبل لكن ارى عظمة هذا الرجل من هذه الكلمات وعندما زرت الموقع وجدت تصميم الموقع غريب جدا وغير معتاد والاغرب مسألة انه يحرر الموقع كل ثلاث شهور.

    ولكن حتى وان قام محبيه باكمال مسيرته فلن تنجذب الى الموقع مثل الاول لأن الانجذاب يكون للكاتب وليس للمقالات.

    وشيئ رائع انه رحل تاركا ورائه عمل يخدم الناس وتاركا وراءه حب متابعيه ومحبيه ….. فهذا أفضل من رجل رحل كما ولد لم يضيف جديد ….. ورغم اننى لم اكن اعرفه من قبل وبالتالى لا استطيع ان احكم عليه لكن كتابتك لهذه المقالة رغم اختلاف دينك عن دينه وجنسيتك عن جنسيته أكبر دليل على ان هذا الرجل اضاف للحياة ولم يكن زائدا عليها ….. اعتقد ان هذا هو الدرس الوحيد الذى يجب ان نخرج به من هذه المقالة ومن مسيرة هذا الرجل العظيم.

    وشكرا
    احمد ماهر

  3. عمر رد

    من كلماتك هو رجل عظيم ونابغة في علمه وباحثا عن الحرية التقنية..في زمن اصبحت الشركات تستغفل المستخدمين وتعاملهم كالسذج بدون مراعات لعقلياتهم..

    بالنسبة لموقعه الرسمي فهو محجوب في السعودية ولكن الموقع الثاني وهو الهندسة العكسية لمحركات البحث فهو مفتوح ونسخة من الموقع الرسمي..

    تقبل تحياتي..

  4. محمد الفخرانى رد

    نعم لقد رحل فرافيا ولكن ترك الكثير مما سيضئ لمن بعده
    نتمنى أن نكون جميعا على قدر المسئوليه عند رحيلنا
    و أن نكون تاركين خلفنا نحن أيضا الطريق لأبنائنا و أحفادنا
    اللهم أنا نسألك ذلك

  5. قلم الظل رد

    أخي اتمنى أن تقوم بتعريب أطروحاته وتضعها هنا
    لأننا نريد الاستفادة وعن نفسي فأنا لاأجيد الانجليزية
    ولوحبذا تشرح لنا سبب عدم ثقته إلا بمتصفح أوبرا
    ياليت تضع مواضيع مفصله عنه وعن مقالاته لأنني
    أحس بشوق لأتعرف على هذا الرجل الداهية
    تقبل خالص تحياتي

  6. noura رد

    في المدينة التقنية السعودية الموقرة قرروا أننا صغار وأن هذا الموقع سيخربنا فحجبوه !!
    سأحاول الوصول من الطرق الخلفية ..

    شكراً لك شبايك لتعريفنا بهذا الموقع القيم ..

  7. بروميثيوس رد

    شكرا جزيلا لك.
    استفدت مما كتبته عن هذا الرجل.
    واضح انه كان متميزا. ومن المؤسف أنني لم اعرفه من قبل.
    مع أن موقعه محجوب عندنا مثل موقع ليونارد كوهين وآلاف المواقع الأخرى.
    تحياتي وتمنياتي لك.

  8. لقطة رد

    شكرا جزيلا لك. حقيقي إستفدت كثيرا من متابعتي لموقعك بما يحويه من قيم علمية تعيد إلى الأذهان و تنمي فيها حب العلم الذي تنهض به الأمم .. و هذا العالم ما يهمنا فيه هو علم ناخذ منه الطيب و نطرح منه الخبيث.
    بالتوفيق و شكرا شبايك

  9. عبد الهادي رد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    تأثرت بالمقال، ولكنني استفدت بأنه من الجميل أن يعطي المرء من غير مقابل، وأن يثبت على مبادئه الراسخة، وألا ييأس لأنه دوما هناك حل بل حلول..
    سعيد لأنني أستعمل أوبرا في تصفحي مثله..
    شكرا أخي رؤوف ومني لكم أرق تحية..

  10. Shaban Magdy رد

    لا توجد مشكلة بلا حلول

    للاسف اول مرة اسمع عنه
    ووقت ما سعمت عنه فى الدوينة كان ماااات

    متاخرين جدا

  11. ابوبكر رد

    جميل أن يموت الشخص ويذكره كل شي بل يقهر و يبكي على رحيله اناس لايعرفون نسبه ولا عشيرته!!

    لكن كل القهر والحسره أن يموت الشخص منا فلا يبكي عليه سوى أهله!!!!

  12. اسمي رد

    دخلت الموقع بعد استخدام البروكسي
    لم يستهويني الموقع، بطريقة اقل من بدائية في شكله
    قد يكون المحتوى قيم، لكن لم اسعى لمعرفته، 10 ثواني كانت كفيلة بخروجي من الموقع

    و كنت اظن ان شبايك قد اثر به من هو اكثر شهرة من صاحب هذا الموقع

  13. عالية رد

    دائمًا عشاق المصادر المفتوحة لا يحققون الشهرة الواسعة
    تكفيه انجازاته فخرًا

    و كم في وطننا العربي من فرافيا

    بارك الله وفاءك اخي شبايك .

  14. أيمن أسامه رد

    صراحةً الموقع غريب
    و غير مشجع تماماً علي القراءة منذ الوهلة الأولي
    أظنه يحتاج لتأمل للتعرف علي صاحبه المبدع عن قرب

  15. walid ali badawy رد

    برجاء استاذ شبايك ترجمه موقعه او اهم اعماله حتي يزيد تعلمنا ويمكن يظهر فينا احداا يكمل مشواره ولك جزيل الشكر ورمضان كريم

  16. حسين عادل رد

    اول مرة انتبه له ولموقعه ..النت ملء بالمفيد الذي يتطلب منا البحث والتنقيب
    شكرا لك اخي رءؤف علي المشاركة والتعريف بيه ..ولكنني لست مهتم بالهندسة العكسية ولكن لابأس قليل من المعلومات بدلاً من الجهل بالأمر كلياً ..
    شكـرا لك 😀

  17. خطوات فقط رد

    أتمنى أن أصبح رجلاً له تأثيره في هذا الكون، له بصمته التي يتركها حيث يستنير بها الآخرون حتى بعد أن يرحل عن الدنيا. جميل أن يكون للإنسان هدف غايته نشر الخير وما يعود نفعه لمصلحة الآخرين.

    شكراً أخ رؤوف على تعريفنا بقصته وما بذله في حياته.

  18. الهجين رد

    سبحان الله دائما استخدام اوبر وكان عندي شعور ا انو المتصفح غير مشهور يكون ممتاز

  19. كميت رد

    أوبرا أمير كل المتصفحات لا يوجد لا أسرع ولا أجمل ولا أكمل منه على وجه الأرض
    شكرا” على أروع موضوع قرأته منذ شهر

  20. zzz رد

    إنا لله وإنا اليه راجعون

    لقد كنت من متابعى موقعه حتى عدة سنوات خلت ولكن المحتوى الذى كنت أنهل منه إختفى فجأة (شكراً شبايك للتوضيح) مما صرفنى عنه من زمن. ولكنه كان موسوعة لكل من أراد أن يتعلم هندسة البرامج ولكل من أراد الغوص فى بحر تكنولوجيا المعلومات ولم يكتفى بأن يبلل قدميه على شاطئه.

    لقد إزددت لك تقديراً أ. شبايك بعد قراءة كلماتك هذه فى نعى فرافيا. حفظك الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *