لماذا فشل: نيو كوك

7٬994 قراءات
2 فبراير 2013

المنافسة ما بين أشهر مشروبين غازيين في العالم: كوكا و بيبسي لهي أشهر من أفلام مطاردة القط توم للفأر جيري، على أن وضع شركة كوكا كولا في السوق في مطلع فترة الثمانينات من القرن الماضي كان ينذر بعواقب وخيمة، إذ جرت العادة قبلها على أن تتقدم مبيعات كوكا على بيبسي بنسبة خمسة إلى واحد، أو بصيغة أخرى: مقابل كل عبوة بيبسي مباعة، كانت كوكا تبيع خمسة، وكان ذلك الحال في الخمسينيات، إلا أن بيبسي أخذت تتبع سياسات تسويقية وإعلانية جديدة تمكنت من تقليل الفارق بينها وبين منافستها وجعلت حصة كوكا تتارجع من 60% إلى 24% في 1983، وبدأت الاحصائيات الرياضية تشير إلى أن بيبسي ستتقدم على قائد السوق – كوكا كولا.

new-coke-coca-cola-classic

سبب الزيادة في حصة بيبسي من السوق عاد إلى تطبيق بيبسي لسياسة جديدة تقوم على التسويق والترويج لمنتجاتها على أنها العلامة التجارية الأمثل للشباب. كانت هذه الساسة خطيرة جدا، إذ كانت مخاطرة قد تنتهي بخسارة قطاع عريض من مستهلكي بيبسي، على أنها أعطت ثمارها فيما بعد وتبين أنها كانت الخيار الصحيح. ضمن منافستها الشرسة، أطلقت ’تحدي بيبسي‘ حيث وضعت الناس العاديين أمام اختبار بسيط: شرب مياه غازية بدون وضع أسماء عليها، ثم الطلب من هؤلاء الناس اختيار أفضل طعم ومذاق، وكانت أغلب الاختيارات من نصيب مشروبات بيبسي. كانت الحقيقة بسيطة ومؤلمة: مشروب بيبسي أفضل مذاقا وأكثر حلاوة، وكان الناس يفضلونه أكثر من مشروب كوكا. لم تقف بيبسي عند هذا الحد في المنافسة، إذ بدأت ولأول مرة (وقتها) تدخل في شراكات إعلانية مع مشاهير الفنانين مثل مايكل جاكسون وقتها ليكون الوجه الفني للمشروب الشبابي.

مع مقدم مدير تنفيذي جديد لشركة كوكا كولا في عام 1980، كان الوضع الحالي لا يسر على الإطلاق: تراجع مستمر في مبيعات الشركة، نصيب المشروب الأول كوك يتراجع ويخسر لصالح منافسين ولصالح مشروب كوكا كولا الجديد: دايت كوك، وكانت الدراسات توضح أن سبب نجاح مشروب دايت هو أن طعمه قريب من طعم مشروب بيبسي، وكان أكثر حلاوة. قرر المدير الجديد أن الوضع خطير، يوجب على الجميع مراجعة كل الثوابت في الشركة، ومنها الطعم الأصلي الذي بسببه اشتهر مشروب كوكا كولا، ولذا أطلق مشروعا جديدا غرضه تحسين مركبات مشروب كوكا لتقديم مذاق أفضل.

توصلت الشركة لطعم جديد، أكثر حلاوة من مشروب كوكا، وبدأ فريق التسويق في تنفيذ إجراءات أبحاث التسويق, والطلب من الناس أن يجربوا الطعم الجديد، ويقارنوا بينه وبين طعم كوكا و بيبسي. كانت النتائج الأولية عارمة، قطاع كبير جدا أحب الطعم الجديد، أكثر من طعم كوكا الأصلي، ومن بيبسي كذلك. أما النسبة القليلة (12% من العينة) فأعلنت عن غضبها من هذا الطعم الجديد، وقالت أنه طعم غريب وغير معتاد على محبي كوكا. الملحوظة الأكثر أهمية، هو أن وجود هذه النسبة الغاضبة من المستخدمين، كانت تؤثر سلبا على تقييم بقية أفراد مجموعات العينة، ما جعلهم يعطون تقييمات أقل مما كان يريدون.

بناء على هذه النتائج الإيجابية المشجعة، وتزامنا مع الاحتفال بمرور 100 عام على إطلاق مشروب كوكا كولا في عام 1985، قررت الشركة طرح المشروب الجديد ذي المذاق الحلو، نيو كوك أو كوك الجديدة. أرسلت شركة كوكا الخبر الصحفي الذي نوهت فيه أن خبرا هاما للغاية سيجري الإعلان عنه قريبا جدا. بعدها تسربت صورة لشكل المشروب الجديد، والذي علمت به شركة بيبسي.

هنا نفذت بيبسي خطوة إعلانية ذات أهمية كبيرة، رغم أن البعض قد يراها من أدوات الحرب القذرة، إذ نشرت إعلانا في صفحة كاملة في جريدة شهيرة أنها قد فازت في حرب مشروب الكوكا، ولفرط ثقتها أعطت جميع العاملين فيها إجازة لمدة يوم، كل هذا في اليوم الذي سبق إعلان شركة كوكا. بشكل أو بآخر، ساهمت بيبسي في تغيير مزاج جمهور كوكا ليكون متشائما، وهو ما أثبت جدواه فيما بعد.

الأمر الثاني الذي وجده البعض قرارا خاطئا، كان أن شركة كوكا أوقفت إنتاج مشروبها القديم، وبدأت في توزيع المشروب الجديد، في يوم الإعلان عنه (23 أبريل 1985). بعدها لم يعد بالإمكان العثور على مشروب كوكا القديم التقليدي المعتاد، حتى أن البعض في أمريكا استورده من الخارج من البلاد التي استمر إنتاج الطعم القديم فيها.

رغم ذلك، ارتفعت أسهم كوكا في البورصة الأمريكية في يوم الإعلان، وأشارت الدراسات إلى أن 80% من الشعب الأمريكي عرف بخبر إطلاق المشروب الجديد في يوم الإطلاق، بفضل جهود تسويقية وإعلانية جبارة (قدر البعض إجمالي تكلفتها بقيمة 10 مليون دولار في هذا الوقت). جاءت المبيعات الأولية إيجابية في معظمها، نال الطعم الجديد إعجاب الناس، وأعلن الكثيرون منهم أنهم سيعودون لشراء الطعم الجديد في المستقبل. كان كل شيء يسير على ما يرام، سوى مبيعات الولايات الجنوبية، المكان الذي شهد انطلاق مشروب كوكا كولا الأول.

ما حدث بعدها هو أن عدد قليل من الجمهور الوفي لكوكا كولا بدأ في إعلان رفضه وتذمره من الطعم الجديد، أغلبهم جاء من الولايات الجنوبية، معقل كوكا كولا. بدأت الانتقادات تزيد حدة، وبدأ الهجوم العام يزيد على إدارة كوكا كولا، باعتبارها من أغبي الشركات في العالم. مر وقت قصير ثم بدأ الصحفيون يشاركون في الهجوم والانتقاد والذم، وبدأت إعلانات نيو كوك المصورة تحصل على أصوات الاستهجان والقذف حين عرضها، حتى أن فيدل كاسترو اشترك في انتقاد المذاق الجديد. حاولت عندها بيبسي الصيد في الماء العكر، بإعلانات تشجع الناس على ترك كوكا إلى مشروبها، لكنها عادت بخـُـفيّ حـُـنين، إذ أن الجمهور الوفي رفض المذاق الجديد، وكذلك رفض الانتقال إلى معسكر الأعداء.

رغم هذه المقاومة في الجنوب، كانت الولايات الشمالية تحقق مبيعات جيدة! بدأت الإدارة تتلمس رد الفعل خارج الولايات المتحدة، وكانت ردود الفعل الأولية سلبية أيضا. ثم بدأت دعوات المقاطعة تعلو وتزداد قوتها، وبدأت المبيعات تتوقف عن الزيادة، ثم بدأت شركة تعبئة الزجاجات تشكو من غضب الناس منهم، وبدأ البائعون يشكون من حاجتهم للدعاية والتسويق لبيع مشروبات كانت تبيع بأقل مجهود.

ثم اجتمع مجلس الإدارة لدراسة الموقف، وبدا واضحا من أن حملات المقاطعة كانت جادة ويجب معالجتها قبل أن يكون الوقت قد فات. بعد مرور أقل من 3 شهور، قررت شركة كوكاكولا العودة للطعم القديم، الأمر الذي استقبله الجميع بالحفاوة والسعادة.
رغم كل المال والجهد والدقة في دراسات السوق والتسويق، لم تعرف كوكا كولا شيئا صغيرا، وهو أن الارتباط العاطفي عند الناس بمشروب كوكا كولا التقليدي كان قويا للغاية، قويا بدرجة جعلت أي تغيير على هذا المشروب دربا من دروب الانتحار التجاري. بعدها أطلقت الشركة اسم كوكا كولا 2 على الطعم الجديد واستمرت في بيعه لفترة من الزمن حتى تراجعت مبيعاته وأوقفته تماما في عام 2002، أما الطعم الأصلي – كوك كلاسيك، فعاد لتزيد مبيعاته بشكل مريح.

درست كوكا كولا كل الجوانب لمحاولة فهم سبب ما حدث، وتوصلت إلى أنها لم تقدر القيمة العاطفية لمشروبها، ومدى ارتباط الناس بمشروب كوكا كولا، الرفيق الذي استمر معهم منذ الصغر، وشاركهم أفراحهم وأحزانهم… لو كان الحكم للمذاق فقط لفاز المشروب الجديد، لكن الأمر لم يكن كذلك.

الدروس:
مهما كانت أبحاث السوق التي تجريها قوية واحترافية، فقد يفوتها أشياء لم تكن في الحسبان.
لا تخش التراجع عن قرار كبير طالما ثبت أنه خطأ.
ليست علامة تجارية، بل علامة الحب أو Lovemarks بمعنى أن العلامة التجارية حين تشتهر بشدة، فإنها تدخل القلوب، وتكون العلاقة بين المنتج ومشتريه عاطفية في المقام الأول.
ظهرت بعض نظريات المؤامرة والتي قالت أن الشركة فعلت ذلك عن عمد، لكن لم يثبت ذلك بأدلة قطعية وبقيت كلها توقعات.

اجمالى التعليقات على ” لماذا فشل: نيو كوك 16

  1. salem رد

    تدوينة جميلة ورائعة ، وهي اول تدوينة بعد اضافتي لمدونتك في الrss , بالتوفيق ، وإلى مزيد من التفوق والنجاح .

  2. moahmed رد

    شكرا لك استاذ رؤوف علي التدوينة الرائعة

    فعلا العاطفه لها تأثير كبير علي نجاح او فشل اي منتج , عجبتني فعلا كلمة Loveamrks

    سأحاول استخدمها دائما وسأظل اتذكرها 🙂

  3. حسين بلال رد

    السلام عليكم,

    قصة جميلة فعلاً, اعتقد ان شركة كوكاكولا كان بإمكانها طرح منتجها الجديد تحت مسمى Limited Edition كطريقة لجس النبض.

    عموماً اعتقد أن الخطأ الجوهري كان بايقاف انتاج المنتج الأصلي خاصةً وأنه كان مازال مطلوباً بالسوق وفرض وجهة نظر الشركة على المستهلك الأمر الذي في غالب الأحوال, لايكون له نتائج سليمة. اضافة خط انتاج جديد الى جانب الخط القديم مع تقليص انتاج الخط القديم بالتوازي مع زيادة الطلب على المنتج الجديد قد يكون استراتيجية ناجحة بهكذا مواقف.

  4. محمد عمروش رد

    السلام عليكم ،
    بالفعل أخ حسين كما أنه لو تم إضافة خطوط إنتاج جديد مع الحفاظ على التقليدي كان سيقلل من حجم المشكلة ويعطي الناس فرصة تجريب المنتج الجديد دون الشعور بالتهديد تجاه عواطفهم التي اكتسبوها مع المنتج القديم .

  5. عبيد محمد رد

    الحقيقة أني أول مرة أترك تعليق رغم زيارتي الدائمة للمدونة و قرائتي لجميع كتبك بتحميل مجاني طبعا
    لأننا في الجزائر متأخرون في مجال الدفع الالكتروني .. و هي حقا كتب رائعة و تدوينات أروع ..

    أما مداخلتي عن مشروب نيوكوك ففي كتاب نهاية التسويق الذي كنا نعرفة تاليف مدير تسويق كوكاكولا في الثمانينات سيرجيو زيمان من خلاصات إدارة .كوم لنسيم الصمادي الذي سرح بأن منتج نيوكوك كان متعمد الفشل لضحد حجة بيبسي في المذاق الأفضل و لا أعرف ان كان ذلك صحيحا أم تغطية الأخطاء بصفة النباهة و الذكاء .. نرجو لك النجاح و المتابعة و حقيقة ما أفضله أكثر ملخصات الكتب التي تحوي قصص نجاح .. بالتوفيق ان شاء الله

    1. شبايك رد

      اعلم ذلك، ولقد بحثت كثيرا في هذه النقطة، ويبدو لي أنه قال ذلك حفظا لماء الوجه، لكن نيو كوك لم يكن عن عمد، دليلي في ذلك تصريحات بقية فريق العاملين في الشركة.

    1. شبايك رد

      اعرف ذلك، لكني بالبحث لم أجد ما يؤكد زعمه هذا، حتى أن صفحة ويكيبيديا توافقني الرأي…

  6. عمر اسكندر رد

    ما استخلصته من التدوينة هو ان نجاح اي منتوج يعود بالدرجة الاولى الى المستهلكين…فهم من يحدد نجاح المنتوج من عدمه اما الجودة و السعر …هي مجرد عوامل ثانوية.

  7. وسيم الاصبحي رد

    فعلا العاطفه والولاء لمنتج معين موجود وبشكل كبير عند اغلبية المستهلكين وبذات عندما يكون المنتج له فتره كبيره مثل الكوكا كولا , هذه المنتجات عندما يستهلكونه تذكرهم بالماضي . وكانه جزء منهم في الماضي سواء استهلكوها في افراح او غيرها . واكبر خطأ ان غيرت هذه الشركه الطعم الاصلي لهذا المنتج العريق والذي له عملاء شديدين الولاء له . كان الاجدر بها ان تنتج مشروب اخر منافس كما استخدمته في الاخير لمنافسة المنتج المنافس سواء كان بتغير طعم او بتغير طعم وتعديل سعر لمنتج منافس مع الاحتفاظ بالمنتج الذي يعتبره المنافسين تراث لهم يذكرهم بالماضي السعيد عند استهلاكه لان الطعم هي احدى الحواس الخمس والتي لها علاقه قويه في الاعصاب والدماغ . هذا ولك الشكر اخي العزيز على هذه التوينه الاكثر من رائعه .

  8. kareem abdo رد

    انا اعتقد انها لم تكن عن قصد بدليل انهم وقفوا اصدار المشروب الرئيسى لكن الفكرة ان تاريخ الشركه دى اقدم من تاريخ دول كتير واعتقد ان نجاح شركه كوكاكولا ليس لجودة المنتج اكيييد للادارة الناجحه ان شركه تستمر لاكثر من 125 سنه واعتقد ان مفيش دوله فالعالم مفيهاش كوكاكولا والغريب ان المشروب هو هو اللى تم انتاجه سنه 1885 انا فى رأيي ان دة مشروب القرن

  9. بشرى ريان رد

    الانسان مخلوق تحكمه غالبا العواطف وليس المنطق..فعلا أشياء كثيرة نرفض أي تغيير قد يطرأ عليها وإن كان للأفضل فقط لأن ما يربطنا بها هو نوستالجيا خاصة بنا..مثلا نجد السكان المحليين للمدن يتأففون من أية تغييرات قد تطرأ على مدنهم وتغير معالمها..وإن كان هذا التطور مواكبة للعصر وفي إطار النهوض بالمنطقة إجتماعيا وإقتصاديا..أي أن الفائدة منه ستعود على الجميع, إلا أن الغالبية يعلنون استئياهم من الأيدي الغاصبة التي تخطف معالم تربطهم بأجمل ذكرياتهم. أحيانا يجب فقط اهمال هذه المشاعر الرافضة لأنها بعد فترة تعَود بسيطة ستختفي, وأحيانا كما في حالة نيو كوك الاستجابة لها تكون ضرورية ومنطقية لتجنب خسائر فادحة.

  10. عبد الرزاق رد

    لقد سبق لي أن قرأت حوار لمدير التسويق الذي أ طلق نيو كوك يؤكد فيه انها كانت استراتيجية مدروسة (لم أعد أذكر المجلة) . أنا أعلم أن التسويق وخصوصا الامريكي مبني على الكذب لكن ربما كان من الافضل الإشارة إإلى الأمر ولو من باب الاستئناس

  11. رضوان رد

    افضل طريقه لادخال منتج جديد مكان منتج ناجح
    هو انتاج منتج لفتره محدوده مثلا بمناسبه 25 سنه للشركه ويقولوا للناس ان المنتج لفتره قصيره
    وعدم سحب الاول
    فاذا نجح فان بامكان الشركه تمديد الفتره ومن بعدها اذا واصل النجاح لفتره سنه او سنه ونصف
    تقول الشركه انها استجابت لطلب الزبائن وتفوز جماهيرا وتجذب عواطفهم
    يواكب هذا سحب المنتج من بعض نقاط البيع ومراقبه تصرف الناس وكل مره في منطقه ثانيه

  12. عبدالرحمن عُقاب رد

    لكن ما الذي يجعل المنتج داخل علامة lovemark؟ أقصد ما الذي ينقله من علامة إلى حبّ. هل هو طول الخبرة فقط familiarity ؟ أم هنالك اساليب أقصر وقتًا أو أرسخ وقعًا ؟

  13. عبدالله حسين رد

    ممكن لو تغيرت الاسعار لكن الافضل …اي لو ان الكوكا كولالا خفض الاسعار بعد ما رفع بيبسي اسعاره لكن كوكا الافضل …السلام عليكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *