هيرب شامبرز – عصامي ناجح أم مخادع محظوظ؟

هيرب شامبرز Herb Chambers بطل قصتنا اليوم أمريكي من مواليد عام 1941، عصامي أمريكي بنى نفسه بنفسه وتقدير ثروته اليوم قرابة 2 مليار دولار.

اشتهر عنه أنه عاش صغيرا في بيت ملك لجدته في مدينة بوسطن الأمريكية بولاية كارولينا الجنوبية، والتي ما أن بلغ 13 عاما حتى بدأت الجدة تطلب منه (وكذلك إخوته من بعده) إيجار  غرفته في بيتها قدره 15 دولار شهريا، الأمر الذي جعله يبدأ العمل صغيرا في سوبر ماركت. في البداية كان يعيد عربات التسويق إلى أماكنها المخصصة، ثم بدأ العمل في داخل السوبر ماركت ذاته. لمع نجم الشاب الصغير في مجال المبيعات وكان موفقا للغاية.

هذا التوفيق في العمل قابله عدم توفيق في مقاعد الدراسة، ولذا قرر وعمره 17 عاما ألا ينهي دراسته الثانوية ليخدم في البحرية الأمريكية. هناك عمل في غسيل الطائرات الحربية بداية ثم تخصص كفني إصلاح إلكترونيات الطيران.

بعد مرور 4 سنوات في البحرية، استقال وعاد ليبحث عن عمل في بلدته. وظفته أمه لمدة شهرين للعمل في الخمارة التي تملكها، لكنها فصلته من العمل بعد شهرين (لخطأ يقول إن والده كان السبب فيه وليس هو!).

بعدها ترك بيت أمه وذهب ليقيم مع أخته وليبحث عن وظائف أخرى حتى وجد فرصته في محل إصلاح ماكينات تصوير ونسخ المستندات الورقية، وهناك حيث تعلم من الصفر واستطاع نجمه أن يلمع مرة أخرى.

كان هيرب نشيطا يعمل بجد واجتهاد، وكان يزور أماكن العملاء ويحل مشاكلهم بسرعة وحرفية. كان غيره من الفنيين متأخرا على 7 أو 8 عملاء بحاجة لخدمات الصيانة، في حين كان هيرب متأخرا عن عميل واحد فقط، ولا يرتاح حتى ينهي كل المطلوب منه.

وجد هيرب أن الربح الوفير يأتي من عقود الصيانة، ولذا بدأ يحاول بيع عقود الصيانة حتى أتقنه ولمع نجمه، الأمر الذي لفت انتباه مدراء الشركة، وحين سألوا من هذا البائع الماهر الذي باع كل هذه العقود، كان الرد يأتي، إنه هير ب شامبرز فني الصيانة!

خذا هذا الدرس في فنون إدارة الشركات والموظفين:

بسرعة قرر مدراء الشركة أن يترك هيرب مجال الصيانة ويتخصص في المبيعات! وافق هيرب على قبول عرض وظيفة المبيعات وبدأ يتعلم بنفسه فن البيع وكيف يتغلب على مقاومة العملاء المحتملين لعروض البيع.

تعرض هيرب لمواقف سخيفة كثيرة في بداية مشواره في عالم المبيعات، لكنه تغلب عليها الواحدة تلو الأخرى، حتى وصل مرحلة في عمره جعلته يتساءل:

إذا كنت قادرا على البيع لغيري فلماذا لا أبيع لنفسي -هيرب شامبرز

كان هناك شرط جزائي في وظيفته تلك، ألا يدخل في أي نشاط تجاري منافس لأصحاب الشركة في محيط 100 ميل من مدينة بوسطن، ولذا اضطر لاتخاذ مقر بعيد بمقدار هذه المسافة ليؤسس شركته الصغيرة A-Copy والتي خصصها لبيع لوازم تشغيل وإصلاح ماكينات تصوير المستندات والأوراق.

(سبقت تلك الماكينات شيوع استخدام الحواسيب في وقتنا هذا، كما كانت الطابعات كما نعرفها غالية الثمن ضخمة الحجم بطيئة الإنتاج، وكانت ماكينات تصوير ونسخ المستندات الحل السحري لمن يريد عمل نسخ مطبوعة من أي مستند ما)

كانت طريقته في البيع ذكية: كان يذهب إلى مبنى أعمال كثير الطوابق، يأخذ المصعد حتى آخر طابق، ثم يدق الأبواب الواحد تلو الآخر حتى يبلغ الطابق الأرضي، ليخرج ويعيد الكرة في مبنى آخر!

بعدما نفدت كل المباني الشاهقة، بدأ يزور المحلات والوكالات المجاورة.

في البداية كان يبيع خدماته من سيارته التي يتجول بيها للمرور على العملاء المحتملين، حتى عرف من شركة يتعامل معها رغبتهم في شراء ماكينة نسخ أوراق – عوضا عن تأجيرها كما كان شائعا في وقتها– بعدما أصبح سعر البيع في متناول هذه الشركة.

عندها بدأ هيرب شامبرز يفكر جديا في بيع الماكينات الجديدة كذلك – خاصة وأن تقنيات تلك الماكينات كانت تتقدم مقابل خفض أثمانها ما جعل الشراء أهون من التأجير، وهو الأمر الذي جلب له النجاح والأرباح، حتى جاءه عرض شراء بقية 80 مليون دولار لشركته هذه، والذي وافق عليه في عام 1983.

في أوج مجدها، وظفت الشركة 1400 موظفا عملوا في 36 فرعا!

بعدما أخذ نصيبه من بيع الشركة، قرر العمل في وظيفة لدى عملاق اقتصادي كبير. إلا أنه كره كل ثانية عمل فيها في هذه الوظيفة الخالية من إثارة المنافسة والبحث عن عملاء جدد ومتابعة نبض السوق من الخطوط الأمامية!

استمر هذا الكره حتى حدث ذات يوم في عام 1985 أن ذهب ليشتري سيارة كاديلاك، ذلك لأنه كان من هواة السيارات ومحبي اقتناء النوادر منها.

حصل هيرب على معاملة سيئة في وكالة السيارات ولم تلق قبوله ووجدها أقل من المقبول، ولذا قرر شراء هذه الوكالة ليقوم بنفسه بتحويل طريقة معاملة العملاء من سيئة إلى جيدة.

مرة أخرى، اتبع هيرب أساليب عبقرية في البيع، وبدأ يضيف المزيد من وكالات شركات السيارات إلى إمبراطوريته، وبدأ يفتتح الفرع تلو الفرع، ويشتري الوكالات التي تنوي غلق أبوابها.

من الطريف في سيرة هيرب شامبرز

عمل على نشر خدمة غسيل وتنظيف السيارات التي تأتي للوكالة من أجل صيانتها.

وضع سعر بيع موحد لكل سياراته المستعملة التي يبيعها، كما وفر فترة سماح 5 أيام لإعادة السيارة المستعملة المباعة واسترداد كامل ثمنها. بعد نهاية الأيام الخمسة، يمكن للمشتري إعادة السيارات واستخدام ثمنها في شراء سيارة أخرى شريطة ألا يكون قد قادها لأكثر من 1500 ميل.

هذه الخدمات جعلت المشترين آلات تسويق لوكالات هيرب – ينصحون غيرهم بالشراء من هيرب. كذلك، مقابل هذه الخدمات، تعرف هيرب على مشترين رجال أعمال ومدراء وسياسيين ومطوري مشاريع عقارية، ساعدوه في أعماله التجارية فيما بعد!

على الجانب الآخر !

حققت شركاته تقييما قدره 3 من 5 من مراجعات الموظفين الذي يعملون لديه حيث وصفوها بالوكالة التي تخدع وتغش وتكذب وتفاخر بذلك، في موقع الباب الزجاجي GLASSDOOR المخصص لفضح طريقة معاملة الشركات لموظفيها.

كذلك قالوا إن هيرب شامبرز يرشو جريدة بوسطن جلوب لتنشر بشكل دوري مقالات إيجابية كاذبة عن عبقرية الرجل ونجاح شركاته وكثير مبيعاته.

بعض التعليقات قالت إن هيرب شامبرز مخادع ينسب نجاحات موظفيه لنفسه ثم يرفدهم، ويتباهى بأنه فصل الكثيرين من العاملين معه وأنه قادر على تكرار الأمر على من يشكو من شيء ما!!

لم يتسن لمحدثكم التحقق من هذه المراجعات، لكنه وجد نفسه ملزما بنقل الصورة كما وجدها، حتى لا تظن أن الرجل سادس الخلفاء المسلمين من طريقة مديحي هنا!

كذلك عاب الرجل أنه كذب وهو صغير حين كان السن القانوني للعمل 16 عاما وحين أن عمره وقتها كان 13 عاما لم يجد أي خجل من الكذب بخصوص سنه وزعم أنه بلغ السن القانوي للعمل ليحصل على وظيفة.

كنا لنقبلها لو أنه شغر بالخجل من ذلك الكذب لكن على العكس تجده يروي هذه القصة ويتفاخر بها.

الكذب له بداية لكنه بلا نهاية. حين أراد الحصول على وظيفة بعدما صرفته أمه من العمل لديها تقدم لشغل وظيفة فني إصلاح ماكينات تصوير الأوراق وزعم أنه خبير بهذه الماكينات، في حين أنه لم يعلم عنها أي شيء.

دعونا نكمل هذه التدوينة!

بعدما عرف طريق الثراء، بدأ يستثمر في العقارات ويحقق أرباحا جميلة جدا، استخدمها في شراء اليخوت الفاخرة الفارهة العملاقة!

هل تذكر حين قلت لك أنه من المولعين بالسيارات ولديه مجموعة منتقاة من نوادر هذه الطرازات؟ ذاع اسم هيرب شامبرز حين باع سيارته ماكلارين اف1 موديل 1995 النادرة مقابل 15.62 مليون دولار أمريكي! (كم كان سعر شراؤه لها سيبقى سرا، لكن السيارة الجديدة كانت تباع وقتها بأقل بقيل من مليون دولار)

هيرب شامبرز - 1995 McLaren F1
هيرب شامبرز وسيارته McLaren F1 موديل 1995 التي باعها بملايين كثيرة!

الطريف أنه يملك طائرة هليكوبتر يتنقل بها، ربما ليحافظ على مجموعته المنتقاة من السيارات الكلاسيكية والفاخرة!

في الختام

بعدما كتبت كل ما كتبته عن قصص الناجحين، وجدت في كل قصة جوانب سيئة، حتى صاحبنا بيل جيتس لم ينجو منها إذ قرأت أن زوجته طلقته بعدما ضبطته يخونها مع أخرى، الحال ذاته مع جيف بيزوس مؤسس أمازون، ولذا إن كنت تبحث عن ملائكة على هذا الكوكب فاعتزل الناس وانتظر الموت!

يمكننا تطويع تفاصيل هذه القصة، بدلا من الزعم كذبا بأنه خبير تصليح، كان يمكنه القول إنه راغب بشدة في التعلم ولا مانع عنده من العمل بدون مقابل حتى يتقن هذا المجال ثم يحصل على راتب.

بدلا من رشوة جريدة، كان يمكنه عمل أشياء جيدة للغاية تجبر الجميع على الكتابة عنها.

خلاصة القول، لا تنس وأنت تقرأ قصص النجاح الثبات على المبادئ الصحيحة. لا تخسر آخرتك مقابل دنيا تصيبها أو مال تكسبه!

على الجانب الآخر، لا تتوقع أن تقرأ قصص نجاح لأناس من الملائكة لا يخطئون صغيرة ولا كبيرة فلكل منا نصيبه من العيوب، الفرق هو مقدار ستر الله عز وجل لهذه العيوب!

اترك رد