الأيدي المرتعشة لا تصنع حملات تسويقية ناجحة

4٬984 قراءات
7 ديسمبر 2011

على مر سنوات طوال، قابلت وعملت فيها مع عديد صنوف المدراء، نفذنا فيها بعض التجارب التسويقية والإعلانات التجريبية، لكني لم أجد مديرا شجاعا يتقبل توجيه النقد للشركة التي تملكه بشكل علني، وكنت أحيانا الملام على أي اتصال أو تعليق أو رد سلبي تركه عميل غاضب على إعلان أو دعاية أو مقال ترويجي – لماذا لم أحذفه فورا ولماذا تركته، ولم تفلح محاولاتي في بعض المواقف في تبرير أن مثل هذه الردود السلبية متوقعة وطبيعية، يجب تركها حتى تبدو الشركة طبيعية مثلها مثل بقية البشر، وليست شركة ملائكية سقطت من عنان السماء!

لست أدعي البطولة، فقبل قراءاتي في عالم التسويق كنت لأفعل الشيء ذاته دون تردد، لكن التسويق علمني أن كل شيء يجب تجربته قبل الحكم عليه، مرة واثنتان وثلاثة، واليوم أعرض عليكم تجربة أمريكية في عام 2006 بطلتها شركة شيفروليه بسيارتها العملاقة تاهو. [لا تفهم كلامي هنا على أنه تسويق لشركة شيفروليه الأمريكية فأنا أفضل عليها سيارات هيونداي الكورية، على أني لست ممن يقودون سيارات دفع رباعي ولذا فلست الحكم الأمثل في هذه النقطة.]

أرادت شركة الدعاية التي تتعامل معها شركة شيفروليه تقديم فكرة جديدة تماما للدعاية للطراز الجديد من سيارة التبذير الرباعي Tahoe لعام 2007، ولأنها طراز جديد، أراد المفكرون في تلك الشركة المجيء بفكرة جديدة تماما، ولذا وجدوا في شبكة انترنت الحل الأمثل. هذه المرة، لن تصمم الشركة الإعلان المصور، بل ستترك لعموم مستخدمي انترنت حرية تصميم الإعلان الأمثل، ومن سيصمم أفضل دعاية إعلانية سيكون هو الفائز. الخطوة الذكية هنا كانت أن المستخدم يستطيع حفظ الإعلان الذي صممه على الموقع ليراه العالم كله.

لتشجيع الناس على المشاركة، وفرت شيفروليه أفلام دعائية وموسيقى تصويرية وبرامج تحرير فيديو على موقع خاص (لا يعمل معي لا أدري لماذا Chevyapprentice.com) وأعلنت عن الموقع وعن الفكرة ضمن البرنامج التليفزيوني الشهير The Apprentice للمستفز الكبير دونالد ترامب. بسرعة انتشر الخبر ودخل الكثيرون ليصمموا ما يحلو لهم من إعلانات، وبطبيعة الحال، دخل معهم الكثيرون من الغاضبين.

وجد معارضو السيارات التي تحرق كميات كبيرة من الوقود تلوث بها الهواء وتترك آثارا سامة في كل مكان، وكذلك المحذرون من الإحترار العالمي وغيرهم، الفرصة سانحة للتعبير عن كل ما يريدون تحذير العالم منه. بدورها، كانت هذه الدعايات السلبية ذات مستوى جودة عالية وذكاء كبير في التنفيذ، وبالتالي حظيت بنسب مشاهدة أعلى. لم تقف المصائب هنا، إذ استخدم المستخدمون أدوات الموقع في تصميم إعلانات رفعوها بعدها على موقع يوتيوب الجديد وهناك حيث حظيت بنسب مشاهدة أعلى من تلك التي حظي بها الموقع.

كان السؤال الآن: هل تستمر شيفروليه في هذه المغامرة الفاشلة؟ هل تترك الإعلانات السلبية والهجومية على موقعها الذي أطلقته للدعاية لمنتجها الجديد؟

[طبعا لو سألت أي مدير تسويق أو مبيعات يعمل في العالم العربي فلربما أتهمك بالجنون، فمن يسأل هل الشمس تشرق بالليل أم بالنهار!] من فضل الله أن تحلى صاحب الأمر في شيفروليه بالشجاعة الأدبية، فرفض حذف أي إعلان سلبي، فماذا حدث بعدها؟ تحدث الجميع عن هذا الأمر، من مؤيد لمعارض لخبير تبارى في شرح الخطأ الذي أقدمت عليه شيفروليه وأنها شركة غبية يديرها حفنة من الحمقى، لكن الأيام – كعادتها – حملت غير المتوقع.

  • * حصل الموقع منذ إطلاقه وحتى نهاية 2006 على عدد كبير من الزيارات، قرابة 629 ألف زيارة.
  • * كل زائر من هؤلاء قضى في المتوسط 9 دقائق في الموقع.
  • * 66% من هؤلاء الزوار انتقل من الموقع لزيارة موقع شيفروليه على انترنت.
  • * على مر 3 أسابيع، نجح هذا الموقع في جذب عدد كبير جدا من الزوار إلى موقع شيفروليه، بشكل لم تفلح الحملات الإعلانية على ياهوو أو جوجل في تقديم مثله.
  • * 20% فقط من الإعلانات المصورة حملت لهجة هجومية سلبية، من إجمالي 22 ألف إعلان مصور!
  • * انتعشت مبيعات شيفروليه في الربيع التالي رغم أنها فترة تشهد إقبالا ضعيفا على شراء سيارات جديدة.
  • * خلال 9 شهور من إطلاق تاهو في الأسواق، كانت كل 4 سيارات دفع رباعي تباع في السوق الأمريكية، يكون منها سيارة تاهو مباعة.
  • * كانت فترة الانتظار منذ الخروج من المصنع حتى البيع هي 4 شهور للسيارات الرباعية، لكن سيارة تاهو هذه كانت تباع بعد 46 يوما (=شهر ونصف) فقط من خروجها من المصنع.
  • * نصح محرر مجلة Advertising Age كل المعارضين لهذه الفكرة أن يستقيلوا من عملهم في التسويق ويتركوا هذا المجال.

بالطبع في الأمر مفاجآت كثيرة، حاول الكثيرون تفسيرها وفهمها، فمنهم من قال أن كل الدعايات السلبية حملت معلومات ليست بجديدة، فالكل يعرف مشاكل سيارات التبذير الرباعي، فهي تستهلك كميات مخيفة من الوقود، وهي وسيلة ضعاف النفوس للتعبير عن غناهم الفاحش وفرصتهم للتميز عن غيرهم، وهي تلوث الجو بشكل مدمر، وكل ما سيقوله الناس عن هذه السيارات سيبقى قديما، معلوما، معروفا، لا يحمل أي جديد. على الجهة الأخرى، خرجت الشركة الكبيرة شيفروليه عن المألوف، وتركت من يعارض ليعارض، الأمر الذي جعل الناس تهتم بالمتابعة والمشاهدة، وهذه هي أقصى درجات نجاح يمكن لأي إعلان الوصول إليها.

بالتالي، فإن حذف أي تعليق سلبي / هجومي لن يخفي الحقيقة – مهما كانت هذه الحقيقة، وإذا حذفت شركة ما تعليقا سلبيا على موقعها، فبإمكان المستخدم العادي الذهاب إلى أي موقع آخر والتنفيس عما بداخله. الانترنت جعلت المستخدم صاحب اليد العليا، وجعلت من المستحيل منع أي عميل من التعبير عن رأيه.

حتى في حال قام شخص مثلي – على سبيل المثال – بالتعبير عن معاناته السابقة مع وكيل شركة سيارات يابانية، فهذا الوكيل يستطيع رفع قضية تشهير ضدي والفوز بها والزج بي في السجن حتى أدفع له الملايين تعويضا عن الضرر الأدبي الذي وقع له، لكني كذلك قادر على إطلاق عدة مدونات مجانية بأسماء مستعارة كلها تشرح تفاصيل معاناتي هذه، ولأني أملك الوقت اللازم، أستطيع تكرار ذلك الأمر عشرات من المرات، وهو الأمر المرهق ماليا واستراتيجيا لهذا الوكيل حين يبحث عن كل واحدة ويحاول حذفها أو الرد عليها، ولذا سيكون الأفضل له مواجهة المشكلة وحلها وجها لوجه معي، فهذا الحل سيكون أرخص له في النهاية.

الانترنت غيرت من معادلة القوة، ولم يعد لجيوش المحامين أو مناجم المال الوفير الأثر المرعب المؤثر مثل السابق!

الجبناء لا يصنعون حملات تسويقية ناجحة. الشجاعة تفعلها!

هل الأمر مطلق؟ بالطبع لا، ولذا للحديث بقية، نتناول فيها جحيم دل!

على الجانب:
* اعتدت حين أعرض أفكارا تسويقية جديدة مماثلة، أن أجد رسائل طريفة على شاكلة: لقد جربت هذه الفكرة ولم تنجح، وأنت لا تفقه شيء في التسويق. لهم أكرر: ما ينجح مرة ليس شرطا أن ينجح حين تكرره. هذه قاعدة ذهبية في عالم التسويق.
* على هذا الرابط ستجد المزيد من الإعلانات الغاضبة.

اجمالى التعليقات على ” الأيدي المرتعشة لا تصنع حملات تسويقية ناجحة 22

  1. Abdeldayem Sherif رد

    أخي شبايك ، لقد اشتقت فعلا لهذه النوعية من المقالات

    بالتوفيق

  2. محمد شقير رد

    جميل جداً … هذا بالفعل ما أقولة لزبائننا … عند إدارة حملاتهم عبر وسائل الإعلام الإجتماعية … نشكرك على المثال الرائع ..

  3. مولاي عبد الله رد

    أستاذ رؤوف تدوينة رائعة.حقيقة لو منعت شيفروليه الإعلانات المعارضة للسيارة لكان ذلك مقبولا ومنطقيا.أن تسمح بعرض تلك الإعلانات حتى تبدأ تسويقا فايروسيا على أنترنت أمر غير مسبوق.بالنسبة لي أمر مجنون!! لقد شاهدت فيديو الإعلان كاملا في الموقع .وهو يصور السيارة على أنها وحش مدمر سيأتي على الأخضر واليابس لو كان زمام الأمر بيدي لتراجعت كليا عن الحملة الدعائية حقيقة.ولكن ذلك أهم شيء الأفكار الجيدة الجديدة تكون مرفوضة من قبل الجميع ولكنها لا تلبث أن تحقق نجاحا كبيرا.ننتظر البقية والتدوينة عن دل.

  4. mustafa رد

    تدوينة رائعة فاتدني كثيرا
    و نسطيع ان نطبق نفس الفكرة في اللذين يهاجمون التيار الاسلامي ان ندعهم يهاجمون و نثبت للناس ان امة متحضرة و نرد عليهم عمليا
    كما حدث في امريكا حيث اسلم العديد من الامريكان بعد احداث 11 سبتمبر عندما قراوا عن الاسلام وامنوا به بالرغم من الحملات التحريضية ضده في كل وسائل الاعلام

  5. حسين هلال رد

    أعجبتني تدوينتك لمن عندي ملاحظه بسيطه,
    “وعملت فيها مع عديد صنوف المدراء”
    اعتقد الصياغه الاصح: “وعملت مع العديد من أصناف المدراء”
    قصدي صياغة كلمة “صنوف”

    1. شبايك رد

      لا تعارض بيننا يا طيب، كلمة (صنف) يمكن جمعها على (أصناف) و (صنوف)… اللغة العربية بحر كبير، وأنا استخدمت صنوف لأنها غير مستعملة كثيرا، رغبة مني في التذكير بها وفي التفرد 🙂

  6. مدحت حسن رد

    اوافقك استاذ رؤف الرأي ، بالتاكيد وجود بعض الاراء السلبية حول المنتج يزيد من حجم المبيعات، غريب !، و لكنه حقيقي . اذ ان المستهلك يعرف مائة بالمائة انه لا يوجد شيء مثالي او كامل وبالتالي الذي يريد ان يعرفه العيوب المحتملة للسلعة او المنتج الذي سوف يقتنيه فإن وجد تلك العيوب ليست بذات الاهمية بالنسبة له، فأنه يدرك انها السلعة المثالية. ويقوم بشرائها.

  7. Waleedsleman رد

    أنا مع الحرية في الردود أو في التعليقات أو في الشكاوي التي تننقد شيئ معين ويجب نشرها مثلها مثل التي تمتدحني هذا سيجعل الناس أكثر ثقة وسيجلب مزيد من الدعاية المجانية…………
    شكرا على المدونة الرائعة

  8. القيسي رد

    تدوينه رائعه . فعلت شركة شيفرولي مايخاف ان يفعله الاخرين الخروج عن الفكر المالوف . لماذا اتهرب لماذا لا اواجه وجه لوجه.. نوع من الثقه والذكاء .. حتى لو كان هناك معارضين هم من سيروجون لهم حيث ستنتشر حكايتهم على كل لسان … وهذا مبتغاهم
    شكرا لك لقد امتعتنا

  9. dr niaz niazi رد

    الفقره الثالثه السطر الثاني يجب ان تكون…. سياره الدفع الرباعي ….او التبديل الرباعي ….بدل التبذير الرباعي لكي يستقيم المعنى ام انك عنيت فعلا التبذير الرباعي وهي في نظري ايضا تبذير

    1. شبايك رد

      نعم أعني التبذير، سيارة تحرق كل هذا الوقود لكي يصل فرد أو اثنان من هنا إلى هناك فوق طريق معبد لهو عين التبذير. أما لو كان في قلب الصحراء فهذا هو الاستخدام المقبول لمثل هذه الوحوش المتحركة…

  10. د محسن النادي رد

    فقط هي الافكار المجنونه التي تحتاج الى ثقه منفذها هي التي تنجح
    مع ملاحظه الذي قلته اخ رءوف ما قد ينطبق على السيارات قد يكون كارثه لاشياء اخرى

    ودمتم سالمين

  11. lebanon cat رد

    ذكؤتني بهذه المقالة بعبارة مملة يرددها الفنانون لدينا هندما تطالهم شائعة ما ” فلتدع هذه الكلام الفارغ انها مجرد فرقعة ليزيدوا من مبيعاتهم على حساب شهرتنا فالفنان كلما زادت شهرته زادت الشائعات عنه ”
    ما اريد الوصول اليه هو ان الدعاية السلبية احيانا كالشائعات المصاحبة للفنانين او الفضائح وخلافها ما هي الا فبركة اعلامية لزيادة فضول الجمهور و اقبالهم على هذا الفنان وذاك من حيث متابعة اخباره و جديده مما يمهد لخلق قاعدة شعبية له

    اذا الدعاية السلبية قد تكون افضل طريقة لاشهار المنتج وتكوين قاعدة شعبية له لدى المستهلكي … كما يحدث مع الفنانين … 😛

  12. محمد نبيل رد

    إبتكار تسويقى رائع وغير مسبوق ..

    يجمع بين عناصر التجديد والتحديث والتشويق والتحدى والإصرار , والمغامرة طبعاً ..

    وصاحب ذلك بالتأكيد .. التوفيق.

    أشكرك أخى رؤوف على هذه القصة التسويقية المتميزة.

  13. رضوان رد

    يوجد صاحب شبكة حوانيت سوبر ماركت. هذا الرجل لا يحمل اي لقب جامعي ولا حتى شهادة توجيهي. وينادى بملك التسويق.
    للمقارنه كل متر عنده يبيع 6 مرات اكثر من المنافسين. لا توجد له اعلانات لا في التلفزيون ولا في الراديو.
    عملت عنده واكتشفت سر البيع والنجاح. ليس عنده عامل مفضل ولا يطرد اي عامل. يعرف الجميع بالاسم ويعرف مشاكلهم وامالهم. تخيل ان احد الزبائن اخذ عجلة التسوق الى بيته. راه قام بتحميل مشتريات الشخص في سيارته الشخصيه واوصله الى البيت وفي الطريق اخبره بقيمه عحلة المشتريات وسعرها المرتفع. والنتيحه ربح الشخص زبونا دائما. واحضر له الشخص اكثر من عشر عجلات كان قد وجدها في طريقه.
    حوانيته من ارخص الحوانيت وانظفها. لو راى اوساخا في المحل فانه اول من يقوم بتنظيفها. تراه حمل الاغراض لسيده كبيره او يوصلها للبيت او يستمع لها اكثر من ساعه. للزبون لا يتاخر ولكن للموردين قد يجعلهم ينتظروا ساعات. الحكايات معه عديده

  14. aman saud رد

    النقطة المهمة/
    أن التسويق الحديث يضيف عنصر التداول ضمن المزيج التسويقي. أي تقديم الأدوات اللازمة و تحفيز العميل ليتكلم عن الشركة أو يتفاعل و يشارك معها.
    شيفرولية لم تقدم الجديد..لكنها كانت شجاعة بالقدر الكافي لتبني سيئات التداول.

    الشركات العربية تعتقد أنها تقدم منجزا حين تدرج إيقونة فيسبوك و تويتر… لكن في الحقيقة لا تعي المغزى الحقيقي لهاتين الإيقونتين..التداول.

  15. علي الشرعبي رد

    الحياة للمنتجات او العلامات التجارية كحياة البشر لازم تكون طبيعية .. التصنع و اظهار الملائكية لا ينسجم مع طبيعة البشر فكلما كنت عادي بسيط قريب من الناس كنت افضل اداء و يحترم الناس فيك هذا .. لانك منهم وكلما اظهرت قدرات خارقة و مواصفات قياسية لتبقى في القمة .. سينظر الناس اليك وانت في القمة التي صنعتها ولكن ستظهر لهم بحجم صغير تنيجية لارتفاعك و بعدك عنهم .. و الانتقادات جزء اصيل في النفسية البشرية فلا حياة بلا وجهتي نظر مختلفتين .. المهم كما فعلت شركة السيارات هو التعامل مع الانتقاد كجزء طبيعي وردة متوقعة وتقبل هذا الامر منها وهو سر احترام الناس لها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *