الشرطي الذي أبصر أبعد من عمله

4٬596 قراءات
27 مارس 2011

لا يختلف الشرطي الأمريكي الأسمر وين بيرتون Wayne Barton من الخارج عن أي شرطي مفتول العضلات تراه أمامك، ذلك لأن اختلافه يأتي من داخله، نابعا من قلبه الكبير. حين بدأ عمله كشرطي في عام 1980، فإنه تدرج من العمل على ظهر دراجة بخارية يجوب بها شوارع مدينة بوكا راتون Boca Raton بولاية فلوريدا، إلى العمل في قسم مكافحة المخدرات، حيث شاهد كيف حكم تجار الموت شوارع المدينة وأحيائها وأكثروا فيها الفساد.

خلال عمله في عام 1985 تلقى بيرتون عدة شكاوى من قاطني حي ما أن الشرطة ترفض الاستجابة لبلاغات أهل هذا الحي من كثرة مشاكله والعنف المتفشي بين أرجائه. بحث بيرتون في الأمر فوجد أن هذا الحي يعاني من قلة الاهتمام به والرعاية، ومن انتشار الجريمة في شوارعه، ومن فقدان ساكنيه لافتخارهم بالسكن في حي مثل هذا الحي. نظر بيرتون ما الذي يمكن له أن يقدمه لأهل هذا الحي، فلم يجد سوى نفسه، ولذا قرر تنظيم حفل شواء في حديقة الحي، دعا إليها من يريد الحضور، شريطة أن يساهم في بعض أعمال النظافة، وفي تنظيف الحديقة بعد هذا الحفل.

جاءت الوجبة المجانية بمفعول السحر، إذ حضر 190 مدعوا ليذوقوا كرم بيرتون، ولم يكن عليهم سوى تنظيف الحي، فرفعوا هياكل السيارات القديمة من الشوارع، وقصوا الحشائش العشوائية، ودهنوا الأسوار التي علتها الدهانات والألوان الفجة. لم يقف بيرتون عند هذا الحد، إذ بدأ يدق أبواب سكان الحي، وبدأ يسأل عما ينقصهم، فهذا البيت اشترى له مستلزمات المدارس، وهذا أعطاه بعض النقود، وهذا ذهب مع أهله للمتجر لشراء بعض البقالة… كل هذا من ماله ووقته الخاص!!

بعد تنظيف قمامة الشوارع، جاء وقت تنظيف قمامة البشر، حيث عمد بيرتون إلى مطاردة تجار المخدرات النشيطين في هذا الحي، لكن هؤلاء التجار كانوا الآباء والإخوان والأولاد لسكان هذا الحي، الأمر الذي أكسب بيرتون عداوة أهل الحي، حتى أنه تلقى تهديدات بالقتل، وزج في السجن برجل شرع فعل في محاولة قتله، وبدأت عبارات التهديد والوعيد له تكتب على حوائط طرقات الحي.

كاد كل ما قدمه يضيع هباء، لولا اجتماع مع سكان الحي حضره بيرتون، وشهد تعالي أصوات الحضور الغاضبة منه والراغبة في إبعاده، حتى تقدمت سيدة من الحضور وطلبت الكلمة، وحكت قصتها، التي تمحورت حول قدرتها الآن على الخروج من باب بيتها إلى الشارع دون خوف، وكيف أنها لم تعد تنام على الأرض اتقاء لشر طلقة رصاصة عابرة من جيران الشر، وأنها بدأت تعرف معنى الأمان في منزلها، وكل هذا بفضل هذا الرجل، الذي زج بالمجرمين خلف القضبان، وأبدل جحيم الحي الذي تسكنه مكانا يمكن العيش فيه بسلام وعزة نفس.

هذه الكلمة شجعت آخرين ليتقدموا ويحكوا قصصا مماثلة، وبدأت روح العداء تتبدل إلى نظرة امتنان وعرفان، الأمر الذي ساعد بيرتون على تنفيذ بقية خططه، مثل افتتاح مركز الشرطة الذي يعمل فيه لمركز تدريب لصغار الحي يُلقي دروس العلم فيه متطوعون لمساعدة تلاميذ الحي على استذكار دروسهم، وبعدها افتتحوا معمل حواسيب / كمبيوترات، وأقاموا ندوات للآباء لمساعدتهم على التعلم ونيل الشهادات ليزيدوا فرصهم في الحصول على وظائف أفضل مما في عالم الجريمة.

كان كلما عانى أهل الحي من مشكلة تقدم بيرتون لمحاولة حلها، وبعد مرور عام، تغيرت الصورة تماما، فما أن تظهر الشرطة في الحي حتى يحيها السكان بالامتنان، وبدأ أهل الحي يهتمون به وساعدوا الشرطة على القبض على فلول المجرمين الرافضين للتغيير. بعد قضائه 20 عاما في الخدمة، تقاعد بيرتون وبمساعدة رجال أعمال أسس مؤسسة لمساعدة الناس لكي يساعدوا غيرهم، وتولى رعاية التلاميذ ومكافأتهم على نبوغهم العلمي، وبدأ يعد البرامج التعليمية والثقافية لهم، وأرسل العديد منهم للجامعات، وأعد كذلك برامج تغذية لتوصيل الطعام إلى غير القدرين على شرائه…

لا يختلف بيرتون عن أي شخص عادي، ولم يحصل على دعم مالي خارجي، اللهم إلا راتبه، ولم ينتظر الحكومة ولا الوزير، بل قضى وقته في مساعدة من حوله.كل هذا الخير كان لا بد وأن يجلب له التقدير والاهتمام، وهو ما حدث له بعدها.

حل مشاكلنا يكمن دائما فينا، أن نبحث نحن عن حل يمكن تطبيقه، وأن نعتمد على الناس، وعلى مبدأ التطوع…

في بلدي مصر، كان هناك رجل اسمه عمرو خالد، أراد فعل شيء مماثل، لكن حاكما اسمه حسني مبارك منعه، بل وطرده من بلده، خوفا من لمعان نجمه، فيغطي على ابنه الذي كان يعده ليحمل أوزار الرئاسة. اليوم، خاب مسعى الفرعون – كما هي عادة الفراعنة غير الصالحين – وعاد المطرود ليمارس عمله في الإصلاح، فاللهم بارك لكل مصلح وأيده وانصره وأعنه، وهيء لهم من يعينهم على الإصلاح، واللهم خيب مسعى كل فاسد مفسد، واجعل تدبيره تدميره، هو وكل من شايعهم وناصرهم وساعدهم على الظلم.

يقول فيكتور هوجو:
حين تبني مدرسة، فإنك تهدم سجنا.
He who opens a school door, closes a prison. Victor Hugo

اجمالى التعليقات على ” الشرطي الذي أبصر أبعد من عمله 38

  1. نوال رد

    اكثر من رائع نحن بالفعل بحاجة الى مثل هذه الشخصيات الي تعمل بدون مقابل وفي نفس الوقت تحمل عقلية مبدعة وقلب كبير يشارك الاخرين احزانهم نشكر على هذا السرد

  2. خالد زريولي رد

    كثيرون في عالمنا العربي يحملون هموم إخوانهم.. نقول لحكوماتنا: إن لم تريدوا مساعدتهم، فعلى الأقل دعوهم وشأنهم

    موفق كالعادة أخي رؤوف

  3. مجـــهــــول رد

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    فعلا مجرد شرطى عادى بدا من الصفر لكن طموحاته اوصلته لما كان بتمناه
    استطاع ببعض الاساليب المتواضعه والجهد القليل ان يجعل حى باكلمله امانا تاما رغم كل ما واجهه من صعوبات
    كم نحتاج لمثل هذا الشخص فى وقتنا الحالى…!

  4. د محسن النادي رد

    من شدة ما نعاني من ظلم وقهر في كل مناحي الحياه
    قرأت أبعد على انه قد اقيل من عمله
    وكلما اكملت قصته قلت اين اقيل الرجل
    حتى عدت مرة اخرى للعنوان لافهمه جيدا
    فالرجل راى ابعد مدا من وظيفته وفهم معادله البشر
    هنالك ايضا من فهم نفس المعادله في وطننا العربي
    بل
    واخذ المبادره
    فكان اما اقيل _أبعد_ او انه أقيل من الحياة
    نتمنى ان تكون التغيرات الحاليه في صالح الشعوب وان لا تكون ظلما جدا
    وفرعون يخلف فراعين صغيره تهلك الحرث والنسل
    ودمتم سالمين

  5. محمد بشرى الزاكي رد

    السلام عليكم أخي رؤوف شبايك …
    لنا فترة لم نطل عليكم .. وذلك لوفاة أخي الأصغر المغفور له بإذن الله بشرى ذو الـ 24 ربيعا – ربنا يتقبله بقبول حسن …
    كنا قد بدأنا بشرى وأنا فكرة لتطوير الحي الذي نقطنه .. أخذنا الكاميرا وطفنا على الحي نصور الاوساخ التي يلقيها البعض في الشوارع وغيرها من المناظر التي لاتسر …
    قبل أن نعرض العرض لسكان الحي توفى بشرى إلى رحمة مولاه في مطلع هذا العام …
    آليت على نفسي أن أواصل مشاريعه … صورت كل المناظر التي لاتسر .. اعددت عرض بوربوينت مبسط عرضت فيه المحاور الآتية:
    1- الوضع الحالي للحي.
    2- نظافة الحي.
    3- تشجير الحي.
    4- إنارة الحي.
    5- تسمية وترقيم شوارع ومنازل الحي.
    6- نادي الحي.
    7- الردميات.
    8- خاتمة.
    كانت هذه محاور العرض.. ومن حسن الحظ أن مسجد الحي هو مركز الحي وتدار منه كل أنشطة الحي ، كما يحتوى على شاشات كريستال عملاقة تعرض فيها الأنشطة الدعوية بالصوت والصورة …

    بعد إنتهائي من العرض بعد صلاة الجمعة الماضية، والذي حضره عدد كبير من المصلين، ترك العرض أثراً طيبا في نفوس المصلين، وبدأنا مباشرة بتشكيل لجان للتنفيذ بدءاً من النظافة وحتى الردميات والسفلتة …
    الغريب في الأمر أنه كان موجود أحد أعضاء المحلية وأخبرني بأن المحلية توفر معظم الأشياء التي ذكرتها مجانا – فقط الموضوع يحتاج لبعض الحركة من أهل الحي أو المنطقة ..
    هنالك مليون شجرة مجانا – كل حي يحدد عدد الاشجار التي يريدها وتوفرها له المحلية مجاناً …
    تقوم المحلية بتوفير اعمدة الانارة – ودفع الكهرباء الشهرية – بعد تحرك أهل الحي طبعاً ؟؟؟
    الردميات – السفلتة – كلها …
    بدأنا الأن – في يوم25-3-2011م – وسنرى بعد عام ماحققناه بإذن الله …
    سأخبركم كل فترة عن تقدم العمل … وسنرى هل تستطيع الجهود الشعبية والمجتمعية أن تقوم بكل أو بعض من أعمال المحليات ..
    يمكنني أن أرسل لك العرض التقديمي الذي قدمته في الايميل لترى تجربتنا عن كثب …
    نسيت أن أذكر أنني من السودان – الخرطوم – حي جبرة مربع 13 (الشارقة) .. وأطلقت على المشروع إسم (مشروع الحي النموذجي – بشرى )… وذلك تيمناً بروح الفقيد .. ولان هذا المشروع وقف له – وكل من عمل مثله – وقف له إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى …
    إن لدى أي منكم أفكار أو اضافات – او تسمية اقوى على ان تحتوى على اسم بشرى نرحب بها جداً …

    وبارك الله فيك أخي روؤف شبايك أن كانت مدونتك مكاناً لإلتقاء الذين يحملون هم تطوير أنفسهم والأمة …
    والله الموفق …

      1. محمد بشرى الزاكي رد

        السيد / محمد الملا
        شكراً لك على جميل طلبك … وشكراً للأخ شبايك الذي اتاح لنا هذا اللقاء على مدونته الرائعة دوماً ..
        لقد أرسلت لك العرض في ايميلك .. أنشره لكل من يريده ..

    1. The Hope رد

      تجربة تفتح النفس ..

      وفقكم الله لكل خير , ورحم الله فقيدكم وغفرله وأسكنه الفردوس الأعلى بإذن الله.

      1. محمد بشرى الزاكي رد

        بارك الله فيك ياأخي (The Hope)
        ونحن نحتاج للأمل في هذا الزمن .. نحتاج للأمل أكثر من أي شئ آخر ..
        وبارك الله فيك ..
        اللهم أغفر له وأحمه وأكرم نزله وأوسع مدخله …
        هل تعرف ياأخي – انني كنت احب الاعمال الطوعية – ولكن كأفكار فقط .. ولكن موت أخي جعلني أفكر فيها كشئ أساسي لاأعطيه فتات أوقاتي فقط .. وذلك بسبب أنني اريد ان افعل أي شئ لأخي .. أي شئ .. أي أصبح عندي دافع ومحفز قوي جدا …

        1. محمد

          رحم الله أخاك واسكنه فسيح جناته وجمعك واياه في رياض الجنة وفي الفردوس الاعلى مع الانبياء والصالحين…
          اذا سمحت ..هل ممكن ان ترسل لي العرض وكل مايستجد في هذا العمل
          الايميل: m.althunibat@gmail.com
          حزاكم الله خيرا..

  6. غاده عبدالله رد

    اخي في الله
    انت من الناس الذين يمدونني بالطاقه الايجابيه
    التي اتمني ان نحيا بها دائما ..
    الله خلق الكون وهو ملئ بالخير لكل البشر ويجب ان نتعوذ من الشيطان الذي هو اساس كل فساد في هذه الارض
    ادامك الله ورعاك

  7. AbO_HaNi رد

    أنا عارف إن ده سؤال مش فى محله لكن هو حضرتك سلفى أم مع عمر خالد أنا ضد المذهبية و الطائفية و لكن السلفيين لا يرون فى عمر خالد داعية حقيقى

    1. شبايك رد

      أنا مع كل داعي للخير، ولو كان غير مسلم،

      أنا مع كل من يبني على أساس صالح، وكل من يخفف آلام البشر، ويرفع الظلم من الأرض، دون النظر إلى دينه، فلو كان مسلما، كان الفضل من الله، وإن لم يكن، فهذه دنيا الله وهو عز و جل ترك لعبيده حرية اختيار الدين، فمن نحن لنجبرهم على شيء كفله لهم الله عز و جل…

      عمرو خالد في نظري رجل إيحابي يحب البناء، وأنا اعتبر نفسي من نتاج مجهود هذا الرجل، ولا زلت أذكر جيدا حلقته التي تحدث فيها عن الإيجابية وعدم السلبية وعدم فعل شيء… هذه الحلقة كانت بدايتي بفضل الله.

      1. محمد بشرى الزاكي رد

        السلام عليك أخي شبايك …
        كنت أساءل نفسي كيف سيكون ردك على هذا السؤال؟؟؟
        كفيت وجزيت والحمد لله …
        وهنا يذكرني الحديث الصحيح عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال:
        ((من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا)) خرجه مسلم في صحيحه.
        مصدر الحديث : http://www.binbaz.org.sa/mat/118
        فالمهم ان نكون مع دعاة الخير والسنن الحسنة …
        ولله الفضل من قبل ومن بعد …

  8. محمد نبيل رد

    آمين يا رب العالمين
    انه ولى ذلك والقادر عليه

    أما بالنسبة الى القصة , فهى استكمالاً لمسلسل قصصك المميزة التى تمتعنا بها ,
    وهى تجسيد لمعنى الالتزام بأداء الواجب مهما كانت الظروف غير مواتية ومهما كانت الصعوبات التى تواجهنا أثناء أدائنا لتلك الواجبات كلٌ فى موقعه , بل وبذل المزيد من العطاء ونحن على يقين بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

    وهى تمثل جزءً فى غاية الأهمية من السلوك الذى يجب أن نتحلى به فى المرحلة الحرجة الحالية التى نمر بها حتى نخرج من عنق الزجاجة , وكذلك فى المرحلة القادمة التى لن تكون كما نتمنى الا بالتزامنا وعطائنا.

  9. The Hope رد

    قصة محفزة جدا ً..
    جعلتني أفكر .. ياترى ماذا يمكن أن أفعل لأساعد؟

    لعل عملي بسيط, لكني بادرت بترجمة أحد المقالات التي أعجبتني عن وحدة الشعب الياباني, فيها بعض لمحات المبادرة التي تحض عليها قصة اليوم, وتعطي كل منا فكرة عن شيء بسيط يمكن أن يفعله للمجتمع , ولو كان حتى بأن يقول شكرا ً ليشجع غيره أو أن يبتسم لينشر بعض الأمل أو أو أو .. أترككم مع المقالة :

    ——————————————————————
    مواقف مؤثرة يرويها يابانيون شهدوها أو سمعو عنها خلال الأزمة الأخيرة والزلزال المدمر:

    في الليلة الماضية عندما كنت أسير عائدا ً إلى المنزل, رأيت سيدة مسنة تقف أمام أحد المخابز , كان المخبز مغلقا ً ولذلك وقفت المرأة توزع الخبز مجانا ً على المارة , حتى في مثل هذه الأوقات العصيبة،كان الناس يحاولون البحث عما يمكنهم القيام به لمساعدة الآخرين, لقد ملأ المشهد قلبي بالدفء.

    في السوبر ماركت،حيث سقطت جميع السلع من الرفوف كان الناس يلتقطون الأشياء التي يودون شراءها بدقة،ومن ثم الوقوف بهدوء في الطابور لشراء الطعام. بدلا من خلق حالة من الذعر وشراء ماهب ودب كانوا يشترون بقدر الحاجة بل اشتروا أقل ما يحتاجونه, لقد شعرت بالفخر لكوني ياباني!!

    في مكان آخر في الطريق ،كانت هناك سيدة تحمل لافتة كتب عليها “الرجاء استخدام المرحاض لدينا.” وكانت قد فتحت منزلهم للناس الذين شردهم الفيضان والزلزال لاستخدام حمامهم!! من الصعب أن تكتم الدموع في عينيك عندما ترى هذا التكاتف والتعاطف من الناس.

    في ديزني لاند،كانوا يوزعون الحلوى مجاناً, وقد شاهدت العديد من فتيات المدارس الثانوية يتهافتن عليها , قلت في نفسي “ماذا؟؟” ولكن بعد دقائق ،ركضت هذه الفتيات للأطفال في مركز الإجلاء ووزعنها عليهم. لقد كانت تلك لفتة حلوة.

    أراد زميل في العمل تقديم المساعدة بطريقة ما،حتى لو كانت فقط لشخص واحد. فكتب لافتة : “إذا لم تكن تمانع ركوب دراجة نارية فبإمكاني إيصالك إلى منزلك”. وقد وقف في البرد حاملا ً هذه اللافتة. ثم رأيته لاحقا ً يوصل أحد المارة إلى بيته في منطقة توكوروزاوا وهي بعيدة جدا ً , تأثرت كثيرا ً وشعرت كذلك بالرغبة داخلي في مساعدة الآخرين.

    بسبب نقص البنزين فإن محطات البترول معظمها مغلقة أو عليها طوابير طويلة جداً , قلقت كثيرا ً حيث كان أمامي 15 سيارة. وعندما جاء دوري ابتسم العامل وقال : “بسبب الوضع الراهن، فنحن فقط نعطي بنزين بقيمة 30 دولارا لكل شخص. هل أنت موافق؟” أجبت : بالطبع موافق،وأنا سعيد لأننا جميعا نتشارك في تحمل هذا العبء”. تبسم لي العامل ابتسامة أشعرتني بالراحة والطمأنينة وأزالت قلقي.

    رأيت طفلا صغيرا قدم الشكر لسائق احد باصات مؤسسة النقل العام ،قائلا : “شكرا جزيلا لمحاولتكم الجاهدة لتشغيل القطار الليلة الماضية”. لقد جلبت كلماته دموع الفرح لعيون السائق.

    قالت صديقة أجنبية لي أنها صدمت لرؤية الطابور الطويل والمنظم وراء أحد الهواتف العمومية, حيث انتظر الجميع بصبر لاستخدام الهاتف على الرغم من أن الجميع كان تواقا ً لمهاتفة عائلاتهم وأقاربهم والاطمئنان عليهم.

    حركة المرور كانت رهيبة جداً, سيارة واحدة فقط كان يمكنها المرور عند كل إشارة خضراء,لكن الجميع كان يقود بهدوء وخلال الساعات العشرة التي أخذها الطريق بالسيارة (والذي يستغرق عادةً 30 دقيقة فقط) كان الزمور الوحيد الذي سمعته هو زمور شكر , أحسست بمدى تكاتف الناس وتعاونها وجعلني ذلك أحب اليابان أكثر.

    عندما كنا ننتظر على المنصة متعبين ومنهكين من الوقوف , جاءنا شحات وقدم لنا قطعة من الكرتون المقوى للجلوس عليها. على الرغم من أننا عادة نتجاهلهم في حياتنا اليومية، إلا أنهم كانوا على استعداد لخدمتنا عندما احتاج الأمر!!

    سنتوري (شركة عصير) قامت بتوزيع العصير مجانا ً على الناس ، وشركات الهاتف قامت بزيادة عدد نقاط توصيل الانترنت والواي فاي لتسهيل التواصل كما قامت شركة مواد غذائية بتوزيع مليون علبة من الشعيرية والشوربات المعلبة مجانا ً، والجميع يحاول تقديم المساعدة بأفضل طريقة ممكنة.

    في الملجأ , قال رجل عجوز :”ماذا سيحدث لنا الآن؟” رد عليه صبي في المدرسة الثانوية كان يجلس بجانبه:”لا تقلق! عندما نكبر ، اعدك بأننا سوف نصلحها مرة أخرى!” قال ذلك بينما كانت يده تربت على ظهر الرجل العجوز !! شعرت حينها وأنا أستمع إلى هذه المحادثة ، بأن هناك أمل, وأن هناك مستقبلا ً مشرقاً على الجانب الآخر من هذه الأزمة.
    ——————————————————————

    دمت ملهما ً أخي رؤوف ولك إن شاء أجر الدلالة على الخير.

  10. أبو عبد الله رد

    تم حذف مشاركتي و لم يصلني تبرير إلى بريدي الإلكتروني.

    المدونة هي مكان لتشارك الأفكار, إذا كنت تتحدث عن الإصلاح فتعليقي لم يخرج عن الموضوع.

    إذا لم يصلني تبرير فسأقابلك بحذف مدونتك من المفضلة.

  11. د.سمين رد

    أجمل ما فعله هذا الشرطي المثالي هو أنه لم يصادم المجرمين و لم يقابلهم بالعنف, بل باغتهم بما لم يتوقعوه و هنا السر ,, بالإحسان ,, بالتعليم ,, بالتدريب قضى على المشكلة و جعل الحي مكانا أفضل !

  12. lebanon cat رد

    عزيزي شبايك
    هل لك الاطلاع على مدونتي و ابدأ رايك بها مهنيا و ادبيا هل تحسنت عن السابق
    و ارجو ان تدرج نصائحك
    فانا حديثة العهد في التدوين

  13. عماد رد

    تدوينة ممتازة كالعادة ، أود أيضاً أن تكتب عن قصص الفشل كما تكتب عن النجاح ، و أن تضع لنا أخطاء صاحب القصة وكيف يمكن تجنبها ، لأن قراءة قصص لها نهاية سعيدة دائماً ، قد يثير بعض الملل علاوة على كونه غير واقعى. غير ذلك فمدونتك رائعة و اتابعها منذ مدة طويلة و أسلوبك اللغوى أكثر من رائع 🙂 .

  14. خالد السيد رمضان رد

    بجد قصص النجاح مفيده جدا تعطى طاقه وحماس يارب نجح كل المسلمين وارزقنا الجنه امين

  15. MRM رد

    تدوينة رائعة قادتني إلى فكرة لمشكلة كانت تؤرقني طويلاً….أنا معلمة وفي المدرسة نعاني من الكتابة على الجدران وبعد قرائتي لهذه التدوينة قررت أن امسك زمام المبادرة وأبدأ مع الطالبات إيجاد حلول تقضي على هذه الظاهرة..وسأبدأ بحول الله بعمل عرض بوربوينت كما عمل الأخ محمد بشرى..غفر الله لأخيه واسكنه فسيح جناته ولاحرمه الأجر

    1. شبايك رد

      وأنا على استعداد للكتابة عن هذه المبادرة منك، ويا حبذا لو ترسلي لنا صورا لحوائط المدرسة قبل وبعد مبادرتك، ورأي الطلبة في هذه الخطوة…

  16. محب روفائيل رد

    يقول فيكتور هوجو:
    حين تبني مدرسة، فإنك تهدم سجنا.
    He who opens a school door, closes a prison. Victor Hugo
    موضوع جميل جدا يا شبايك ، وفى الحقيقة لا أدرى لماذا لا توجد نوعيات هذا الرجل فى مصر ؟ ربما الفساد الذى غرق فيه الكبير والصغير على السواء ، لكن حتى مع الفساد يا شبايك ستظهر الأمانة ، فالنقيض يظهر نقيضه دائما ، أم أنا مخطىء ؟

  17. abu-maaz رد

    ماشاء الله بوركت استاذ رؤوف

    ولنتذكر مقولة الشهيد سيد قطب رحمه الله

    مداد الحياة ان تعيش لغيرك

  18. رضوان رد

    عندما كنت في الصف العاشر كنت اكرة الرياضيات كذلك سائر زملائي. حتى جاء معلم جديد رغم انه غير متخصص في الرياضبات ولقلة المعلمين ولانه من غير الواصلين. تم الزج به ليعلم الرياضيات.
    كان تعليم الرياضيات يتم حسب مستويات. المستوى الاول لا ينفع. المستوى الثانى كان يدخلك الجامعه بشروط ونادرا. اغلب المدرسه كانت من المستوى الاول ونسبة النجاح في المستوى الثاني لا تتجاوز ال18 بالمائه. المستوى الثالث كان شيه معدوم في مدرستنا.
    دخل المدرس ومعه اوراق عمل للصف السابع الثامن واخبرنا ان من يحل الاوراق يمكنه الذهاب الى البيت. فرحنا كثيرا اوراق عمل بسيطه. ولكنه اضاف ملاحظه من الدرس القادم التعليم سيكون بالمقاوله اي انه اي طالب ينجح في تعلم الموضوع يمكنه الذهاب الى البيت. وعلامة النجاح 100.
    قام بمراجعة مادة الصف الثامن واالسابع لمدة شهر كامل حتى نجح الجمبع في مادة الرياضيات للصف السابع والثامن. لتذكير كنا طلاب في الصف العاشر. كانت السخرية في كل مكان من المعلمين الاخرين ولكن ربنا ستر وفرحوا لا الصف الاكثر شغبا في الصف وليس في الساحة.
    الشهر الثاني كان مع مادة الصف التاسع وكان هناك طلاب اخرين تقدموا الى مواد اكثر تقدما. اجرت المدرسه الامتحانات النصف فصلية وكانت نسبة النجاح 11 بالمائه. للتذكير علامة النجاح 55. هل ياس المعلم لا والف لا.
    جاء للصف فرحا وكتب على اللوح بخط كبير الرقم 11 والرقم 100. وكان نقاش حول الرقمين وكان ملخص الامر ان الجميع يريد الرقم 100. ضحك المعلمون الاخرون. ولان نسبة النجاح كانت متدنيه اعطوا المعلم ساعات تقويه كسائر المدرسة. ولكن الاختلاف عن الماضي ان جميع الطلاب حضروا وكذلك المعلم المعلمون الاخرون كانوا يتاخرون.
    وجاءت نهاية الفصل الاول وظهرت علامات الجميع وكانت نسبة النجاح 100 وكذلك معدل العلامات كان 100.

    صعق الاخرون ولم يصدقوا وتم اتهام المعلم بتسريب الامتحان. وتم استبعاد المعلم وصار الجميع بنادينا السيد مائه.
    كانت الامور من الناحية القانونيه انه في حالة اتهام معلم بتسريب الامنحان فان علامة الطالب يتم اعتمادها ولا تلغى. والمعلم ياخذ جزاءه. توجهنا لبيت المعلم فاخبرنا انه علينا المواصله بدونه وكانت الصاعقه انه قام بتعليمنا المستوى الرايع الذي لم يكن يعلم في مدرستنا وهو يعتبر اختصاصي ومستوى عالى جدا. وقال انه نتيجة خطا علمنا المادة وانة اكتشف الالتباس في بداية الامر وانه حين راى التقدم السريع لنا قرر المواصله معنا كتوع من التحدي.
    اتفقنا ان نتقدم للمستوى الرابع. اقترحنا على المدير والمفتش الموضوع. وافق لانه لا يريد فضيحة.
    سال المدير متى يمكنكم التقدم للامتحان؟ اجبنا اليوم بشرط ان تكون النتائج غدا جاهزة.
    كان يوم خميس الجميع موجود في بوابة المدرسه جمعونا في المكتبه كنا 43 طالبا المفتشين والمعلم والعديد من الشخصيات وبينهم شرطي .
    الترقب كان في اوجه لا احد يتكلم لا المدير ولا المعلم ولا حتى نحن وجود الشرطي زاد الامر توترا. فالشرطي معروف لنا فبعضنا كان قد توسخت يداه بمشاكل وكم من مره اخرج طلاب مفصولين.
    تقدم المدير بعد لحظات ظننتها سنوات. وكتب على اللوح الرقم 18 فاجهشت العديد من الفتيات بالبكاء ودمعت عيون الطلاب من الذكور. ولكن المدير واصل الكتايه ليضيف الرقم 1 ليصيح الرقم 118. لم نفهم الامر
    الى ان وضح الامر بان في المستوى الرابع والثالث يوجد سؤال زيادة وان من يحل هذا السؤال تكون علامته من 125 رغم انه نادرا حل هذا السؤال الا اننا حللناه.
    كانت هناك مجموعة من الخطابات والمتسلقين. همش دور المعلم وضخم دور المدير.

    فعلناها لقد فعلها مدرس بديل اختصاصه غير. بارادته وايمانه واصراره وتحديه. بعد مرور 15 سنه على القصة 39 من طلاب صفنا من حملة الشهادات العليا. واربعة طلاب ليسوا معنا فليتخمدهم الله برحمته. وجميعنا خلدنا ذكر ذلك المعلم باسم احد اطفالنا رغم ندرة الاسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *