في ضيافة تايبيه

5٬384 قراءات
24 أكتوبر 2008

للوهلة الأولى، ستظن أن تايبيه مدينة غير مزدحمة بما يكفي، حتى تهبط إلى بطن الأرض، في أروقة ومسارات مترو الأنفاق، وعندها ستلجم الصدمة والمفاجأة لسانك، فهناك عالم آخر يعيش تحت الأرض، عالم أكثر حرصا على النظام والطوابير، ويكاد الغيظ يقتلك وأنت ترى جميع الركاب يقفون بانتظام في طابور على رصيف المحطة في المكان المخصص لانتظار قطار المترو، الذي إن جاء مكتظا بالركاب، وجدت الناس لا تتقاتل على الركوب، بل تقف بدون قلق، فالقطار التالي سيأتي بعده بلحظات، مثل عقارب الساعة، وهو حلم كل من سيركب مترو أنفاق القاهرة…

في محطة قطار تايبيه الرئيسية، والتي جمعت بين التقاء خطين من خطوط مترو الأنفاق، وخط السكة الحديد، نزلنا إلى سوق تحت الأرض، اسمه إيزي مول (Easy Mall) والذي امتد (تحت الأرض) ما بين عدة من المحطات تحت الأرض، على مسارين للمشاة، على ضفتي كل مسار سلاسل تكاد لا تنتهي من المحلات الصغيرة، عجت في بدايتها بالأنتيكات والتذكاريات، ثم الملابس والكتب، ثم لعب الفيديو وجميع مستلزماتها (تايوان تتبع المنطقة 3 في الترميز، ولذا فبعض لعبها لن تعمل في منطقتنا) وأفلام الأنيمي الصينية واليابانية، ثم بعض المكونات الإلكترونية الدقيقة والهواتف النقالة، ثم بالطبع محلات الطعام. الفكرة أكثر من جميلة، ولعل أكثر ما لفت انتباهي الكتب الصينية، التي تبدأ من اليمين لليسار، ومن أعلى لأسفل، لكن الأجمل من هذا أسعارها، والتي تراوحت ما بين 5 إلى 10 دراهم، لكتب سمينة ملونة ومليئة بالصور، ولعل هذا يعطينا تفسيرا للنهضة التايوانية، التي أراها تقوم على شعب يحب النظام ويحب القراءة والعمل بما تعلم.

بعده زرت مبنى كامل لمكونات أجهزة الكمبيوتر في شارع الكمبيوتر، ارتفع على قرابة أدوار سبعة، تجد فيه كل ما تشتهيه وله علاقة بأجهزة الكمبيوتر، وقد عثرت على مروحة تبريد كبيرة وسريعة وهادئة، استعملتها لعلبة حاسوبي الذي كان يعاني من حرارة زائدة، بقرابة 28 درهما، وبالتجربة وجدتها خفضت الحرارة بشكل عام قرابة 6-8 درجات مئوية. سعدت كذلك للكم الجميل من وسائل الدعاية والتسويق المبهرة المطبقة هناك، وبكم الشباب الصغير الذي كان يصول ويجول في المبنى، لكن الملاحظة الأكبر أن الإناث غلبن الرجال وبفارق كبير، سواء في جانب المشترين أو البائعين، وقد اشتريت حافظة بلاستيكية لجهاز PSP فوجدت البائعة خبيرة في تاريخ سوني وما ينفع وما لا ينفع، وعرضت علي صنوفا متعددة حتى وجدت ما لا يدمر ميزانيتي كثيرا، ورغم ضعف إنجليزيتها، لكنها فهمت مرادي بسرعة وقدمت لي بالضبط ما أريده! كذلك عثر صحفي رافقني في هذه الزيارة على بطارية (غير أصلية) لكاميرا قديمة كان يحملها، وهو الذي كاد ييأس من العثور على بديل للبطارية الأصلية، وقد أكد لي أن البطارية عملت بكفاءة خلال اليومين التاليين.

قبعت جزيرة تايوان تحت الحكم الياباني حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وباستسلام اليابان تحررت الجزيرة، بعد جذب وشد مع الصين، لكني لمست في شبابها هوسا بكل ما هو ياباني، فهم يلبسون مثلهم ويطلقون شعورهم تشبها بهم، كما أن برامجهم التليفزيونية الشبابية تقلد تلك اليابانية، لكني حزنت لما وجدت لدى بعضهم من تسيب واستهتار، خاصة التدخين من أفواه صغار السن من الجنسين، لكن ما سعدت له وتساءلت عنه فهو الإصرار على التمسك باللغة الأم، وقلة الاكتراث بتعلم الانجليزية، وهو ما لم أجد له عندي مبررا سوى رؤية لديهم أنهم ليسوا بحاجة لهذه اللغة، ولما لا وتايوان (ذات التعداد السكاني 23 مليون نسمة) تأتي في المرتبة الثالثة في سباق أكثر الدول تسجيلا لبراءات الاختراع على مستوى العالم، بعد ألمانيا واليابان.

من توفيق الله أن كان الفندق الذي نزلت فيه (هاورد بلازا) قريبا من المسجد الكبير المقابل لحديقة دان، حتى أني سرت على الأقدام إليه، ووجدته مقابلا لحديقة غناء شاسعة، يمارس فيها كبار السن رياضتهم، وتجد الشباب يجري في محيطها.  لعلي كنت أقارن بينه وبين المسجد الذي صليت فيه في هونج كونج، لكني أعجبت بنظام المسجد التايواني، وعرض مواقيت الصلاة خارجه، وصحن قاعة الوضوء.

جالسني في عشاء صحفي إيطالي يكبرني بنحو عشرين عاما، وأخبرته عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن روما ستصبح مسلمة يوما، فقال لي الرجل برد فاجأني أنه يعتقد أن ذلك سيحدث فعلا، فهو غير راض عن أخلاقيات إخوانه من المسيحيين الإيطاليين وقلة تمسكهم بأمور دينهم، وحكا لي عن مجموعة من الطلبة المسلمين الذين درّس لهم منذ فترة من الزمن، وحدث يوما أن أهدتهم جهة ما بعض الحلوى، فما أن قرأ هؤلاء الطلبة على مكونات العلبة أن مشتقات الخنزير داخلة فيها، حتى رموها كلهم (جزاهم الله خيرا)، وهو تصرف جعله يعجب بالتزام المسلمين  وبالإسلام.

في الختام، كانت هذه الزيارة مثل المفاجأة السارة، ساقها لي الله دون جهد مني، وأدعو الله أن يرزقني يوما زيارة كوريا الجنوبية وسنغافورة، وأن أعود لأكتب لكم عما وجدته فيها، فلا تنسوني من صالح دعائكم…

اجمالى التعليقات على ” في ضيافة تايبيه 23

  1. وسيم رد

    آسيا الشرقية تزدهر يوماً بعد يوم , بعقول أبنائها والتزامهم الشديد بالنظام .

    رحلة موفقة أخي العزيز , وإن شاء الله نصلي معاً في روما .

  2. برستيـج رد

    بارك الله فيك أخي شبايك

    جميل ماعملت مع الصحفي الايطالي . أتمنى لك التوفيق واتمنى له الهدايه بإذن الله

    لك تقديري واحترامي .

  3. د محسن النادي رد

    الاخ شبايك
    جزاك الله رحلة اخرى لما تحب وتشتهي
    ورزقنا الله واياكم الحج
    قول امين

    لم افهم
    (((((((لعب الفيديو وجميع مستلزماتها (تايوان تتبع المنطقة 3 في الترميز، ولذا فبعض لعبها لن تعمل في منطقتنا)
    انا لا اهتم كثيرا بلعب الفيديو
    لكن الامر لفت نظري

    ودمتم سالمين

  4. سعيد رد

    اللهم ارزقه سفرا ممتعا وشعوبا مختلفة وطرقا سهلة وفنادق مريحة وشنطا خفيفة
    اللهم اكفه شر متسولى السياحة
    واكفه نصابين السياح
    اللهم ارزقه اكلا طيبا على سفر ومطعم عربيا الا اذا كان بيحب يجرب اكل برة
    اللهم دله ولا تتوهه
    اللهم علمه بعض كلمات كورية وصينية واسيوية حتى يستطيع التواصل بسهولة
    اللهم ارزقة تاكسيا غير ثرثارا ولكن يعلم كيف يكون دليلا
    اللهم رجعه رجوع الظافرين الغانمين بعلم ينفع وصور تلمع ينشرها فى مدونته لنا يارب العالمين
    اللهم اكثر سفرياته الى اراض الشرق والغرب
    اللهم ارزقه طيران سلسا وممرا يسرا ومطارا امنا
    امين

  5. salim رد

    تايوان و كوريا و اليابان صنعت المعجزات بالإرادة القوية
    و التنظيم الجيد

    نتمنى لكم التوفيق في رحلتكم

  6. سليم رد

    السلام عليكم
    الأخ شبايك …
    يبدو أنك ستنزع عني لقب الحائر أخيرا بعد أن عجز الكثير عن ذلك
    و يبدو أنني سأجد الطريق لأثبت وجودي و أبرز ما أظن أنه قدرات في باطني .
    أتمنى من الله ان أستمر معك و ألا يكون كلاما أقوله نتيجة حماس زائد مني تفاعلا مع كلامك السلس و أفكارك الرائعة ووارداتك المتميزة … في الحقيقة أنا بعيد تمام البعد عن عالم القراءة رغم حبي له و عزمي على دخوله و خوض غماره ، لكن يجب بإذن الله تعالى ألا أؤجل ذلك بعد وصولي لمدونتك بعد عناء بحث طويل و فعلا ” لرب صدفة خير من ألف ميعاد ” فقد وجدت مدونتك صدفة و أعجبت بك صدفة و اندهشت بشخصيتك صدفة و أتمنى ألا تستمر الصدف حتى أجد نفسي بعيدا عن مدونتك و أرجع للبحث عن الطريق من جديد…
    هل تعرف أخي ! أنت مبتغاي … نعم لو تجولت في خيالي لعرفت أن كل تفاصيل شخصيتك محفورة في ركن من مخي كهدف من أهدافي المستقبلية بل و الحاضرة أيضا … أكتب كلماتي هذه و أنا متمنيا أن أتعرف عليك أكثر و لا ادري هل أترك كتاباتك و تعليقاتي تعرفنا على بعضنا البعض أم أطلب منك المراسلة بيننا حتى تنشأ بيننا علاقة صداقة خاصة و أنني أفتقر لصديق على درجة من الثقافة مثلك و هذا ما تسبب حتما في توليد شعور الضياع في نفسيتي و لو بتردد بسيط …
    فأتمنى أن أستمر معك و مع كتاباتك بأي طريقة ترضيك و تنفعنا ، و في الآخر تقبل أسمى عبارات التقدير و الإحترام مني ……………………………………………………………………أخوك سليم الجزائري

  7. يوميات مذيع رد

    أتمنى من الله عز وجل أن يرزقني زيارة لتلك الدول… أعشق نظامها وحبها للمعرفة والعلم… وأدعو الله أن يهدي أهلها للإسلام.
    يوما ما سأقدم برامج وثائقية عن تلك الدول إن شاء الله

  8. مصطفى كمال رد

    من علامات تقدم الدول انها تهتم بالمبانى التى تقيم فيها دينها طبعا بغض النظر عن كون المواطنين متدينين ام لا ولو انك طبقت هذا على الدول الاسلاميه لوجدت ما يندى له الجبين ناهيك عن ضعف المشايخ والمؤذنين

  9. الكون رد

    اخي شبايك :
    مقالة رائعه من شخص رائع مثلك اخي شبايك
    اقرأ بين الفينة و الاخرى هذه المدونة التي اعتبرها علامة فارقة في المدونات العربية ككل

    تحياتي

  10. أبوزياد رد

    السلام عليكم

    تقرير رائع ، بارك الله فيك يا أخ رؤوف على السرد الجميل
    سبق لأخي الكبير زيارة سنغافورة وتايبيه وماليزيا وانبهر كثيراً بما هم فيه من التقدم
    والتمسك بالنظام والأخلاق مع الغريب والقريب والبعيد وهو ما نفتقد كثيراً منه في بلادنا الإسلامية مع كل أسف

    تحيتي لك وأسأل الله أن يعطيك مرادك

    🙂

  11. علوش رد

    “ويكاد الغيظ يقتلك”

    بالفعل، شعرت بالغيظ، ليس على النظام والترتيب، انما على هذه المدينة الموجودة تحت الأرض، بالرغم من أنني أعشق الشمس، لكن هكذا سوق سيكون رائع للشتاء، في حلب ما إن ينزل المطر حتى ولو كان زخة بسيطة حتى تتفشكل المدينة، لا مواصلات ولا أسواق، والجميع يركض ويلتزم المنزل.

    سوق تحت الأرض دافىء في الشتاء بارد في الصيف سيكون مذهل للتسوق ولا أعتقد أنه أحد سيمّل منه، عدا عن ذلك ثوان معدودة وتكون في قطار المواصلات لتعود لمنزلك.

    فعلاً شعرت بالغيظ.

  12. محمد بدوي رد

    اعذرني أخي رؤوف , نويت التعليق ولكن الاخ سعيد – رد رقم 4 – قد سرق الاضواء و اضحكني بسبب دعائه , وانا ازيد وفقك الله لما يحبه ويرضاه

  13. shadi nagi رد

    وفقك الله في رحلتك يا رؤوف
    وياريت يكون اول ملخص بعد العودة عن دونالد ترمب
    وربنا يحفظك في سفرك
    وترجع بألف سلامة انشاء الله

  14. الخنساء رد

    الحمدلله على السلامة أولا

    تسجيل براءات الاختراع نتيجة منطقية لأمرين تحدثت عنها:

    أولها الالتزام بالنظام والذي يشكي منه أي زائر لاي بلد “نامي”

    الاهتمام بالكتب والقراءة والثقافة وانتشار محلات بيع الكتب

    بالنسبة لعدم الاكتراث باللغة الانجليزية اتوقع بسبب جودة المحتوى في الكتب و وفرة العناوين وايضا ربما حرصهم على الترجمة السليمة الواضحة لكل جديد

    زيارة موفقة

  15. شبايك رد

    د. محسن
    حتى تتمكن الشركات من بيع نسخ مختلفة من منتجاتها وبأسعار مختلفة، قسمت العالم إلى 6 أقسام، وصممت أجهزتها التي تبيعها بحيث لا تشغل إلا الكود الذي برمجته الشركة للمنطقة الذي باعت الجها فيه، فمثلا أفلام DVD تجد أن عليك شراء ريجين 2 أو منطقة 2 لكي يعمل الفيلم في المشغل، وإلا ستجد رسالة خطأ تقول لك أن هذا الفيلم غير صالح للعمل في المشغل لديك، وكذلك ألعاب الكونصول، فاللعبة التي تشتريها من أمريكا لن تعمل على PSP اشترتيته من الشرق الأوسط….

    سعيد
    ولك ما هو أكثر من ذلك آمين 🙂

    سليم
    لا تركز على شخصي فتعود حائرا يوما ما، بل ركز على ما أطرحه من أفكار، كذلك لا يدفعك إعجاب لعدم وضع ما أقوله تحت منظار الفحص والتدقيق والنقد، فما أنا إلا بشر ضعيف، يحتاج لعون إخوانه إذا ضل الطريق 🙂

    مذيع
    وفقك الله لذلك، ونفع بك ونفعك، آمين.

    مصطفى كمال
    ليت الأمر كان بهذه السهولة، فما فائدة الجماد – بل الأهم في الأساس هو الناس، المؤمنين المطبقين!

    علوش
    لماذا لا تحاول أن تقنع شخصا ما بتنفيذ فكرة مماثلة في سوريا؟ أتمنى لو كان لي يد في تنفيذ فكرة كهذه في بلد من بلداننا 🙂

    محمد بدوي
    الله أدعو أن يرزقك السياحة في ارضه، وأن أرى كتابك يوما ويحمل اسم مذكرات مسافر في الأرض 🙂

  16. ابوالقاسم ابراهيم المحسي رد

    ليس لدينا حتي شوارع كويسة. يا امة ضحكت من جهلها الامم. في
    اطار الامنيات- نتمني وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
    -ان ننجح كافراد ومجتمعات وما زال الطريق طويلا والعقبة كؤؤد و
    الجهاد واجب للارتقاء بالنفس والامة الفرق شاسع ولكن مع العمل
    والامل لا ياس ولا قنوط ولا انكسار ولكن لابد من العمل الجاد ..لابد
    من زيارة البلاد الاخري للتعرف علي عادات وتقاليد الشعوب الاخري
    واخذ المفيد منها والذي لا ينفع مردود… وفقك الله استاذي ووفق
    جميع القراء…
    ودمتم صالحين

  17. ابوالقاسم ابراهيم المحسي رد

    تنظيم فريد فوق الارض وتحت الاعرض وفن في العرض ..
    السؤال متي نصل هل نحن في الطريق الصحيح للوصول؟ ام اننا نغرد
    خارج السرب ؟اسئلة في حاجة الي اجابة…
    ودمتم صالحين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *