من مالاوي وعبر الخرطوم إلى أمريكا – قصة نجاح إفريقية – ج1

4٬462 قراءات
29 أغسطس 2010

بمرور الأيام أجد نفسي مكتشفا لتعريف جديد للنجاح، فهو الضوء الذي تخترعه وتفترض وجوده في نهاية النفق المظلم الذي تسير فيه، والذي تجعله يقنعك أن لهذا الظلام نهاية قريبة. النجاح هو أن تقنع نفسك أنك تقترب من هدفك رغم مقاومة عقارب الساعة لك، ورغم انخفاض معنوياتك وانعدام البشائر. النجاح هو أن تستمر في طريقك بقوة وعزم وتفاؤل، غير مكترث لاحتمال موتك قبل أن تبلغ هدفك.

في أكتوبر 1958، بدأ الشاب ليجسون كايرا Legson Kayira رحلته من أدغال قريته في نياسلاند (الاسم القديم لمالاوي قبل تحريرها من المحتل الانجليزي) في شرق إفريقيا، وكان عمره إما 16 أو 17 سنة، فلا أحد يعرف، فأبويه جهلا القراءة والكتابة والتسجيل. كان زاد ليجسون في رحلته الحالمة تفاصيل كفاح بطله ابراهام لينكولن الذي خرج من رحم الفقر ليكون رئيس أمريكا، ثم أعاد للعبيد حريتهم رغم تبعات هذا القرار. تعرف ليجسون على لينكولن من الكتب التي جاءت بها مدارس الإرسالية التبشيرية إلى بلاده، وهناك حيث عقد صداقات مع العاملين فيها وتعرف منهم على أمريكا وثقافتها، وأكمل دراسته الثانوية.

أراد ليجسون لنفسه أن تكون ذات رسالة خير مشابهة، لكنه قبلها كان بحاجة لأن يتعلم ويتثقف، وهو أدرك أن لا مكان أفضل من أمريكا ليحصل على هذه العلوم. لم يكن ليجسون وقتها يملك أي شيء من حطام الدنيا، ولم يكن يعرف كيف يصل إلى أمريكا، كل ما عرفه أن عليه بلوغ مدينة الإسكندرية أو بورسعيد في أقصى الشمال ليركب منها سفينة يعمل على ظهرها حتى تصل به إلى أمريكا. حتى بعدها لم يكن يعرف ماذا سيفعل، أي جامعة تلك التي ستقبل به؟ كذلك حال بينه وبين تلك السفينة أكثر من ثلاثة آلاف ميل، وأراض يسكنها عدد لا حصر له من القبائل المختلفة ذات اللغات المتباينة.

فعل ليجسون عندها الشيء الجميل الذي يجب أن نتعلمه منه، وضع وراء ظهره كل هذه العوائق والمشاكل، وانطلق في طريقه، رغم أنه لو تعلل بأي عذر لكان ذلك مقبولا منه، فهو الفقير المعدم، في مكان متأخر مئات السنين عن ركب الحضارة. بعد حصوله على موافقة والدته، خرج ليجسون حاملا في يده فأسا، وخريطة إفريقيا والعالم، وبطانية، وبعد مرور أيام خمس، كان قد قطع 25 ميل فقط ودخل أراضي تنجانيقا (تنزانيا حاليا)، ونفد منه طعامه وقل ما معه من ماء، وتوجب عليه اتخاذ القرار المصيري: هل يعود أدراجه – أم يكمل الطريق المجهول؟ عندها قطع ليجسون على نفسه وعدا كان مفعولا: لن يتوقف حتى يصل أمريكا، أو يموت محاولا ذلك!

استمر ليجسون في السير، تارة مع الغرباء، وفترات طويلة وحيدا، وتارة على هدي قضبان القطارات التي لم يملك مالا ليركبها، وكان يدخل كل قرية على حذر خشية أن يكون أهلها معادين، وتارة سمح له البعض بالمبيت ونفحه بعض الطعام والشراب، وفي أحيان كثيرة كانت السماء لحافه وأغصان الشجر سريره، وأخذ اللحم يقترب على العظم من قلة الشحم والدهن، حتى سقط ليجسون صريع المرض الشديد. عندها بدأ عقله يشكك في دوافعه وجدوى رحلته، لكنه دفع عنه الشك بأن عاد ليقرأ سيرة ابراهام لينكولن. في مواقف كثيرة عمل ليجسون حمالا، وكان يشتري بأجره بعض حبات الموز ويرسل بقية المال إلى أمه ليساهم في نفقات تعليم إخوته.

مر خمسة عشر شهرا قبل أن يصل ليجسون إلى كمبالا عاصمة أوغندا، دخلها بعدما اندس وسط مجموعة من الأطفال إذ أنه لم يكن يحمل أوراق ثبوتية، وهناك حيث عمل في وظائف مختلفة، مع عكوفه في المكتبة العامة يطالع كل الكتب التي قد تساعده على بلوغ هدفه. عثر ليجسون على مركز معلومات أمريكي ملحق به مكتبة عامة مجانية، حيث وقع على كتاب مصور يضم غالبية الجامعات الأمريكية، ليقع اختياره على كلية / مدرسة تبدو ودودة لتشابهها الكبير مع مدينته التي خرج منها، Skagit Valley College على بعد 60 ميلا إلى الشمال من مدينة سياتل.

بقية القصة ستجدها هنا.

اجمالى التعليقات على ” من مالاوي وعبر الخرطوم إلى أمريكا – قصة نجاح إفريقية – ج1 20

  1. احمد الصوفي رد

    قصة مشوقه لا نرها الا في القصص اعتقد انها سوف تكون افضل ماكتبت يارؤوف استمر ولقئنا بعد السحور

  2. السملالي عندال رد

    2 بداية مشرقة

    لدي ملاحظة بسيطة ، ربما يشاركني فيها بعض قراء المدونة , أحيانا أبحث عن تدوينة بعينها فيطول الوقت في البحث ، فهل من سبيل إلى تسهيل ؟ أيضا أثناء بحثي في الأرشيف أفاجأ بتدوينات دسمة لم أقرأها من قبل ، فلو كانت هناك أرشفة بعناوين التدوينات لكان أفضل من أرشفة الشهور ، على الأقل ستكون العناوين معبرة أكثر من الإحصائيات ، واقترح ان تكون تدوينة تحمل اسم “مواضيع سنة 2009 ” مثلا ويجري تثبيتها ، وأظن أنها ستعين القراء على العثور على مواضيع اختفت داخل هذا الزخم . ولك جزيل الشكر

  3. د محسن النادي رد

    ضحكت من قصة النواسيخ
    وتذكرت مشكور
    والناقول
    …….يبدو اننا امام قصة تعلمنا الكثير
    ننتظر غدا لناظره قريب
    ودمتم سالمين

  4. المهند السبيعي رد

    بشوق للتمة، وأود الآن أن أقرأ سيرة ابرهام لنكلن، طالما أنها ألهمت شخص معدم من أفريقيا الجائعة فالبتأكيد ستلهمني أيضا، بورك قلمك رؤوف.

  5. نواف رضوان رد

    انا أقرأ المدونة ومواضيعها منذ زمن، اكمل يا رؤوف كتاباتك التي تتحفنا دائما ونتشوق لها مرارا وتكرارا

    اشكرك جزيل الشكر
    تقبل مروري

  6. جاسم رد

    القصة تستحق ان ارجع لقراءتها بعد السحور …. (تشويق جميل ومرغوب في بعض المرات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *