إدارة الأعمال من الخطوط الأمامية

3٬402 قراءات
21 نوفمبر 2010

حين جلس الكاتب نورم برودسكي على مقعده في طائرة مسافرة من نيويورك إلى كاليفورنيا، تابعة لشركة جت بلو JetBlue، (التي تقدم رحلات سفر اقتصادية بأسعار مخفضة مثل طيران العربية والجزيرة) سمع عبر سماعات الطائرة صوت رجل، يرتدي ملابس فريق المضيفين في الطائرة، يخبرهم أنه ديفيد نيلمان، المدير التنفيذي CEO لشركة جت بلو، وأنه ينتظر فقط إقلاع الطائرة، حتى يقدم بعض المشروبات والأطعمة لركاب الطائرة، ويتحدث معهم لدقائق قليلة.

ما أن انطفأت لمبات ضرورة لبس حزام الأمان، حتى بدأ فريق المضيفين على الطائرة في العمل، وبدأ ديفيد يدفع عربة المشروبات، ويسلم على كل راكب ويقدم له بعض المخبوزات، ويستمع إلى ما لديه من ملاحظات ونصائح وشكاوى من خدمات شركته. كان ديفيد يقضي من 10 إلى 20 دقيقة في كل صف، ولا يوقف راكب عن إتمام حديثه، ثم يشكر الجميع ليمضي للصف التالي. لأن معدل تقدمه كان بطيئا، سارع بقية المضيفين لخدمة بقية الركاب، حتى ينتهي ديفيد ويصل إليهم. بنهاية الرحلة التي امتدت لساعات كان ديفيد قد استمع لكل الركاب.

لكن قبل ذلك يجب أن نتحدث عن شركة الطيران جت بلو، كما يصفها الكاتب الذي أوضح أنه من قدامى عملائها، لأنها وفرت أشياء لم توفرها غيرها من خطوط الطيران الاقتصادية الأخرى، مثل ضمان عدم حجز مقاعد الطائرة لأكثر من عميل، وعدم ازدحام صالاتها لتسليم الأمتعة في المطارات، وتقديم خدمة العملاء لكل وجميع المساعدات الممكنة لحل مشاكل العملاء – وليس فقط دعايات وأكاذيب رسمية، وتعرض شاشات المقاعد بث شبكات التلفزة، وتبلغ كلفة تعديل أي حجز مسبق ربع التكلفة في أي خطوط طيران أخرى، كذلك تقدم الشركة لركابها بعض الأطعمة الخفيفة المجانية – رغم أنها طيران اقتصادي، وغير ذلك الكثير من اللمسات الصغيرة.

ما أن وصل ديفيد إلى صف نورم حتى عاجله الأخير بسؤال، كيف تحصلون على كل هذه الأفكار للخدمات المفيدة، فرد عليه ديفيد، كل ما تراه من خدمات هنا كانت مقترحات قدمها لنا راكبون مثلك على متن طائراتنا. بعدها سأل ديفيد الكاتب عن عمله وعن أي مجلة يكتب فيها، ثم كتب اسمه على ورقة وأكد له أنه سيبحث عن مجلته ليقرأها، وأما الراكب المجاور لنورم فكان رجل مبيعات عرض على ديفيد توفير ما يبيعه على طائرات جت بلو، فأخذ ديفيد اسمه وعينة مما يبيعه، ووعده بأن يرد عليه سريعا. الراكب الآخر شكا لديفيد من أنه غير راض عن ترتيب مقعده، رغم أنه مسافر متكرر على جت بلو. اعتذر له ديفيد وقال أن هذا أمر يجب ألا يحدث مع راكب مثله، وعرض عليه تقديم عنوان البريدي له، لكنه أعتذر أنه قد لا يرد عليه لانشغاله، ولذا يمكنه أن يتصل بشخص آخر ويشرح له مشكلته، ويخبره أنه قابل ديفيد على متن هذه الرحلة.

بعد فترة سأل نورم أحد المضيفين، هل تقابل ديفيد كثيرا أم أن هذه مرة واحدة؟ فرد عليه المضيف، ديفيد؟ إننا نراه كثيرا ويعمل معنا على رحلات كثيرة. حين سأل نورم ديفيد عن معدل تكراره لهذه الجولات التفقدية عن قرب، رد عليه أنه لا يؤديها بالمعدل الذي يوده، لكنه يحرص أن يفعلها على الأقل مرة كل شهر.

وبينما نورم جالسا في مقعده، جاءه صوت ديفيد الواقف بجانبه ليخبره أن هناك راكب آخر على متن الطائرة يعمل في ذات المجلة التي يكتب لها نورم، فسكت نورم متعجبا، ثم رد عليه أنه طالع وجوه أغلب الركاب ولم يجد من يعرفه منهم، فرد عليه ديفيد، هكذا أخبرتني السيدة في المقعد الخلفي، أنك لن تتذكرها، لكنك إذا جئت معي سأقدمك لها، وفعلا سار معه نورم وكانت السيدة تعمل في مكتب المجلة لكن في مدينة أخرى، وكان نورم قد قابلها منذ زمن لكنه نسي ملامحها. هذه الرحلة حملت أكثر من 100 راكب!

وهنا حيث تنتهي القصة.

أكبر عيوب زيادة حجم أي شركة، هو ضعف تواصلها مع العملاء بسبب كبرها. تعال مثلا إلى شركة طيران معتبرة مثل طيران الإمارات، هل حدث معك ووجدت تيم كلارك، مديرها الانجليزي الارستقراطي يجلب معه مترجمين ليتحدث مع ركاب رحلات طائرات الإمارات؟ ماذا عن شركة طيران الخليج؟ هل قرأت أن مديرها الجديد، سامر المجالي، ركب على متن رحلة من رحلات طائراته وسأل الركاب عما يضايقهم في سفرياتهم؟ لعله فعل ولم نقرأ عن ذلك، ويا حبذا لو وجدنا ذلك. هؤلاء المديرون قدموا خدمات متميزة بدون شك، فمنهم من حقق أرباح لأول مرة لشركته، ومنهم من أرسى قواعد شركة من أكبر شركات الطيران في العالم، لكني هنا أتحدث عن خدمة عملاء راقية، لم نر لها مثيلا.

الشاهد من القصة، أفضل الأفكار وأحسن الإضافات التي تقدمها لعملائك، ستأتي من أفواه عملائك أنفسهم. ليس معنى الكلام أن كل فكرة يجب تطبيقها، هذه ستكون القاضية. الهدف هنا هو البقاء أقرب ما يكون من العملاء، ليس من خلال موظف أو مدير، بل مباشرة، ما بين المدير – والعميل والمشتري والمستخدم. لا تترك شيئا يقف بينك وبين عميلك، ولو كان شابا أنيقا لامعا يحمل شهادات تخرج من جامعات أنيقة.

قف على خط المواجهة الأمامي، فالقادة العظام الذين حفروا اسمهم على صفحات التاريخ وقفوا الموقف ذاته.

على الجانب:

  • للأمانة العلمية، بحثت عن مواقف مشابهة لمديري طيران الإمارات و الخليج، فلم أجد، ولعلهم فعلوها ولم أعرف، وأرجو أن يخبرني من يعرف لهم مواقف مشابهة.
  • ديفيد نيلمان تقاعد من شركة جت بلو ليؤسس شركة طيران اقتصادية أخرى في البرازيل.
  • كنت أريد من قرائي الأعزاء أن يرسلوا لي عناوين البريد الإلكتروني لكل من يعرفونهم من صحفيين يعملون في أي صحيفة أو مجلة في أي بلد عربي، لغرض سأفصح عنه قريبا.

[الصورة من ويكيبديا]

اجمالى التعليقات على ” إدارة الأعمال من الخطوط الأمامية 24

  1. كمونة رد

    قصة رائعة لولا أني قرأتها هنا لما تخيلت انها قد تحدث
    مؤكد لو حصل هذا معي لخلقت أسبابا لسفري حتى أسافر على طائرات شركتهم.
    شكرا لك شبايك

  2. Ammar رد

    شكرا لك أخي رءوف
    يمكن الإتصال بالعملاء عن طرق أخرى مباشرة مثل المقابلة الشخصية كما ذكرت و ايضا الاتصال الهاتفي و هناك طرق آخرى غير مباشرة مثل الاستبانات و التغذية الراجعة , أفضل حل هو إنشاء مركز في الشركة متخصص لمثل هذه الأمور مثل مراكز الدراسات و الابحاث .
    و السلام ختام

  3. جابر رد

    موضوع مهم جدا، حقا ينقصنا الكثير منه في محيطنا، أبدأ من نفسي وأحاول قدر المستطاع أن أكون قريبا جدا من العملاء مباشرة فهذا أمر ناجح بالفعل كوني جربته من قبل لكن ليس بتلك الطريقة المنظمة!

    وفقك الله أستاذ رؤوف والسلام

  4. محمود الحوسني رد

    يا لها من قصة جميلة يا استاذ رؤوف ..
    نعم ما قرأت في سيرة احد القادة الناجحين إلا وجدته ..
    شخص يعش خدمة العملاء ويتواصل معهم ..
    من الصعب جدا كما قلت أن تعرف رأيهم دون أن تجلس معهم ..
    قصتك هي دعوة لكل مدير أو قائد ..
    أن يتواضع ويجلس مع العملاء وذلك لمصلحته ومصلحة مؤسسته ..
    للأسف قصص النجاح والتألق لا تحكى إلا عند الأجانب ..
    لأنهم يمجدون العمل ويعشقون التميز ..
    وللأمانة ..
    من يفعل ذلك من العرب .. هو الشيخ محمد بن راشد ..
    لأنه استطاع أن يطور مؤسسات دبي وجعلها فخر للعرب ..
    بسبب نزوله للميدان ومشاهدة واقع المؤسسات ..
    دائما له زيارات تعكس عقلية جبارة وهمة عالية ..
    وهذا ما يجعلنا نفتخر دائما بدبي ..
    أتمنى أن تتكرر قصص النجاح عندنا ..

    كل الشكر والتقدير لك استاذ رؤوف ..
    واشتقنا للجلوس معك ..

  5. عمرو النواوى رد

    عودة مرة أخرى إلى أهمية خدمة العملاء، فهو مفتاح نجاح أي نشاط تجاري أياً كان نوعه.
    يقول أنتوني روبنز إحدى مقولاته: قف في حذائه و انظر عبر نظارته.
    يريد أن يوصل لك أهمية أن تفهم وجهة نظر الآخر .. وهذا في مهارات الاتصال العادية.
    ولكن في حالة خدمة العملاء يجب أن تدع العميل يتحدث، ويا حبذا لو كان العميل من المنصفين غير المبالغين، حتى يستطيع وضع اللمسة الصحيحة على الخدمة المراد رفع مبيعاتها.
    أكثرية العملاء الذين أتعامل معهم، هم إما عملاء قدامى استراحوا للعمل معي أو هم عملاء جدد أتوا عن طريق العملاء القدامى
    ومعظم الشركات التي تعجز عن الصدارة في أي سوق تنظر فقط إلى قدر ما تجنيه من أرباح، ولست أعني هنا أن تتجاهل الأرباح على حساب راحة العملاء، فقد يودي بك ذلك إلى الإفلاس، ولكن أرى أن توازن بين راحة العملاء وجنىّ أرباح معقولة.

  6. محمد عاطف رد

    خدمة العملاء ركن اساسي من اركان نجاح اي شركة

    وكم سمعنا عن شركات افلست او تعانى انخفاض العملاء والمبيعات

    وعندما تبحث عن السبب تجده قصور في خدمة العملاء مما يجعلهم غير راضون عن منتجك

    فقرات في احد كتب د: ابراهيم الفقي أن

    كل عميل راض عن الخدمة والمكان والمنتج يخبر برضاه هذا من 4 : 6 أشخاص اسبوعيا

    و كل عميل غير راض عن الخدمة والمكان والمنتج يخبر بعدم رضاه هذا من 10: 12 شخص اسبوعيا

    ولاتتوقف عمليه الاخبار فكل من علم يعلم زويه ومعارفة بنفس النسب اي ان

    ……………………………………………..خرااااااب بيوت …. …………………………………..

  7. اسلام رد

    قصه ممتازه يستفاد منها عدم اهمال رأي العميل المقدم له الخدمة وضرورة الاهتمام بانطباع العملاء عن الخدمه المقدمه لتطوير وتحسين اداء الخدمه وبذلك تحقيق اعلى نجاح

  8. ] د محسن النادي رد

    اذكر قبل سنه في احد البنوك كان هنالك من يسال المراجعين عن اقتراحاتهم لتحسين الخدمات
    ذكرت اربعه مقترحات
    طبقت واحده
    وهي منع التدخين في قاعة البنك
    لاعلم بعدها انه قرار عام لمنع التدخين في الامكان المغلقه
    هنالك طبعا من اقترح اشياء اخرى
    لم ارى لها اثر منذ عام
    عندنا ممكن ان يسال العميل عن رضاه من عدمه
    ولكن قلّة من الشركات من تفعل ذلك
    والاقل
    من يطبق

    نتمنى حدوث الافضل دوما

    ودمتم سالمين

  9. Maisa Al-Khudair رد

    أخ رؤوف
    قمت بإرسال ايميل لك على العنوان البريدي المذكور في المدونة
    أرجو إعلامي إن قمت باستلامه

    تحياتي لك

  10. عبدالرحمن محمد رد

    سمعت عن شركات تستمع لعملائها بأي شكل كانت رسالة ، مقابلة ….. الخ
    ولكن لم اسمع عن شركات طبقت ماقاله العملاء

    شكرا أ رؤوف عن المقالة

    ودمتم في رعاية الله

  11. swyra رد

    قصة رائعة جدا وفعلا الاستماع الى اراء العملاء واقتراحاتهم من اكبر العوامل لنجاح الشركة وليت شركاتنا

    العربية تعمل على تطبيق مافعلة السيد ديفيد نيلمان ..

    شكرا جزيلا على ماتقدمة لنا من قصص وافكار..

    1. شبايك رد

      دعك من شركاتنا العربية، ما يهمني هو أن يستوعب كل قارئ لمدونتي هذا الأمر، ويطبقه في شركته هو…

  12. شوقى نصر رد

    هذه أول مرة أقرا مقالات المدونة ولك تعليقى……
    نحن أولى بهذه الأخلاق، الاسلام هو الذي أرسها وعلمها للبشرية جميعًا، لكن للأسف نحن العرب ضيعينها وننجي ثمرها، وهذا حقيقى. إنى اتذكر السنة الماضية انى الدكتورة الصينية التى بتدرس لى إتعترفت بذلك
    وقالت بالصينى -الترجمة ” الاسلام هو دين الأخلاق ” – ومع هذا فإنها ليست مسلمة!!!!!

    والعبرة التى حصدت من هذا المقال الرائع ليس أن أفرح واتعجب وأقول هؤلاء ناس فى عالم واحنا فى عالم تانى، بل علي أن أفعل أحسن منه حتى ولو لم أكن مدير تنفيذي…..

  13. ندى رد

    السلام عليكم،
    بداية أود أن أشكرك على تفاعلك السريع مع طلبي 5$ كي يتسنى لي طلب خدمة تصميم مدونة. أما عن عرض خدمة فأنا بالفعل قمت بعرض خدمة الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى العربية، و كل من طلب مني تلك الخدمة كانا طلبين إحداهما من أبوظبي و الآخر من مصر، أظن أن السبب كان سعر الخدمة، ربما وجدا فيه مغالاة مع أني لم أطلب سوى 5$ على كل صفحة “PDF”، مع طلب 5$ إضافية للتدقيق و المراجعة. مع العلم أنني أعمل كمترجمة مستقلة، و أتقاضى على الكلمة الواحدة ما بين 0.5-0.6 فلس حسب حجم المحتوى المراد ترجمته، و حسب المدة اللازمة لتسليم المحتوى. لا أدري كتبت لك الأسعار حتى تفيدني برأيك في الأسعار.
    أما الفائدة الحقيقية التي جنيتها من خمسات، فكان أن طلبت إستشارة من الأخ حازم الجندي، بخصوص إرشادي كي أتخلص من الوظيفة و أبدأ مشروعي الخاص. فوجدت أنسب طريقة لي هي البدء بمدونة عن الترجمة، تعنى بكل ما يخص الترجمة و المترجمين، و قد بدأت بها فعلا و فيما يلي الرابط لها، و لكني أحببت أن تكون ذات تصميم إحترافي من البداية، لا أدري، كم أحتاج لنصائحك!
    http://abouttarjama.blogspot.com/

  14. المبرمج المسلم رد

    السلام عليكم
    تدوينة رائعة شكرا لك اخي رؤوف..
    اليوم وانا اشاهد قناة الشارقة الفضائية شاهدت مقدم الاخبار
    في القناة كثير الشبه بالإستاذ رؤوف 🙂
    تقريبا الساعة 2 الظهر بتوقيت مكة المكرمة.

  15. لما رد

    احلم ان يقترب مني يوما موظف صغير في احدى الشركات الي اتعامل معها وليس مدير عام .. ليسألني عن رأيي في الخدمات المقدمة من قبل شركته 🙁
    انا غير راصية عن العديد من كثير من التعاملات والخدمات !! لكن ما البديل؟

    ع كل حال .. اعجبتني الترويسة الجديدة ” رايقة” 🙂

  16. طاقيه رد

    احنا لو نموت ما احد درا عنا
    متى نشوف الوزرا والرؤساء ينزلون من ابراجهم العاجية ؟؟؟

    اظن انه فالمريخ

  17. مساعد رد

    شكرا رؤوف ..

    مشكلة الإستماع إلى العملاء إنها مكلفة مادياً .. و لو إستمعوا دون عمل ستضرر سمعتهم

    ربما كان هذا سبب إنهم طرشان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *