لماذا فشل: بيتامكس

4٬110 قراءات
23 يناير 2013

نكمل مع قصص المنتجات التي لم تنجح عند إطلاقها، رغم مجيئها من شركات كبيرة ومشهورة وناجحة ولها منتجات ناجحة، واليوم لا بد وأن نتحدث عن مشغل شرائط الفيديو بيتامكس (أو بيتا اختصارا) الذي أعلنت عنه شركة سوني لأول مرة في عام 1975. كعادة سوني، كان هذا المعيار الجديد في تسجيل البث التليفزيوني على شرائط مغناطيسية تحفة تقنية، وكانت دقة التحديد لا بأس بها بمعايير هذا الوقت، وكانت نسبة الضوضاء والشوشرة قليلة نسبيا، وكان كل شيء جميلا عدا شيء واحد: كان الشريط الواحد يكفي لتسجيل ما مدته ساعة واحدة من الفيديو.

betamax

بعدها بعام ونصف تقريبا (خريف )1976، أعلنت شركة جي في سي JVC – اليابانية، عن معيار جديد ومشغل جديد اسمته في هتش اس أو VHS. لم يكن هذا ولا ذاك أول منتج يقدم الخدمة ذاتها، بل سبقهما نظام يو-ماتيك (من سوني في 1971) وآخر من فيليبس (في 1972)، لكن عاب هذه الحلول صعوبة استعمالها من المستخدم العادي ناهيك عن السعر الغالي.

تروي الكتب التي تحدثت عن هذه الحقبة كيف أن سوني حاولت إقناع الشركات اليابانية الأخرى كي تنضم لمعيار بيتاماكس وتوحد الصناعة في منتج واحد، لكن شركة جي في سي رفضت وعرضت على سوني أن تشاركها هي في معيارها الجديد، لكن الاثنان رفضا، وتوجب الاحتكام إلى السوق.

رغم أن المواصفات التقنية المقدمة من جهاز سوني كانت الأفضل، لكن ذلك جلب معه السعر الأغلى، والحجم الأكبر، والزمن الأقل. رغم أن شرائط بيتامكس كانت تعطي جودة أفضل، لكنها كانت أغلى وأقصر. على الجهة الأخرى، كانت مشغلات في هتش اس أرخص، ولديها شرائط تكفي لمدة ساعتين وثلاثة.

حين وجدت سوني ذلك، حاولت زيادة زمن شرائطها، لكن مشكلة زيادة سعة الشرائط هي أن لف المزيد من هذا الشريط المغناطيسي كان يعني زيادة حجم الشريط، وكذلك مشاكل تقنية عند بلوغ نهاية الشريط حيث يتداخل ويتشابك ويتعين فك الشريط وإعادة لفه وخسارة الجوء المسجل، وهي مشاكل عانى منها الكثير من حلول المنافسين. جاءت سوني بفكرة جيدة، تقليل سرعة دوران الشريط داخل المشغل للنصف، ما يجعل زمن الشريط ساعتين لا واحدة.

ما أن أعلنت سوني عن ذلك، حتى تبعتها جي في سي وهكذا أصبح الشريط الذي يكفي ساعتين أو ثلاث، يكفي لأربع أو ست ساعات. عادت سوني وقللت السرعة أكثر، حتى وصلت إلى 5 ساعات، لكن غريمتها وصلت إلى زمن 10 ساعات ونصف. التسجيل البطيء أدى لتراجع جودة التسجيل ورداءة الصورة، لكن السوق لم يهتم كثيرا بذلك.

كان محدثكم يظن أن الحديث عن أسباب فشل منتج ما سيكون أمرا سهلا، لكنه ويا للعجب، أمر صعب للغاية. أن تكون موضوعيا وحياديا في تبرير فشل ما غاية لا تدرك، ذلك أن للفشل تفسيرات كثيرة، بعضها يعكس هوى قائلها، وبعضها لا يمت للواقع بصلة. ما سأذكره هنا هو ما وجدته منطقيا، لكن هذا لا يمنعك عزيزي القارئ من الغوص والوصول لأسباب أخرى، فكما أقول دائما، أسئلة الحياة لا إجابة لها، ولا ينفع معها غش أو قلب صفحات الكتاب لتصل إلى صفحات حلول المسائل.

خلاصة ما وصلت إليه لمعرفة سبب فشل بيتامكس، هو أنه في ذلك الوقت، كانت أغلب أفلام صناعة السينما الأمريكية، تمتد لفترة أطول من ساعة. أرادت سوني تقديم حل يسمح للمستخدم العادي في بيته أن يسجل لقطات الفيديو، لكن ما حدث هو أن المستخدم العادي استخدم هذا الاختراع العجيب لكي يشاهد أفلام السينما في بيته. هذا الاختراع الجديد سمح لشركات ومحلات تأجير شرائط الفيديو لأن تزدهر وتنتشر، وكانت المنافسة شديدة في البداية، لكن يوما بعد يوم، بدأ نصيب شرائط بيتامكس في محلات التأجير في التراجع، حتى خسرت سوني المعركة، رغم أن منتجاتها كانت الأفضل.

دعني أشبه لك هذا الأمر بشيء من الواقع. يمر المتقدم لشغل وظيفة في جوجل على 10 مقابلات توظيف أو أكثر حتى ترضى شركة جوجل أن تدعه يعمل في فريقها. جوجل لا بد وأن تطمئن إلى عبقرية ونبوغ المتقدم الفذ، لكي تسمح له بدخول جنتها. الآن، هل هؤلاء الجيوش من العباقرة هم شريحة العملاء الذين سيضغطون على إعلانات جوجل؟ بالطبع لا، هؤلاء الجهابذة لا يضغطون على أي إعلان انترنت ولو فعلوا فسيكون في أضيق الحدود، وهذه إحصائية معروفة. من يضغط إعلانات جوجل بوفرة وكرم هم الدهماء، العامة، السوقة، أو الناس العادية.

المنتجات الموجهة لعموم الناس ذات حظ أكبر في النجاح. عموم الناس تريد جودة جيدة لكن ليس بالضرورة عالية، تريد منتجات تعمل بأقل جهد من التفكير والعقل، منتجات تجدها بسهولة وبسعر متوسط مقبول.

عموم الناس تريد أن تجد معيارا سهلا للمقارنة حين تواجه بضرورة الاختيار ما بين منتجين. تخيل نفسك معي في هذا الموقف: هلا بالطيب الغالي، يا طيب عندي اليوم لك منتجين، بيتا و في هتش، والاثنان يسجلان الفيديو في منزلك. كيف ستختار، وأنت الرجل العادي الذي لو تقدم لجوجل لرفضته على الفور ولربما شهرت به وبمعدل ذكائه المتدني.

قد تظن بي حب السخرية، أو الرغبة في التشهير بهذه الشركة أو تلك، لكنها الحقيقة البسيطة، التي تغيب عن كثيرين لشدة بساطتها. الناس تريد البساطة والسهولة. منتج س و منتج ص، كيف لي أن أعرف ما الأفضل منهما؟ أعطني معيارا سهلا للمقارنة، وفي حالة بيتامكس وفي هتش اس كان معيار المقارنة هو مدة كل شريط. كانت المقارنة ما بين ساعة و ساعتين من التسجيل، مع فارق بسيط جدا في الجودة، وكانت الغلبة للساعتين. حين عالجت سوني هذه المشكلة، عالجتها بحل تقني أمكن تقليده بسرعة وبسهولة من المنافسين، ولذا لم يفدها كثيرا هذا الحل.

لماذا لم يعد أحد يتحدث عن هذه الحرب؟ لأن كل هذه المعايير خسرت أمام القادم الجديد، التسجيل الرقمي، والذي كانت سوني مستعدة له جيدا، ووفرت له وسائل تخزين تكفي فترات طويلة – من البداية. كذلك استفادت سوني حين ربحت الحرب ما بين معيارها بلو راي و هتش دي دي في دي HD DVD في عام 2008، وهذا يدلنا على الفشل إنما يمهد للنجاح في المستقبل، وليس نهاية المطاف.

إذا كنت لتخرج بشيء من هذه القصة، فهو أن تجعل لمنتجك الجديد معيارا واضحا لمقارنته مع المنافسة، وأن تكون طريقة استخدامه البساطة بعينها، وأن يستفيد منه المستخدم العادي – الرجل الذي يسير في الشارع – الرجل الذي لو تقدم لشركة جوجل لرفضته لتراجع معدل ذكائه. أقول ذلك وأؤكد على أني لم أتقدم لشغل وظيفة في جوجل، على أني لا أشك في أني لو فعلت لرفضتني.

الآن، لا تظن أن هذه هي الأسباب الوحيدة لفشل بيتامكس، لكن هذه هي الأسباب التي اتفق عليها عدد كبير – نسبيا من الناس، لكني أريد أن أعرف منك عزيزي القارئ، في رأيك أنت، لماذا فشلت شرائط بيتامكس؟ أم أنك تراها لم تفشل؟ لماذا؟

اجمالى التعليقات على ” لماذا فشل: بيتامكس 13

  1. ahmed assem رد

    تعلمت من الاجانب شىء صغير اعتقد انه الفارق فى نجاح المنتجات الاستهلاكية
    وهو استطلاع الرأى … عندما يكون عندك منتج مقدم لشريحة معينة تأتى بكافة المستويات
    لهذه الشريحة وتعرض المنتج عليهم وتأخذ ملاحظاتهم بمنتهى الدقة بعد ان يجربوا منتجك وتبدأ فى التعامل مع تلك الملاحظات بمنتهى الجدية .. بهذا الشكل عندما يخرج المنتج الى السوق تكون ضمنت الى حد كبير نجاحه الا لو لم يشاء الله أن ينجح .. هذا موضوع أخر …. وعلى فكرة .. أتبع هذا الامر بنفسى دوماً .. فعندما قررت شراء دومين لكى يكون الموقع الاول للاطفال فى الوطن العربى بمشيئة الله قمت بالبحث بقوة حتى وجدت 3 اسماء وجمعت الكثير من الاطفال فى مختلف الفئات العمرية وعرضت عليهم الموضوع وتقريباً اجمعوا على اسم واحد فإشتريته مع انه كان غالى جداً .. لكن فى النهاية تلك الشريحة المستهدفة ويجب ان تفعل ما تحبه حتى تنجح بأمر الله

  2. عمرو محمد رد

    بالبدايه اريد ان اشكرك يا اخ روؤف على مدونتك الرائعه حيث لي فوق العام وانا اتابعها
    وكنت سعيد جدا لما عرفت ان حد كتبك لدي في البيت , حيث اني اشتريته من عدة سنوات ولم تكن بعد من متابعين المدونه
    اتمنى انك تصدر سلسله اسمها لماذا فشل سواء في المدونه او كاكتاب
    وشكرا جزيلا

  3. ريان الالكتروني رد

    كنت شخصيا من المتعصبين لأشرطة بيتا ماكس لدرجة انني لم اشتري جهاز فيديو VHS الى في اواخر التسعينات بعد ان انتهت هذه الموضة و لا زال جهاز فيديو سوني ( و الذي اخذته للصيانة عشرات المرات ) موجود لدينا كتحفة من تحف العصر الحديث

    في السعودية كان البيتاماكس مشهورا جدا في السبعينات و الثمانينات و ستجد العديد من الافراد يحتفظون باجهزة فيديو سوني التي يدرج بها الشريط من الاعلى

    و لكن هذه التقنية كما قلت لم تتفوق على المدة الزمنية التي يقدمها VHS و التي وصلت الى ١٢ ساعة !!

  4. محمد حقي رد

    بيتاماكس ببساطة فشل لأن منافسه كان أفضل ، أرخص سعرا وأطول مدة

    1. شبايك رد

      فقط للدقة التقنية، في البداية، شرائط بيتامكس كانت أعلى دقة بقليل من شرائط في هتش اس، لكن هذا كان فقط في البداية، واستمر كل طرف يزيد من دقة التصوير، هذا يسبق وهذا يلحق به، ولم يكن هناك غلبة لطرف لفترة طويلة…

      هذا التنافس يذكرنا دائما بأهمية المنافسة الحرة، وبضرورة وجود أكثر من لاعب في السوق، وكما نرى المنافسة جلبت لنا معاشر المستهلكين المنتج الأفضل والأرخص، والأهم – بسرعة ^_^

  5. د محسن النادي رد

    في نظري الفشل كان عائد الى نقطة واحده اشرت اليها اخ رءوف
    وهي ان الناس العاديين يفضلون الشيء الاكبر وكما يقال في المثل استكبرها ولو غير ناضجه -استكبرها ولو عجره-
    الذي حدث ان سبق اطالة وقت التسجيل كان من نصيب جي في سي
    وبذلك مهما عملت سوني ستكون في نظرهم من يقلد الامر
    وبذلك خسرت الرهان مع الوقت
    على الهامش
    من يضغط إعلانات جوجل بوفرة وكرم هم الدهماء، العامة، السوقة، أو الناس العادية
    شكرا لهذه المعلومة الرائعه
    ودمتم سالمين

  6. رضوان رد

    سبب الفشل اعتقد ان المستهلك يرى ان في اتش اس أفضل. يرى فيلما في شريط واحد فلا يشتري 2 . ولم يفهم المستهلك لماذا يدفع اكثر. ثانيا اجهزه سوني غاليه جدا.
    مثال من اليوم تلفزيونات اتش دي في اجهزه اتش دي جاهز وفي اتش دي كامل. ولكن لا احد يفرق بينهم
    والشيء الاهم انهم لم يقولوا للمستهلك ان الرسيفر لا يبث اتش دي.
    فانا شخصيا عندي اتش دي كامل ولكن لم استعمله لان الرسيفر لا يدعم ال اتش دي او على الاقل اغلب الرسيفرات لا تدعم الاتش دي. وكذلك المحطات لا تدعم البث بالاتش دي. الا قله قليله
    والاستعمال للفيديوهات نادرا واغلب الافلام او التسجيلات لا تدعم ال اتش دي
    يعني للمستهلك لا تاثير ولا فرق فقط لرجل المبيعات.
    وكما ان سبب نجاح ال في اتش اس انهم اعطوه للمصنعين الاخرين بسعر اقل من سوني

    على فكره كان عندنا فيديو ولا مره عرفت كيف اسجل من التلفزيون يعني كان الامر نص يوم شغل ويحتاج الى خبير
    بعكس اجهزه اليوم التي استعمالها سهل جدا

  7. محمد عمروش رد

    كما ذكرت وذكر الإخوة، المستهلك من عموم الناس يريد الشاة السمينة بأرخص سعر ، لا يهمه الشحم واللحم عادة ، وأظن أن هذا ما حدث في هذه الحالة ..

  8. رضوان رد

    في قصه فشل قادمه بقوه فشل شركه http://www.betterplace.com/ اعتقد ان الفشل هو للشركه ذاتها وليس للسياره الكهربائيه
    واسباب الفشل كثيره منها السعر الغالي حيث انه رغم ان السياره عليها ضرائب اقل الا انها بيعت بسعر اغلى من الرينو العاديه لانهم ببساطه ارادوا تمويل اقامه محطات تبديل البطاريات من المستهلك.
    كما ان المستهلك اجبر على شراء اشتراك شهري وفقط من الشركه لم يسمح باستعمال كهرباء البيت
    قصر المسافه التي تقطعها السياره بدون تزود بالكهرباء. ووجود حلول لسيارات كهربائيه افضل وارخص
    انا شخصيا اعتقد انه كان عليهم تسويق سيارات صغيره قبل العائليه سيارات اغلب اوقاتها في المدينه.

    وان يكون السعر للسياره ارخص وان لا يربحوا في البدايه حتى يتقبل الناس السياره.
    وعدم اجبار المستهلك على تبديل البطاريات فقط في محطات الشركه وانما السماح له بالتعبئه من البيت. فلو بيعت السياره الصغيره باقل من سعر سياره البنزين ب 30% لاقتنى العديد السياره. وهذا كان ممكن فقط الاعفاء الضريبي كان فوق ال 30%
    وبعد اجتياز مرحله التشكيك بالسياره الكهربائيه من قبل السائقين يمكن عرض نماذج اخرى من السياره اكبر حجما وبسعر اعلى
    وكذلك شكك جمهور المقتنين بالسياره لانه لم يعرفوا مدى محافظه السياره على قيمتها في سوق السيارات المستعمله
    الايام ستكشف لنا ما سيجري وما هو مصير الشركه فبعد اقاله اجاسي صاحب الفكره واستقاله المدير العام وتوقف المستثمرين عن ضخ المال سنرى هل تستطيع الشركه تجاوز المشكله
    ولكن احيي روح المجازفه والابتكار والجراه التي قام بها اجاسي فيا ريت نجد العرب يؤمنون بافكارهم ويجازفون من اجل افكارهم

  9. BAHAA ELDEEN رد

    أعتقد أن الفشل كان فقط للجهاز بيتامكس أما النجاح فكان لشركة سوني لأنها أصرت على الاستمرار …فهذة قصة يمكن سردها في قصص النجاح أيضا

  10. ابوبكر سليمان رد

    سلمت يداك .. ربما أنا رى أن أكبر درس من الممكن أن أستفيده شخصياً هو “متى تعلم ان عليك التوقف ؟” .. و سيرة سوني في هذا السباق يوحى بانها كانت لا تعلم متى .. حتى ابتكارها بإبطاء سرعة التسجيل كان ابتكاراً بديهياً لدرجة أن سوني و هي تطبقه كانت تعلم ان JVC سوف تطبق هذا الحل فوراً و تظل الفجوة كما هي بين التقنيتين.
    أرجو منك أ.شبايك لو شاركتنا شيء -إذا كان موجود- من مقالاتك كنت تتحدث فيه عن مبدأ التوقف عن الفشل في الوقت المناسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *