باختصار، الحل في الابتكار

3٬745 قراءات
3 مارس 2011

نكمل بعد استئذان القراء، واليوم أود أن أستثير عقل القارئ وأدفعه ليستغل نعمة الخيال التي أودعها الله عز و جل في عقولنا، وبالخيال أقصد الابتكار تحديدا، واسمحوا لي أن أعرض لنماذج طبقت هذا الابتكار. البداية مع قصة من مجلة انتربرنور (الرابط) والتي نشرت قصة الأمريكي معلم البيتزا مارك بلو في نيويورك. البيتزا التي يبيعها مارك مختلفة، فأنت لا تدفع لكي تأكلها، بل لكي تخبزها أولا ثم تأكلها بعدها إن شئت.

مارك هو رجل عصامي تولى تعليم نفسه بنفسه، مؤسس وناظر Pizza a Casa وهو مركز لتعليم طرق خبز و طهي عجائن البيتزا، حيث يقوم بتدريس وتعليم الآلاف خلاصة خبرته في صنع البيتزا، وكذلك يقوم ببيع كل آلة يمكن استعمالها في خبز وعجن وقطع وحمل البيتزا. مقابل 4 ساعات و 150 دولار، ستتعلم كل ما يلزمك لخبز بيتزا شهية. قبل تدشين هذا المركز، كان مارك يقدم هذه الدروس انطلاقا من بيته الصغير على مر سنوات خمسة.

وسيلة التسويق الأولى لمارك كانت عبارات الثناء الصادرة من أفواه أوائل الطلبة الذين تلقوا علوم البيتزا على يديه، تلاها مواقع انترنت المهتمة بعالم الطعام والبيتزا، كما أن الشعب الأمريكي معروف عنه هوسه بتناول البيتزا، ولما طحنت الأزمة الاقتصادية العالمية هذا الشعب، لجأ إلى وسائل مبتكرة لتقليل إنفاقه مع الحفاظ على سلوكه المعتاد قبل الأزمة، الأمر الذي زاد من طالبي علوم البيتزا. كذلك، التعليم بالتجربة الفعلية وباليدين يبقى أفضل من التعليم بالمشاهدة عبر التليفزيون أو قراءة كتاب وصفات.

مركز التعليم جاء وفق أقصى درجات التوفير المبتكر، فالأستاذ مارك خريج معهد شيكاغو الفني متخصصا في الفن التشكيلي، ولذا صمم بنفسه طاولة الطعام المزينة بالرخام والتي تتسع لـ 16 تلميذا، وعقد صفقة مع شركة بيع معدات وأفران طهي لتمده بما يحتاجه في مركزه مقابل الدعاية لها، كما نجح في حسن انتقاء الموقع، والذي يجذب العديد من السياح الأجانب، ما سهل لبعض السياح اليابانيين حضور دروسه.

الغرض من سردي لهذه القصة ليس البيتزا في حد ذاتها، ولكنها مجرد مثال لطرح السؤال: كم من الأشياء نؤديها كما يؤديها من جاؤوا قبلنا؟ فكر في كل ما تفعله وحاول أن تؤديه بشكل جديد، شكل يكون فيه حاجة لغيرك، بدرجة تجعلهم مستعدين لدفع المال كي تؤديه لهم. كم من محل يقدم البيتزا جاهزة؟ وكم من فكر في تعليم الناس صنع البيتزا بكل الوسائل الممكنة وبكل الأدوات المتاحة.

لنأخذ مثالا آخر على الابتكار. هل ترى هذه الصورة في الأعلى؟ إنها لمتظاهر في القاهرة (يبدو أنه الكاتب عبد المجيد المهيلمي كما أوضح القارئ فيصل في تعليقه)، يحمل لافتة تقول باللغة الفرنسية – تلك اللغة التي يجهلها جل القوى الأمنية – ارحل مبارك. هذه الجملة تحديدا اكتسبت شهرة في تونس حين قامت مظاهراتها. هذا الرجل أراد التعبير عن رأيه، ولا أملك الحديث باسمه، لكني أظنه أراد إيصال صوته للعالم، دون مضايقات أمنية. وهذا مثال صغير على الابتكار.

إذا نظرنا إلى الثورات العربية الحالية، ستجد أغلب أدواتها مبتكرة وقائمة على شبكة انترنت، فالشباب في مصر يسجلون كل شيء على ملفات فيديو، ويعودون لمقارنة حديث الوزير قبل وبعد الثورة، ويجمعون الحقائق والمواقف والصور لكل مسؤول، ويوفرونها أمام الرأي العام، وبذلك يؤثرون في قطاع عريض من الناس ويحققون هدفهم.

إذا نظرت إلى شركات التقنية العالمية، من بقي في السباق العالمي منها هي تلك التي ابتكرت الجديد، وسارعت لتوفير منتجها المبتكر قبل المنافسين في السوق أمام مستخدمين بحاجة إليه. من جاء بإمكانية البحث لعموم الناس في خرائط الأرض والقمر والمريخ؟ من جاء بخاصية اللمس المتعدد لشاشة الهاتف النقال وجعلها سهلة وذات فائدة، وليس مجرد سبقا تقنيا ليقول أنا الأول ثم سكت.

إن لم تبتكر مِت مكانك. التقنية وسهولتها وتوفرها بشكل يسير يجعل الابتكار أسهل من ذي قبل، ويجعله حاجة ضرورية مثل الماء و الهواء. الابتكار سيساعدنا على تجاوز الفجوات التقنية والزمنية التي تفصلنا عمن سبقونا، وهو أمر نحتاجه الآن. الابتكار عدوه التكرار والتقليد. أنت من عليه المجيء بإجابة السؤال: كيف تبتكر! لا تقلق إن تأخرت الإجابة، لأنها حين تأتيك، فلن تتوقف بعدها.

على الجانب:
أشكر كل من علق على تدوينتي السابقة، وردا على مقترحاتكم بالحديث عن نجاحات البلاد الأخرى، هذا أمر يحتاج لبحث وقراءة ووقت، ولذا أمهلوني بعضه!

اجمالى التعليقات على ” باختصار، الحل في الابتكار 25

  1. ahmed hassan رد

    فعلا معاك حق ……. و ان شاء الله عندنا امل في وزاره المبتكرين و العلماء الجدد علي رأسهم عصام شرف !

  2. عبد العزيز رد

    اعتقد اننا نفتقد اولا للكثير من العلم والمعرفه الأساسيه التى تدفع للإنتاج والابداع
    وربما نحن محتاجون الى ابتكار طرق جديده للتعلم

  3. خالد زريولي رد

    في إحدى الدورات، عرف الدكتور طارق السويدان بأن الإبداع هو التفكير في أمور مألوفة بشكل غير مألوف. وهو ما نفتقده في عالمنا العربي..
    كل ما نقوم به هو استنساخ تجارب الآخرين واجترارها.
    الله يعفو وخلاص

    تحياتي الخالصة

  4. متعب القرني رد

    السلام عليك عزيزي شبايك، الاجتهاد في إستحداث كل الوسائل للوصول إلى غايات استهلكها الناس هو طلب كل مُبدع طغت عليه صفات الجنون! وأتذكر أنني قد تحدثت عن هذا الموضوع باستفاضة وقد تعرضت لقصة مُنتج إكسوست بيرقر والذي ستنتجه الشركات بحلول ٢٠١٥ ويتوقع أن يرتفع لمبيعات كبيرة جداً حيث يوفر للناس القدرة على طهي البيرقر بينما هم في طريقهم أثناء السفر! أتوقع والله أعلم أن المأزق الرئيس في كل هذا يعود لسبب رئيس، وهو خوفنا من التجديد وتطبيق الأمور الجديدة، وهذا الخوف سيجعلنا حبيسي أدوات قديمة ومتهالكة! شكراً لك شبايك مرة أخرى على هذا الإبداع. أخوك متعب.

  5. محمد الدهيمي رد

    يذكر أن السلطان محمد الفاتح في رحلة فتحه للقسطنطينية كان يرفض كل المقترحات الغير جديدة و الغير مبتكرة و التي تأتي من القواد .. هكذا كان السلطان محمد الفاتح الذي قال عنه صلى الله عليه و سلم :
    ” لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها و لنعم الجيش جيشها “

    1. كمونة رد

      أظن أن هذا الكلام صحيح لأنه فاجأ أهالي القسطنطينية بكسر عائق السلسلة وذلك بعبور السفن على لوحات خشبية على الجبال ..

      شكرا لك شبايك ..

  6. خالد البطل رد

    أعجبني تعليقك في النهاية :
    الابتكار عدوه التكرار والتقليد. أنت من عليه المجيء بإجابة السؤال: كيف تبتكر! لا تقلق إن تأخرت الإجابة، لأنها حين تأتيك، فلن تتوقف بعدها.

  7. شادي رد

    صدقت أخي شبايك.. الابتكار هو روح النجاح
    ومن ناحية أخرى “من جرّب مُجرّب.. فعقله مُخرّب”
    أنا صراحة عندي بعض الأفكار المبتكرة في ناحية العمل .. لكنها أفكار نائمة حتى يجيء الوقت لتوقظها الإمكانيات

  8. احمد رد

    أعتقد اننا بحاجة الى وعي أهمية رعاية الموهوبين وتشجيعهم وفتح مشاريع دعم المبتكرين وليس تصديرها الي الغرب ليعملوا لصالحهم والنكف عن دعم أصحاب المزامير والرقص أصبحوا لا يتسعون حجم مقاس الشاشة لكثرتهم وبما أننا كما تعلمون امة مستوردة لماذا لا نستورد اصحاب العقول والمبدعين لتطوير العلم والمعرفة والتعليم وليس فقط في البنايات الشاهقة

  9. عهود رد

    مدونة غنية بالفائدة ..
    صدقني عدت لتدوينات قديمة جدا .. ووجدت الكثير
    الكثير .. فجزاك الله خير الجزاء وزادك من نعيمه في الدنيا
    والآخرة ..

  10. علاء عمر رد

    أخي الفاضل شبايك
    أشكرك علي تدوينتك المميزه
    حياتنا بدون إبتكارات تجدها ممله ركيكه
    فمثلا كثير من أصدقائي المصريين تجدهم يشكون الملل ودائما يرددون عبارات “إللي بنام فيه بنصحي فيه”هههههههه
    ولكن لو فكر الكثيرين وحاولوا الإبتكار والتطوير لما سئموا وملوا من حياتهم

    لا يسعني إلا شكرك علي تدويناتك السوبر ممتازه ودائما في الجون
    شكرا شبايك
    والسلام خير ختام

  11. رامى أحمد لطفى رد

    إذا كنت قطاً عجوزاً ولم تتعلم حيل جديدة لصيد الفئران .. فقد انتهيت !!

  12. lebanon cat رد

    قيل الحاجة ام الاختراع
    و عليه فإن معادلتي الشهيرة : مفيد + مبتكر + إقتصادي = منتج ناجح
    هي معادلتي و فلسفتي في الحياة و للان – نشكر الله- لم تخذلني
    اذا حاولوا ان تجدوا حاجة في متمعكم و او حيكم المحلي و فروها بأسلوب مبتكر و بتكاليف معقولة (فليس كل رخيص جيد ) و أوكد لكم ستجنون الربح حتما و النجاح.
    شكرا سبايك
    عودة حميدة في التدوين و هذا الدرس يمكن تعلمه أيضا من كتاب رجال اعمال نهاية الاسبوع …. 😉

  13. الأمـــل رد

    مقالة جميلة ومحفزة .. شكرا أخي رؤوف
    واستأذنك بوضع بعض الأمثلة والروابط وهي ليست دعائية وإنما نماذج لتعم الفائدة..

    أعجبني قبل مدة كتاب رائع بسيط اسمه “شباب جنان” , كانت الفكرة المبتكرة التي فيه أنه في نهاية كل فصل هناك خارطة ذهنية ملونة تلخص أهم مافي الفصل بطريقة جذابة تسهل تذكر أهم النقاط .. وهو ما أشاهده لأول مرة في كتاب ديني موجه للشباب !!
    انتهى بي المطاف في شراء 5 نسخ لي وكهدايا لمن أحبهم وجائتني توصيات طلب شراء 10 نسخ أخرى..

    هذه نماذج عملية لابتكارات رائعة رخيصة الثمن أنتجها 4 من فقراء الهند أحدهم يبدو في السبعين من العمر !!
    http://www.youtube.com/watch?v=m_ho7xhgWV8

    كذلك أعجبتني إضافة الأخ محمد بدوي في مدونته لتدوينات صوتية مقروءة بصوت صديق له صوته أجمل !!

    أحد أجمل تعريفات الابداع وأكثرها تحفيزا هو : أن تسبق عصرك بربع ساعة فقط !!
    لست بحاجة لتطوير شيء مبتكر جديد كليا ً , ولكن تحسين شيء موجود ليصبح أفضل قليلا ً هو الطريق الحقيقي الذي يسير عليه المبدعون في معظم الاختراعات.. ومع ان معظم الناس يعتقد أن أديسون قد اخترع المصباح إلا أن هذا غير دقيق لأن العديد من المبتكرين والمهندسين في وقته كانوا يعملون على نفس الاختراع وكانوا بالفعل قد وصلوا الى شكل اللمبة وانارتها لبعض الوقت والإضافة الفارقة التي قدمها أديسون هو استخدام سلك التنغستون لإطالة عمر الإنارة ..

    هذا موقع رائع يتحدث عن أفكار وتطبيقات ونماذج لابداعات عالمية حديثة في مختلف الفنون والعلوم مع وجود ترجمة للعربية والعديد من اللغات في معظم مقاطع الفيديو الموجودة فيه ..
    http://www.ted.com/talks

    شكرا رؤوف مرة أخرى وأرجو الفائدة للجميع ..

  14. swyra رد

    جزاك الله خيرا استاذ رؤوف والله احنا مشكلتنا الاستخفاف بافكارنا ولا نعطيها اهتمام كبير

    والله انا عندي امنيه وان شاء الله ربي يحققها اريد ان ابتكر شي يستفيد منه البشرية اجمعين ..

  15. احمد عبوشي رد

    الابتكار يأتي من حسن الاطلاع والدراية التامة لما موجود لدى الشخص ومقارنته ما هو موجود لدى الآخرين ، أي عندما تكون قادرا ً على استعمال أفضل ما لديك بوسائل جديدة لم يقدمها احد غيرك بنفس الطريقة .
    مشكور اخي

  16. عمرو النواوى رد

    الابتكار لا يقف أمامه أي حدود أو حواجز والحاجة أم الاختراع ..
    التفت وانظر حولك إلى أحوال الناس ومعيشتهم وحاجاتهم .. ستجد الكثير من الفجوات والمشاكل والعقبات بحاجة إلى من يحلها .. لقد جلست أنا وأحد أصدقائي يوماً نقدم مقترحات لحل أزمة الزحام في مترو أنفاق القاهرة الكبرى، وكيف ننظم عملية الصعود والهبوط .. وكانت الحلول رائعة.
    منها مثلاً تقسيم الباب إلى جزئين بماسورة حديدية للنزول مثل تلك الموجودة عند الدخول للمحطة والتي تعمل بالتذاكر، ومنها مثلاً وضع ممرات حديدية في اتجاه أحد جانبي الباب تكون مخصصة للصعود ويقف فيها الناس وتكون الآخرى فارغة مخصصة للنزول لا يقف فيها أحد من الناس، ويشرف على تطبيق هذه الوسائل عمال وموظفي محطات المترو.
    والكثيرمن الحلول التي بحاجة إلى تحريك روح الابتكار داخلك ..

    ادخل بيتك وانظر ماذا تحتاج فيه ولا تنظر إلى الصور التقليدية في التطبيق، ولكن انظر إلى الصور الإبداعية وما تستطيع أن تقدمه، بدون الاستعانة بالمتخصصين .. خذ دورة في التفكير الإبداعي وانظر كيف يفكر المبدعون .. جرب وجرب وجرب .. وانظر كيف تكون النتائج.

  17. عالية رد

    مرحبا اخي رؤوف و الجميع

    اخيرًا تستطيع الكتابة و التحليق بنا دون خوف تعكير من يقول لكن نحن العرب و يحطم الهمم 🙂 🙂

    بارك الله فيك

  18. أبو قصي رد

    فعلاً الحل في الإبتكار , والتفكير الإبداعي هو الطريق إلى هذا الحل , ومارك بلو استخدم اسلوب اسكامبير في التفكير , كي يبتكر هذه الفكرة الرائعة , وحقاً تفكيره خارج الصندوق .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *