تأملات في حال الصحافة اليوم

1٬391 قراءات
17 ديسمبر 2010

تواجه الصحافة – العربية تحديدا والعالمية بشكل عام، تحديات كثيرة، فعدد قراء النسخ الورقية إلى تراجع كبير، ومعه تراجعت عوائد الإعلانات المطبوعة. بشكل عام، الصحافة نوع من أنواع التجارة، تهدف لتحقيق الربح، مع تقديم خدمة جيدة. إصدار جريدة يومية عملية مكلفة للغاية، وتحتاج إلى جيش من المحررين والصحفيين والمخرجين والمدققين وغيرهم. ربح أي جريدة يأتي من بيع نسخ الجريدة، وهذا في الماضي، أما الآن وفي ظل المنافسة، فالدخل مصدره بيع الإعلانات في المقام الأول.



هذا التحول صاحبه شيء قبيح، إذ تحول المعلن السخي متحكما في توجه الصحيفة، فالسيف مسلول على عنق كل جريدة، إذا نشرت أي شيء يغضب المعلن، فسيوقف إنفاقه مع هذه الصحيفة ويذهب إلى تلك. إذا حدث ذلك من أكثر من معلن، فسيجد صاحب الصحيفة أنه في مأزق مالي مؤلم. لعلاج هذه المشكلة، تدخلت بعض الحكومات لتقدم الدعم المالي لمن ترضى عنها من الجرائد. هذا التدخل ظاهره الرحمة، لكنه في الحقيقة كان نوعا آخر من السيف المسلول، فبدلا من مجاملة المعلن السخي، أصبح على الجريدة مجاملة الحكومة.

سواء هذا السيف أو ذاك، فالقارئ اليوم من الذكاء بحيث يدرك أن المنشور ظاهره الشجاعة الصحفية، وباطنه الحفاظ على المصالح. لو لم يكن هناك بديل، لبقي الحال على ما هو عليه. لكن دخول شبكة انترنت إلى حياتنا بهذه الصورة الطاغية قلب الموازين، ولأننا معاشر العرب نفضل التغيير البطيء، يتطلب الأمر مرور وقت حتى نرى آثار هذا التغيير.

في التدوينة قبل السابقة (الرابط) تحدثت عن وسائل نشر الخبر الصحفي، ومن ضمنها مراسلة حشود الصحفيين، لكي ينشروا هذا الخبر الصحفي. في الوقت الحالي، وبشكل عام ومع استثناء بعض الحالات، يتوقف نشر أي صحفي لأي خبر على مدى تقبله لخفة دم مرسل الخبر، وبعدها لمقدار الإعلانات التي ينشرها كل صاحب خبر. هل تذكر كم مرة قرأت فيها خبرا عن شركة ما، ثم في الصفحة التالية أو المقابلة تجد إعلانا لها يملئ كل الصفحة؟ لولا ذاك ما كان هذا الأول.

ستسمع تبريرات كثيرة، لكن الحقيقة تبقى أنه لو صاحب الخبر الصحفي شراء إعلان مدفوع، لقفزت احتمالات نشره للسماء. المشكلة الفعلية هنا هو أن الخبر المنشور لم يأت لأنه يستحق النشر، بل لأن في نشره مصلحة وربح. بمرور الأيام، لا عجب إن وجدنا عددا كبيرا من القراء يعزف كليا عن الجرائد لأنها تحولت دعايات وإعلانات مقنعة، وسيفيق الجميع ذات يوم على الحقيقة المؤلمة: الجرائد العربية لم تعد وسيلة إعلامية مؤثرة فعليا. قد يأتي هذا اليوم بعد سنة أو عشر أو خمسين، لكنه سيأتي حتما.

حين تغرب شمس وسيلة إعلامية، يكون ذلك آذانا ببزوغ شمس وسيلة أخرى، ولا نملك هنا سوى تقديم توقع مدروس لهذا الجديد المنتظر. قد تكون الصحافة الإلكترونية، وقد نتحول لقراءة المواقع الإخبارية على الحواسيب اللوحية (مثل آيباد)، وربما ظهر شيء جديد مماثل، لكن كل هذه المواقع ستخضع للقاعدة ذاتها، فهي تجارة وتحتاج إلى عائد ودخل وربح لسداد النفقات ودفع المرتبات، ومرة أخرى سيكون المعلن صاحب اليد العليا.

لا زلنا مع السؤال: ماذا يفعل صاحب الشركة الناشئة لينشر خبره الصحفي؟ ربما أفضل بداية هي مواقع انترنت لنشر الأخبار الصحفية – بالانجليزية وبدون مقابل، فعلى عكس الواقع العربي، تجد الواقع الانجليزي متقبلا بدرجة أفضل لفكرة أداء الأعمال والتجارة عبر شبكة انترنت، وحين يجد الباحث عن عقد صفقات تجارية أن الشركة الناشئة مهتمة بنشر أخبارها الصحفية باللغة الانجليزية، ربما شجعه هذا أكثر على التواصل والتعامل معها. من ضمن ما أنصح به السائلين: على كل شركة ناشئة ألا تركز فقط على سوقها المحلية، وأن تتوجه إلى السوق العالمي، وهذا يتطلب استعمال لغة هذا السوق، واقصد بها الانجليزية.

لا تفهم كلامي على أنه دعوة للتركيز على الانجليزية وهجر العربية، لكن ما لم تقدم الصحافة العربية يد المساعدة للمشاريع الناشئة، فلا يجب على تلك الصحافة أن تلوم تلك المشاريع الناشئة إذا اشتد ساعدها بمساعدة الصحافة غير العربية وظلت وفية فقط لمن ساعدها. التصفيق يتطلب يدين تعملان معا، لكن اليد الواحدة تعجز عنه. إذا اهتمت الصحافة العربية بأرباحها وحسب، فلا تلومن على من سيفعل مثلها.

على الجانب:
سألني سائل لماذا كل هذا الحديث عن جوجل ومشاكلي معه، ولعل سبب ذلك ارتباطي العاطفي مع جوجل، فلا زلت أذكر حين كان موقعا صغيرا ناشئا، وكنت متحمسا له بشدة، أطلب من كل من أعرفهم استعماله وترك مواقع البحث الأخرى التي كانت تعذب زوارها، وتعرض قائمة من الإعلانات قبل أن تعرض نتائج البحث، حتى جاء جوجل وأراحنا من هذا العذاب. حديثي الطويل عن جوجل سببه أني أريده ألا يقع ضحية لسوء استغلال المستغلين، وأريده أن يبقى كما هو في نظري، أفضل وأذكي وأجود محرك بحث، عن استحقاق فعلي لا عاطفي. موقع ياهوو كان يوما أول وأفضل موقع بحث، انظر إلى حاله اليوم، بلغ به الغباء بحيث سيغلق موقع ديليشوس (رابط الخبر) بعدما اشتراه بسعر كبير (الرابط)، وكم أخشى أن يأتي الدور على مكتوب، بعدما استقطب باقة من العقول العربية الواعدة، ولا أظن هذه نهاية الأخبار المحزنة من ياهوو.

حديثي الطويل عن جوجل غرضه أن ينتبه لما يحدث، فالعبرة هي بالمحتوى ذاته، وليس طريقة عنونته أو زج كلمات ذات أهمية بحثية في السياق. موقع جوجل عندي يمثل انتصار العقل والعبقرية على المادة والرغبة الفجة في الربح، وأريده أن يبقى كذلك. نعم، نجاح موقع جوجل عريض وطاغي، لكن ياهوو كان كذلك يوما، وهاهو يتراجع اليوم. كانت نوكيا أفضل وأشهر شركة جوالات، ها هي اليوم تصدر عنها أخبار مقبضة مثل نيتها تقليص العمالة لديها أكثر (رابط الخبر)، وكل هذه ليست نذر خير. ما أريده من جوجل هو أن يبقى رمز الأمل والنجاح الممكن والقدرة على المجيء بالفذ والعبقري وغير المسبوق.

[رابط الصورة التوضيحية المستعملة على فليكر]

اجمالى التعليقات على ” تأملات في حال الصحافة اليوم 13

  1. الصادق رد

    هل أفهم من التدوينة أنك تقول لا فائدة من العلاقات العامة (على الأقل في مجال نشر البيانات الصحفية) عربيا؟
    ما هو الحل في نظرك لما ذكرته حسب رأيك من نواحي سلبية في حق الصحف العربية؟

    1. محمد النحوي رد

      أنا مع الأخ الصادق وأضيف :
      وكأني بك يا عزيزي … حائر الخطى عن من أين تؤكل الكتف ؟

      هل هي الحيرة ؟؟
      أم هو تفكير بصوت مرتفع ونحن نعيش معك مراحل النمو والنضوج لشخصك الجديد (بالكتأكيد نريد لك أن تنجح)

      أخوكم
      محمد النحوي

      1. شبايك رد

        بعد 10 سنوات مع الصحافة، عملا ومعاملة، أظن الحيرة تكون شيئا غير مستساغا، بل هو تقرير لمشكلة تواجهها – واستقراء لما قد يحدث في مستقبلها

    2. شبايك رد

      لو جربت الأمر بنفسك، وعلى مر سنوات، ستقف معي أسفا على حالها… لن تعرف قدر المأساة حتى تجرب بنفسك. الحل شيء لا أملكه، ولا أعرف له حلا سوى التحول إلى شبكة انترنت ومخاطبة المواقع العربية التي تقبل نشر مثل هذه الأخبار، وإلا فالمواقع الانجليزية نقطة بداية لا بأس بها، لكنها ليست الحل بالطبع.

  2. oussama larhmich رد

    موضوع كبير يتكلم عن الصحافة العربية و الاجنبية و خصوصا العالم الجديد منه

    انا معك في مايخص تحكم المعلن في الجرائد،انت بنفسك لو مدير نشر جريدة معينة و طلب منك المعلن الذي يقوم بدفع مايقارب 20% من دخل الشركة ان تقوم بشيء معين فطبعا ستوافق 🙂

  3. عمر خرسه رد

    أظن أن كل دولة عربية سيتواجد فيها صحيفة واحدة تتحكم هي فيما يعرض على صفحاتها وبالتالي ستكون هي المهمة ,بالإضافة إلى بعض المواقع العربية ,وهذا مع المواقع اﻷجنبية سيكون جيدا ,أليس كذلك؟

      1. محمد النحوي رد

        العزيز عمر خرسة والعزيز رؤوف

        هنا قد يكون بصيص نور
        فازت جريدة الوسط عندنا في البحرين بالرقم 15 في جائزة مجلة فوربس الشرق الأوسط لـ “أفضل الصحف المطبوعة حضوراً على الإنترنت” … وهذا الكلام أعتقد بجدية الإنتباه إليه لأني أعرف قمة ومكانة جريدة الوسط في البحرين وحجم تفاعل الناس معها إلكترونياً

        وهنا رابط الخبر مع قائمة أول 25 صحيفة
        http://www.alarabiya.net/articles/2010/10/28/123936.html
        للأسف: لم أجد كامل القائمة – شكلها المجلة تستحق المتابعة والشراء رغم إنها ليست في التخصص

        أخوكم يتمنى لكم النجاح ويسعده تواجده بالقرب منكم
        محمد النحوي

  4. lebanon cat رد

    “كلمة بت و لا عشرة لت”
    مثل لبناني أصيل أثبت جدواه على مر الأيام
    الصحافة العربية “الحرة” = مكبلة
    الإعلام العربي المحايد = ميت اكلينيكياً
    الصحافة الأجنبية = فل الفل يا ست الكل
    الإعلام الأجنبي ” المحايد” = مشكوك بأمره
    إذا نحن في عصر سلطة ليس فقط الحكومات الدكتاتورية و المصالح الإمبريالية ((كلام كبير )) بل أيضا سطوة الشركات العملاقة و العلامات التجارية
    لذلك فطبيعي من الاعلام ((بأنواعه مرئي – مكتوب – مسموع)) الذي هو تجارة و التجارة شطارة تحب الربح لا الخسارة أن تتبع من يعطيها أكثر دولارات “$” و أرباح للمساهمين و الاسهم
    انما ان تنتبه لذوي المشاريع الصغيرة و المتوسطة -عقد الحال- و الذين لا يملكون كمية النقد التي يملكها أصحاب الاعمال الكبيرة فهذا مستبعد
    فأنت إذا ما عرض عليك سمكتان “زبيدي” و “هامور” صغيرة و كبيرة أيهما تاخذ الكبيرة ام الصغيرة….!!
    طبعا الكبيرة – و اتركنامن حديث القناعة و التواضح الذي لا يسمن و لا يغني – فالكبير يحب الكبير.
    اذا ما الحل؟؟؟؟
    على الشاطر أن يستفيد من هذه الشريحة الضخمة و لكن صغيرة الموارد فلو سمعت كلامي – أبلة نظيرة – و تخصصت بتسويق هذا النوع من المشاريع ستكبر فعود لوحده لا يفعل شيئا و لكن بحزمة من الاعواد يمكننا اضرام نار كبير فنتدفأ و ننير المكان – و انتبه سعر صفيحة البنزين 25 جنيه مصري مش استرليني اطمئن….:)

    و المعنى استغل الشريحة الكبرى من المهمشين من أصحاب المشاريع التي عقد الحال – فالحاجة أم الاختراع- و من حاجة أوجدوا مشاريع تلبيها و هم أكثر من يفهم السوق المحلي و الجمهور لأنهم “من الشعب” مش أولاد بشاوات – مع الاعتذار من جلنار هانم السكردار قائم مقام الأستانة و الاسيتون و الايثانول و كل المشتقات النفطية.

    ليست نظرية مؤامرة و انما حسبة بسيطة :
    أولاد البشوات : 1 = ربح كبير = من مصدر واحد.
    الشــــــــــعب: عدد كبير = ربح ضخم = من مصار مختلفة و مننوعة.
    كما ان التنويع مفيد
    فلو سوقت لنجار و حداد و بقالة و حرفي و مثقف و مدرسة و تاجر
    ستكتسب خبرة و معرفة
    أفضل من اذا ما ركزت على شريحة واحدة.
    أليس كذلك؟؟؟… فكر فيا.

  5. أبو فارس رد

    ماتعملته حقا في هذه المدونة هو التمعن في المشكلة والتفكير فيها بعمق ثم إيجاد حل عملي ..

    وما أورده الأستاذ رؤوف هو ( تنبيه عن المشكلة ) وبعد ذلك يأتي دور التمعن والتفكير العميق ، وسنأتي بإذن الله بالحل الناجع للمشكلة ..

    كل ماذكر هنا صحيح وواقعي ، وحتى الاعتراضات كانت في محلها ..

    بدأت أفكر في كلام lebanon cat وأقيسه على الواقع وبمختلف المجالات هل هو عملي أم لا ؟؟

    لا زلت في مرحلة التفكير .

    1. lebanon cat رد

      فكر على راحتك
      بس احسبها صح فايلي متنلنا تعا لعنا مش يكون الواحد مسوق مبتدأ و يكون بدوا يشتغل بشركة عملاقة دغري لا ابدأ مع الصغير بتكبر معوا و بتصير مهم من أهميتوا و نجاحوا من نجاحك
      بينما لو كنت مع الكبير فحيبلعك و حتكون المنافسة شرسة هيدا اذا ما حسبنا المحسوبيات و الرشاوى و هيدا بيحب فلان و هيدا من طرف علان .. يعني راحت عليك يا مسكين.
      فأيهما أفضل ؟؟؟؟؟

  6. Luay Sakr رد

    العزيز شبايك
    بالتأكيد موضوع ذو اهمية
    ولكني اعلق تحديدا على الجزء الخاص بجوجل
    وردي العاطفي هو
    انك تتحدث عن جوجل بكثير من التهكم وذلك ببساطة لاقتناعك بابل
    وانا من مهووسين جوجل وكارهين ابل
    لذلك عند التحدث عن جوجل يجب ان تكون اكثر موضوعية وحياديه

    هذا ردي العاطفي والذي لم ارد به من فترة
    اما وانك قد تطرقت للموضوع بشكل مباشر

    فلك ردي العقلي
    اي نعم
    جوجل تواجهه – من وجهه نظري كمستخدم لخدمة البحث – بعض المشاكل في معادالاتها لتحديد النتائج
    بعض هذه المشاكل ملموس من المواقع الزائفة التي تظهر كنتائج اولى

    من الممكن ان يكون سبب ذلك هو اتجهاه جوجل للتوسع في منتجات اخرى – كثيرة – بحيث اهملت بشكل او بآخر في محرك البحث
    من الممكن ايضا ان يكون القائمين على تطوير محرك البحث قد استنفذوا كل افكارهم الحالية – وللحق هم فعلوا الكثير جدا – ويكفي اضافة بعض الدماء الجديدة للفريق للاستفادة من الافكار الجيدة

    وبنظرة سريعة على وظائف جوجل تكتشف بسهولة ان جوجل تبحث عن مهندسين برمجيات للعمل على محرك البحث

    باقي رأيي الموضوعي
    هو لماذا لا ترسل – او هل ارسلت- آرائك واقترحاتك لجوجل؟؟؟؟
    هكذا علمتنا دائما
    لا تلم غيرك وقم بفعل ما تستطيع فعله

    تحياتي شبايك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *