تحكم في جانبك المظلم

5٬866 قراءات
15 ديسمبر 2007

 لا زلنا مع تلخيص كتاب Copy This في الفصل الثامن وعنوانه: تحكم في جانبك المظلم

في هذا الفصل، يتوقف بول عن لعب دور الفتى الطيب، ويكشف لنا عن الجانب السيئ من شخصيته، ويشاركنا حقيقة أن لديه مشكلة في التحكم في مقدار الغضب العارم داخله، والذي اكتسبه في صغره بسبب اضطهاد إخوته له، الذين أقنعوه صغيرا أن والديه حصلا على قرد من حديقة الحيوانات، هذا القرد كان هو. بالطبع، ستضحك ملء رئتيك، لكن هذا الطفل الصغير عاش طفولته مصدقا لهذه الحكاية المؤلمة.

ما زاد الطين بلة، أن بول وعمره 14 سنة تعرض للاختطاف يوما بأكمله من جار لهم، تعرض خلاله للإساءة الجنسية. حصل الجار على عقوبة طويلة بالسجن، لكن بول توصل بعد فترة من التفكير إلى مسامحة هذا الجار، وإلى أن عليه الاستمرار في حياته، لكن أثر ذلك ظهر واضحا في طوفان عارم من الغضب ينتظر أي فرصة ليخرج من بول.

يمكنك أن تدير الناس بقفاز من الحرير شديد النعومة، أو تريهم القبضة الحديدية، وفي بعض الأحيان ستحتاج لاستعمال مزيج ما بين الاثنين، لكن النصيحة الأفضل كانت أن أكبر الانتصارات التي نحققها في حياتنا هي تلك التي نحققها على أنفسنا، وأما بول فيقول لنا: لا تدع انفعالاتك تتحكم فيك، بل قاومها وتحكم أنت فيها، لكن بول ينصحنا بذلك – بعد أن تعلم هو بالطريق الصعب، بعد أن ترك الغضب يتحكم فيه كثيرا، في عمله وفي حياته الشخصية.

تربية بول لم تخبره أن عليه كتم مشاعره وأحاسيسه، بل كان متاحا له التعبير بكل صراحة عما يجيش بصدره ويجول في نفسه، لعائلته وأقاربه وأصدقائه، مع العلم أن هذا التعبير لا يعني أبدا أنك ستمضي وتترك قريبك أو صديقك هذا بعدما أخبرته عما يدور داخلك. هذه الطريقة اتبعها بول في التعامل مع جميع من عملوا معه في كينكوز، من صغيرهم إلى كبيرهم، دون استثناء.

كان بول يقول: إذا صرخت في وجهك ساعة كل يوم، فهذا يعني أني أحبك 23 ساعة في بقية اليوم. في حين كان بعض الشركاء في كينكوز مشغولون بمحاولة جعل الجميع يحبونهم، فإن ذلك جعل بول يشعر بأنه القائد الوحيد في الشركة الذي لم يمانع بأن يظهر في صورة المدير الشرير، لكن ذلك أيضا كان مرده أن بقية الشركاء كان يتجنبون المواجهة، على عكس بول.

ذات مرة في عام 1982، ترك بول غضبه العارم بدون تحكم، يخرج على العاملين في فرع من الفروع، فاحت منه رائحة نتنة من مفروشات أرضية عانت من قسط كبير من القذارة. كان مع بول شركاؤه في جولته المعتادة، وبعدما تركوا ثورة الغضب تخرج كلها، انتحوا به جانبا، وأقنعوه بأن الرغبة الجامحة لديه في التغيير الفوري واللحظي لما لا يعجبه في الفروع أمر غير عملي، وأنه من الأفضل والأحرف ألا يترك غضبه يخرج على مرأى ومسمع بقية العاملين والعملاء، وأن تجري هذه الأمور بعصبية أقل، واحترافية أكبر.

أكثر ما تميز به بول: بشهادة من عرفوه، أنه كان يستمع للحق، وكان يعتذر بإخلاص ونبل أخلاق عما بدر منه، قبل أن يمر وقت على ما بدر منه، وهذا ما كان يجعل من معه يصبرون عليه. كان رأي بعض الشركاء أن ما يعيب بول فعلا أنه لم يعمل لدى الغير، بل بدأ مع الإدارة منذ اليوم الأول.

ما زاد من توتر بول الزيادة المتلاحقة في نمو الأعمال، وهو شعر بأنه رب العائلة، المسئول عن الجميع، فهو كان قلقا لدرجة الجنون من أن يخسر كل شيء فيصبح يوما ليجد نفسه وعائلته بلا سقف يظلهم، ومظلة عائلته هذه التي حمل همها لم تقف عند زوجته وأولاده فقط، بل أكثر من 20 ألف عامل كانوا يمثلون القوة المحركة لجميع فروع كينكوز.

بسبب هذا الإحساس، انغمس بول في صراعات ونقاشات ومجادلات بسبب إصراره على مشاركة الأرباح مع العاملين، وعلى نظام التأمين الصحي والمعاشات ودعم التعليم والسكن وغيرها، حتى إنه حصل على دعم من الموردين الذي وردوا المستلزمات لشركته، لصالح مركز الرعاية اليومية لأطفال العاملين في كينكوز.

لوقت طويل جدا، لم يحصل بول على سيارة جديدة، لأنه دائما ما اتبع مبدأ التوفير، الذي استقاه من والديه في الصغر، كما إنه شعر بالمسؤولية الكبيرة عن كل فرد في جيش العاملين معه، ما جعله يفكر كثيرا في بنود المصروفات، على المستوى الشخصي والعائلي، وعلى مستوى الشركة.

من ضمن ما ضغط على أعصاب بول، زيادة عدد الشركاء بشكل كبير، فاق المائة شريك، ما جعل قدرة بول على النقاش والتشاور تقل، ولذا لم يعد لديه الوقت ليطلب من الغير بشكل لطيف، لقد فرضت الزيادة المطردة في عدد الفروع على الشركة كلها أن تتحول لفرض قواعد منظمة لجميع الأمور، وإلى توحيد الإجراءات والقواعد المتبعة في الشركة.

يشبه بول الأمر بمحاولة قيادة قطيع من القطط، فمن ناحية، كان بول من عشاق الديمقراطية والشورى في اتخاذ القرارات، لكن على الصعيد الآخر، كان بول يريد كذلك أن تتوحد الشركة كلها في كيان واحد يسير في اتجاه واحد. كانت هذه وظيفة الشركاء، الذين اختار منهم بول رئيسها الإداري.

رغم أن الفصول السابقة توحي بأن بول شخصية ملائكية الطباع، لكن شركاؤه يجمعون على أنه شديد الصعوبة في العمل معه، لأنه متقلب الطباع ويأخذ كل شيء على محمل شخصي، فهو قادر على أن يكون في لحظة غير ناضج، مسي، ثم يتغير تماما ليكون طيبا بشكل أسطوري.

يبرر بول ذلك بأنه ربما كان يتعمد الهجوم بشدة على الشركاء، ليرى من منهم سيقاتل ويدافع عن نفسه، فبول كان يريد أن يعمل فقط مع من هو مستعد لكي يقاتل دفاعا عن بول وعن العمل. أما المستكينون، فهؤلاء يظن بول أنه كان يهاجمهم على أمل أن يردوا عليه ويدافعوا عن أنفسهم أمامه يوما.

يرى بول أن النجاح في أي شيء: عمل جديد، صداقة أو تربية أطفال، يحتاج إلى عواطف قوية وجياشة، وهذا ما تتطلبه تحويل كينكوز من محل صغير للغاية، إلى شركة عالمية يعمل فيها المئات من الآلاف. لهذا، كان بول مستعدا لمسامحة من امتلك هذه العواطف الجياشة، وامتلك القدرة على القتال عن مبادئه.

هذا القبول هو ما دفع بول لأن يقبل أن يسامح شريكا لكينكوز (رمز إليه بول في كتابه باسم بوب، ولم يفصح عنه) انضم للعمل معهم ثم أنشئ في السر شركة منافسة، تعمل في ذات المجالات التي عملت فيها كينكوز، دون أن يستأذن الشركاء أو يطلعهم على الأمر. بالطبع، انتشر الخبر ووصل إلى الشركاء وبول، الذي قرروا أن يذهبوا إلى المدينة التي افتتح فيها الشريك سرا شركته المنافسة، ثم دخلوا أحد فروعها، ليجدوا بوب أمامه، تعلو وجهه إمارات من شاهد شبحا أو وحشا رهيبا.

بادره بول بالسؤال عن أموره وصحته، وطلب منه الذهاب لشرب بعض القهوة، ورغم أن بول لم يكن ينوي صرف الشريك، لكنه فعل في نهاية جلسة القهوة، ذلك أن الشريك رفض عرض بول بمشاركته في نصف ملكية الشركة الأخرى التي افتتحها سرا، ورفض عروضا أخرى، ما جعل بول يشتري نسبته في شراكة المحل.

أحب بول بوب لأنه كان ثائرا، من النوع الذي يقاتل حتى يحصل على ما يريده، لذا أراده بول ضمن فريقه، لأنه كان قوة تضاف إلى الفريق، لكن حين اختار الشريك أن يمضي في طريقه وحيدا، اضطر بول لتركه يمضي. يخبرنا بول أن شركة بوب لا زالت تؤدي بشكل جيد حتى تاريخ تسطير الكتاب.

اجمالى التعليقات على ” تحكم في جانبك المظلم 18

  1. يوسف رد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أشكرك أخ رؤوف على الجهد المبذول والعمل المخلص هذا
    الموضوع شيق وخصوصا بأن بول يذكر الأمر السئ في شخصيته وهذا شي صعب ذكره والكلام عنه بعد ما تحقق كل هذه الانجازات الكبيرة.
    والأروع في ذلك هو أن تعرف ماهي الجوانب المظلمة في الشخصية والتحكم في انفعالاتها والمحاولة في التخلص منها وإدارتها لصالح الشخص وليس عليه.
    وهذا ما كان سيكلف بول خسارة مشروعه وكل مل يملك بسبب تحكم هذه الصفات فيه وفي شخصيته.
    واليوم نحن أمام درس كبير وهو “تحكم في جانبك المظلم” وعليه يجب أن نفصل كثير من انفعالاتنا في حل المشاكل وتلافي كثير من العيوب الشخصية حتى نتمكن من تطوير ذاتنا والارتقاء بمشاريعنا للافضل دائما

  2. nono رد

    انه في النهاية انسان يؤثر ويتأثر بما يحيط به وان تعبر عن غضبك افضل من ان تكتم الغضب ثم تنفس عنه بطريقة قد يعتبرها البعض غدرا على الاقل ان عملت مع انسان واضح وصريح لن تجد معه مشكلة
    المشكلة ستكون مع اشخاص يضمرون لك غير ما يظهرون يبتسمون لك ثم تجد المصيبة جاهزة بانتظار ان تسقط على رأسك
    مدراء يجدون لذتهم في تهديد موظفيهم في كل لحظة وفي كل ثانية فيقتلون روح الابداع ويخلقون لديهم
    روح انتظار المصيبة التى تشغلهم عن اداء عملهم بابداع
    العمل لدى مدير يساعدك على النمو يهتم لصحتك يعتبرك فردا من افراد اسرته هو ما يتمناه غالبية الموظفين
    اتمنى ان نجد لدينا في يوم ما مدير او صاحب شركة يتفهم احتياجات البشر العاملين معه
    ترجمة مبدعة كما هو حالك دائما
    اخ شبايك

  3. لما رد

    رائع جدا ..
    دفعة أمل قوية في الصباح تشكر عليها..
    جميل أن يعلم الانسان ان هؤلاء القادة هم بشر مثلنا وربما لديهم عيوب أكثر منا ، لكن نجاحهم يكمن في سيطرتهم على هذه العيوب ومرونتهم في ايجاد العلاج لها …

    أعجبني ردة فعله عندما قال عن بوب أنه مقاتل قوي وهذا سبب تمسكه به … ربما لوهلة الأولى أي شخص يأخذ الأمور بشكل شخصي ويحلف مية يمين أن يجعل ليلة شخص كبوب سوداء كالكحل… لكن أن تقدر قيمة الأشخاص وتستفيد من نقاط قوتهم -حتى لو استخدموها لفترة ضدك – .. شيء رائع..رائع جدا

  4. محمد رد

    لا اعرف لماذا لم تقنعني هذه المقالة ببول بل انها اعطتني بعض الانطباعات الاكيدة والتي ستظل تراودني كلما اسمع اسمه مرة اخري

    الانطباع الذي جائني وانا اقرا المقال ان بول شخص متسلط وبخيل ومحدود الذكاء يفكر فقط بجمع المال مع بخل شديد جدا وما ان بدأ بجمع المال في بداياته حتي قرر ان يعيش اسوا ايام حياته ببخلة وجمعه مبلغا من المال مع القرض الذي اقترضه

    ولا اعرف ان كان بول يذكرني بهذا النموذج الثاني من محدودي الذكاء ام لا ففي رايي المجتمع لا يكل من تقديم خدمات بشئ من رضا النفس لهذه الفئات
    فقد شاهدت في احدي “شركات المياه” باحدي المحافظات احدهم وهو يرتدي جلابية ويضع علي اكتافه مايسمونه القفطان “تقريبا” وهو يدخل مناقصة ما لم اعرف تفاصيلها وما اتذكره انه كان يسير خلفة استاذ محترم ببدله تلمس فيه الذكاء من اول نظرة ويحمل له الحقيبة وبها تليفون محمول بحجم “كوز الدره في التسعينات” ثم سمعتة يتكلم في التليفون عن عدة ملايين هنا وهناك
    الغريب ان تجد الموظفون ينظرون اليه بابتسامة عريضة من ملبسة ومظهرة وبدون اي رشاوي يتحقق له ما يريد

    المشهد الثاني : يدخل مهندس “قد الدنيا” فاهم اللعبة ودارس ثم يكون له نفس الطلب فلا يتحقق له مراده
    وتجد الردود علية من الموظفين اكثر احترافية وروتينية لماذا لانه مهندس وفاهم ولازم يمشي طبقا للوائح

    اجدها تحدث احيانا في الفن مع مطربين شعبيين وايضا تحدث مع البواب الغلبان الذي تجده فجأه يبني عمارة ويصبح من كبار رجال البيزنس

    هل اجد لديكم من تعليق وهل يلاحظ احد معي هذه الظاهرة

  5. Mai رد

    كلام رائــــــــــــــــــــــــــــــع !
    العصبية مشكلة ! و التحكم بالانفعالات مشكلة أخرى!
    شكرا أخ شبايك!

  6. مرام رد

    كـــــلام جـــــــــمـــــيــــــــــــل

    ممكن أخي شبايك إضافة مزيد من الأفكار في صفحتك وقـــود الحـــــــــيـــــاة .

  7. محمد اسماعيل رد

    كنت في حاجة الي هذا الفصل في ذلك الوقت بالذات
    شكرا شبايك

  8. شبايك رد

    محمد
    لا أدري ماذا قرأت فجعلك تصدر حكمك هذا، وأرجو ألا يكون العيب مني. مع احترامي الكامل لرأيك، ومع الأخذ في الاعتبار أني لا أعرف بول معرفة شخصية، وبالتالي لا أملك الحكم على شخصيته، لكني معجب بمشاركته 25% من أرباحه مع العاملين معه، ومن تقديمه الدعم النفسي بجانب المادي للعاملين معه، لكنه يبقى انسانا في نهاية المطاف، مثله مثلنا، بكل ما لدى الانسانية من عيوب! وأما عن مثالك الذي سألت عنه، فلا أدري السبب، لكن كلي يقين أن الموروثات الشعبية والعادات تلعب دورها في هذا الأمر…

    مرام
    أشكرك على الاهتمام، وأعكف حاليا على كنز من هذه المقولات، سيكفي طوال عام كامل 🙂

    أشكر الجميع على تعليقاتهم، وأتمنى لكم عيدا سعيدا مباركا، وتقبل الله منا ومن الحجيج، ورزقنا حجة بعد حجة، وعمرة بعد عمرة، حتى نلقى الله على خير… عيدكم مبارك!

  9. فارس رد

    كل عام وانت بخير
    اعاد الله عليك الايام بالخير
    ومن عام الى عام وانت فى تقدم دائم
    وتمتعنا دائما بما لديك من مواهب وابدعات
    دومت لنا بكل خير

  10. مراسل الحلول و الشفرات رد

    ما شالله من إبداع إلى إبداع.
    إن كان هناك عقل استراتيجي يتمتع بحسن الجوار مع الكتب فهو عقلك.
    إلى الإمام يا أخ رءوف.

  11. سحر رد

    اظن أن بول هذا شخص رائع .. قليل جدا من الناس من يعترفون بعيوبهم ويحاولون مواجهتها.. كما أن أهتمامه بموظفيه ومحاولته الدائبة لتحسين أحوالهم شيء جميل ومختلف ويظهر حبه للناس..
    جزاك الله خيرا يا أستاذ شبايك علي المجهود الرائع الذي تقوم به..
    كل عام وأنت وعائلتك وأحبائك بخير.

  12. محمد يس رد

    انت جميل فعلا يا بول لأنك تعترف بعيوبك و لا تنكرها مثل كثيرا من الناس الذين يتحدثون عن انجازاتهم فقط

  13. x-1 رد

    “إذا صرخت في وجهك ساعة كل يوم، فهذا يعني أني أحبك 23 ساعة في بقية اليوم”

    شي حلو لان ما فيه احد يقدر يصرخ ساعه كامله الا اذا كان طويل نفس

  14. abdulla رد

    شكرا لك على هذه المقالات المميزة

    عندما ادخل الي هذه المدونه لا اخرج الى حين اشعر بالتعب عند انتهائي من قراءة مقالة اقراء المقالات المقترحة … اظل في مدونتك اكثر من ما اقضيه في موقعي

    اتمنى لك النجاح والتوفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *