التسويق بالكذب – حملة آنجل ذات الرداء الأحمر

634 قراءات
30 نوفمبر 2018
التسويق بالكذب – حملة آنجل ذات الرداء الأحمر

هل التسويق مرادف للكذب – أو – هل التسويق مبرر ومسوغ كاف للكذب؟ ماذا لو كان هذا الكذب سيحقق هدفك التسويقي ويزيد مبيعاتك؟ هل تلزم الصدق وتخسر أم تختبئ خلف عذر أو مزاعم وتستخدم ما أسميه التسويق بالكذب لتنجو اليوم عسى الغد أن تتوب وتلزم التسويق الصادق. هذا السؤال الأخلاقي صعب للغاية، اختبار يسقط فيه الكثيرون.

هنا سنعرض مثالا شهيرا على التسويق بالكذب وهي حملة الدعاية لبار (خمارة) أيرلندي في ضاحية بافلو في مدينة نيويورك الأمريكية. البداية كانت مع عامود إعلانات وحيد في مدينة نيويورك قريب من البار، يعرض إعلانا جديدا كل أسبوع، على مر 9 أسابيع هي مدة هذه الحملة، وكان أول إعلان كالتالي:

التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 1

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 1

الأسبوع الأول:

إلى آنجل التي كانت ترتدي الثياب الحمراء:

شاهدتك في بار جارسيا الأيرلندي.

أود رؤيتك مرة ثانية. –ويليام

 التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 2

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 2

الأسبوع الثاني:

إلى آنجل التي كانت ترتدي الثياب الحمراء:

لا زلت في انتظارك. هل نتقابل في بار جارسيا يوم الجمعة؟

-ويليام

 التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 3

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 3

الأسبوع الثالث:

إلى آنجل التي كانت ترتدي الثياب الحمراء:

سأفلس قريبا بعد كل هذه الإعلانات المكلفة، جارسيا… رجاء!

-ويليام

 التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 4

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 4

الأسبوع الرابع:

إلى ويلي –

أنا لست آنجل، لكني أرتدي اللون الأحمر. جارسيا السبت.

-كاندي

 التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 5

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 5

الأسبوع الخامس:

إلى آنجل التي كانت ترتدي الثياب الحمراء:

رغم أن كاندي لا غبار عليها، لكنها ليست أنت.

الجمعة في بار جارسيا؟

-ويليام

 التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 6

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 6

الأسبوع السادس:

ويلي الصغير (اللهجة الأيرلندية والاسكتلندية تسمي كل ما هو صغير وي)

الجحيم بانتظارك إذا كنت تقصد حبيبتي انجل في بار جارسيا.

-فرانكي

 التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 7

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 7

الأسبوع السابع:

إلى آنجل التي كانت ترتدي الثياب الحمراء:

إلى الجحيم بتهديدات فرانكي، سأخاطر بكل شيء مقابل لقائي بك في بار جارسيا.

-ويليام

التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 8

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 8

الأسبوع الثامن:

ويليام العزيز

لا بد أني مجنونة، جارسيا الثامنة والنصف مساء الجمعة.

-آنجل

التسويق بالكذب - إلى آنجل ذات الرداء الأحمر - إعلان 9

التسويق بالكذب – إلى آنجل ذات الرداء الأحمر – إعلان 9

الأسبوع التاسع والأخير:

آنجل:

أشكرك على لقائي بك يوم الجمعة في جارسيا.

أنا في النعيم الآن.

مع حبي، ويليام

قبل نزول أي دموع رومانسية، القصة كلها خيالية ولا وجود لأي من هذه الشخصيات الأربعة.

شدت هذه الحملة الإعلانية انتباه قطاع كبير من الناس، وتحدثت عنها بعض الصحف اليومية الشهيرة، وحصلت الوكالة الإعلانية صاحبة الفكرة والتنفيذ (Crowley Webb) على جائزة تقديرا لهذا الفكر في الإعلان. أما بار جارسيا، فلك أن تتخيل عدد الناس الذين ذهبوا يوم الجمعة إليها بحثا عن تلك الحسناء التي ترتدي الثياب الحمراء وسبب كل هذا الضجيج.

هل لاحظت ما حدث؟ ببساطة إنها قصة بسيطة، من أربع شخصيات و 9 مواقف، لا أكثر.

بقية تفاصيل القصة تقول أنه في عام 1989 واجهت جارسيا، هذه الخمارة الايرلندية، منافسة من نادي سياحي كبير فتح أبوابه في الضاحية التي تقوم فيها جارسيا، ما كان معناه خسارة زبائن كبيرة بسبب المنافسة والمزايا الإضافية. ذهب مسؤول جارسيا إلى وكالة الإعلانات Crowley Webb لإنقاذهم من هذه المنافسة القاتلة. جل ميزانية جارسيا كانت 20 ألف دولار وهو مبلغ هزيل بمعايير هذا الزمن.

توصل عباقرة الوكالة إلى هذه القصة التي قرأتموها. لزيادة الحبكة الدرامية، قامت الوكالة بالخطوات التالية:

  • قام شخص أدعى أن اسمه ويليام بالاتصال ببرنامج راديو طلب فيه بصوت الملهوف من آنجل ذات الرداء الأحمر أن تتواصل معه. كذلك قام هذا الويليام بإذاعة إعلان صوتي قال فيه الكلمات ذاتها.
  • قام من يدعي أنه ويليام بنشر إعلان يبحث فيه عن آنجل الحمراء في الإعلانات المبوبة في بعض الجرائد اليومية.
  • في الأسبوع الثامن، قامت سيارة ليموزين بتوزيع منشورات تسأل الناس عن آنجل، طبعا بالقرب من موقع جارسيا.
  • قامت طائرة شراعية بجذب إعلان طائر فوق جمهور يشاهد مباراة بيسبول عرض رسالة من ويليام.
  • في يوم الجمعة من نهاية الأسبوع الثامن، جلست فتاة حسناء ترتدي الثياب الحمراء في حانة جارسيا تنتظر بقلق، حتى جاءت سيارة ليموزين (التي سبق ذكرها) ونزل منها شاب وسيم، جلس مع آنجل، ثم رقص معها على أنغام أغنية ليدي ان ريد Lady in Red الشهيرة، ثم انصرفا في السيارة ذاتها.
  • بعدها بدأ رجال نيويورك يعانون من أن نسائهم تراهم اقل رومانسية وأقل عشقا من هذا الويليام.

بعدها بسنوات قليلة، أغلقت حانة جارسيا أبوابها (والعديد من جيرانها من الحانات والنادي السياحي السبب في هذه الحملة) لتغير طبيعة المنطقة السكنية التي كانت فيها، لكنها استطاعت منافسة هذا النادي الذي فتح أبوابه لفترة من الزمن.

الآن نتوقف بالدراسة والتحليل:

من حيث المبدأ، الفكرة يمكن تكرارها بسيناريو لا يرفضه ديننا الاسلامي والأخلاق والمباديء.

قصة صادقة مشوقة تجعل الناس تتابع فصولها بشغف، وترتبط بأحداثها وشخصياتها، مع الزج باسم المعلن بشكل لا يسبب مقاطعة لانسياب مجريات الأحداث.

لا يتطلب الأمر أن تكون القصة مفبركة، خيالية، كاذبة.

تكمن المشكلة في أن كثيرا من جوانب هذه الحملة الإعلانية – رغم نجاحها – تخالف الطبيعة البشرية السوية القائمة على الصدق.

مهما برر من أراد التبرير، لكن الكذب ساد الموقف.

حين اتصل من اتصل بالراديو وترك مداخلته الوهمية، فهو إنما فعل ذلك لأنه يعلم أن الناس ستصدقه.

كل الرسائل المعلنة والمنشورة والمذاعة والموزعة قامت على فكرة أن قطاع كبير من الناس سيكون بريئا فيصدق هذه الرسائل، ويتفاعل معها.

هل التسويق بالكذب مبرر؟

يسمونها المنطقة الرمادية، تلك التي لا تتضح فيها الحدود، لأن أنصار مثل هذه الطرق في التسويق والإعلان سيقولون: لا، بل فهم الناس أنها دعابة تسويقية وانساقوا معها تشجيعا لها.

في ظل عدم وجود آلية واضحة حازمة لمعرفة كيف فهم الناس كل إعلان مر عليهم، فهذا ترك الساحة خالية لكل من لديه نظرية ليعرضها ويصدقها ويطلب منك أن تصدقها – ربما مثلما أفعل أنا هنا!

لكن في النهاية تبقى الحقيقة، مثل هذه الحملات الإعلانية وحملات التسويق بالكذب تقوم على الكذب أكثر منه الخيال، والبرهان بسيط، إذا حدث ورأيت أنت رسالة إعلانية مثل هذه، هل ستصدقها؟

بالطبع لا، لأنك تعلم أنها كذب.

حين ترى الإعلان التالي لجارسيا؟

هل ستصدقه أم ستفكر أين الخدعة هذه المرة؟ هل ستتفاعل معه أم لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين؟

معضلة التسويق

هذه هي معضلة التسويق، أداة تستخدم بشكل سيء في بعض المواقف من بعض الناس، ربما بشكل متكرر أكثر من المفترض، وتعطي نتائج جيدة، لكن لفترة زمنية قصيرة لا طويلة. التسويق لا يساوي الكذب، وإن نجح في زيادة المبيعات… لفترة قصيرة.

التسويق بالكذب لا يذهب بعيدا وهو ربما نفع في المدى القصير لكنه مدمر على المدى الطويل أم ماذا وجدت أنت في هذا المثال؟

مصدر القصة والصور: mclellanmarketing.com

هذه القصة وردت في باقة فن التسويق والتي ألفتها وأضيف إليها الجيد من حين لآخر ويمكن شراؤها بالضغط على هذا الرابط.

إذا أعجبتك هذه التدوينة أنصحك بقراءة تدوينتي السابقة بعنوان: دروس التسويق من مطعم فايف جايز للبرجر والبطاطا(س)

اجمالى التعليقات على ” التسويق بالكذب – حملة آنجل ذات الرداء الأحمر 8

  1. عادل رد

    فكرة تسويقية ذكية من الوكالة ربما كان من الأفضل إيجاد أسلوب اخر غير الكذب لأنه في الأخير سيضر بمصداقية الشركة على المدى الطويل

    1. أحمد سعد رد

      التسويق بحره واسع ، و هناك طرق كثيرة للتسويق لا يدخل فيها أي شبهه كذب واحدة .

      فقط على سبيل المثال لا الحصر

      – عندما تقدم إستشارة مجانية للناس في المجال الذي تعمل به ، فأنت بذلك تسوق لأعمالك .

      – عندما تقدم عينة مجانية للناس لتجربة منتجك ، فأنت بذلك تسوق لمنتجك .

      أما التسويق الكاذب فهو يؤدي إلى زيادة المبيعات ، و لكن سرعان ما ينقلب السحر على الساحر ، و يصبح السقوط التدريجي نتيجة حتمية .

  2. أحمد سعد رد

    مقال ممتاز حقا أستاذ رءوف ، و يعتبر وسيلة إعلام و تنبيه لنا ، لأن نتحرى الصدق أكثر في إختيار الطريقة التي سنعرف العملاء بها على أنفسنا و منتجاتنا .

    شكرا جزيلا لك ،،

  3. محمد هارون غزي رد

    رائعة من أفكار التسويق والتي ذكرتني باول اعلان و التي نقلت نصها :
    حيث قصة هذه القصيدة المكونة من ثلاثة أبيات كما أوردها صاحب الأغاني في الجزء( 3 / 45 )

    -يحكى أن تاجرا من أهل الكوفة قدم المدينة بأخمرة نسائية فباعها كلها , وبقيت السود منها لم تنفق , وكان صديقا للمغني الشاعر الفذ ربيعة بن عامر الدارمي الملقب بالمسكين , المشهور بين أهل مكة بالظرف فشكا عليه ذلك الكساد الذي أصاب بضاعته من الخمار الاسود , لعله يجد سبيلا لإنفاذها وكان الدارمي قد تنسك وترك الغناء وقول الشعر , ولكنه إزاء إلحاح صديقه هداه تفكيره إلى القيام بعمل إعلان شعري غنائي للخمر السوداء’ حتى يتم بيعها وإقبال النساء عليها , ثم يعود إلى تنسكه الذي كان عليه فقال :

    قل للمليحه في الخمار الأسود ماذا صنعت بزاهد متعبـد ؟
    قد كان شمر للصلاة ثيابـه حتى وقفت له بباب المسجد .
    ردي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق ديـن محمـد
    غنى في الأبيات صوتا رائعا شاع في الناس أمره , فلم تبق في المدينة فتاة او سيده إلا ابتاعت خمارا أسود . حتى نفذ كل ماعند العراقي منها .. ورجع الدارمي إلى نسكه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *