مارك سبنسر ، مليونير المصادر المفتوحة

9٬415 قراءات
1 أبريل 2006
مارك سبنسر ، مليونير المصادر المفتوحة

في حقبة الستينات من القرن الماضي، فضلت والدة مارك (أستاذة اللغة الفرنسية) سبنسر الرحيل عن مصر وثورتها، مهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تزوجت بأمريكي (أستاذ مادة التربية) واستقرت هناك، ثم رُزقت بابنها مارك ( Mark Spencer) في 8 أبريل 1977. في رغبة قوية في الحفاظ على أواصر العلاقات الأسرية، أصر جد مارك على مجيء الأحفاد في كل إجازة صيف إلى مصر لقضاء بعض الوقت هناك مع الأهل وللتعرف على مصر وطبيعتها.

اللقاء الأول مع مارك سبنسر

ذات يوم رجعت فيه من جولتي التقنية إلى الشركة التي كنت أعمل بها في مدينتي الاسكندرية في نهاية التسعينيات، لأجد عبقري كمبيوتر واعد منكفئ على حاسوبه النقال يكاد يفتك بلوحة المفاتيح في كتابة سريعة للغاية ودون النظر للمفاتيح، وجدته جالساً في الغرفة التي كنت أشغلها مع بعض الزملاء. وقتها، اشتهر صاحب الشركة التي كنت أعمل بها بأنه مغناطيس يجتذب إليه عباقرة الكمبيوتر المحليين، ولولا الخوف من الغرور لقلت أن هذا سبب موافقته على تعييني لديه، ولذا لم أعجب من تواجد عبقري كمبيوتر آخر في مكتب الشركة.

ماركو، السابق لزماننا

كان ماركو (كما أحب أن نناديه) شديد الاختلاف، فهو كان في المرحلة الثانوية وقتها وهو كان خبير وعبقري نظام التشغيل اللينوكس يسير على قدمين، وهو ساعدنا في حل كثير من مشاكل ويندوز 95 رغم تحامله على مايكروسوفت بصفتها قاتلة الإبداع. بزغ اختلاف ماركو من كونه جادُا طوال الوقت، يأخذ كل كلمة على محمل الجد، وهو يأس من تكرار إبداء امتعاضه من كثرة الهزل بيننا في الشركة، وهو كان مستعداً للأخذ بيد الجميع إلى عالم لينوكس، وساعدنا على تحميله على كثير من الأجهزة – لكننا وللأسف، كنا قد أدمنا ويندوز. لقد كان ماركو سابقاً لزمنه – مقارنة بنا في مدينة الإسكندرية.

طريقة مارك سنبسر لحل المشاكل

بقيت على اتصال مع ماركو بعد عودته لبلاده في الشتاء، وكان دائم الدعوة لنا لهجر ويندوز إلى عالم لينوكس. حصل ماركو على منحة جامعية شاملة في ذات الجامعة التي يعمل فيها والديه، وتعمق في دراسة لينوكس وتطويره. في هذه الأثناء كان ماركو يعاني من كثرة أصدقائه الذين يستعملون مختلف برامج الدردشة (ام اس ان، ياهو، آي سي كيو،…) للبقاء على اتصال مع بعضهم البعض. كيف يحل ماركو هذه المشكلة؟ انكب على تصميم برنامج Gaim الذي يسمح للمستخدم – من خلال نافذة واحدة- بالدخول على جميع خوادم برامج الدردشة في وقت واحد، دون الحاجة لتنزيل كل برنامج على حدة.

تطبيقات مفتوحة المصدر على الدوام

مبادئ ماركو الثابتة تصر على مشاركة مصدر أي برنامج يصممه مع غيره من الناس، عملاً بذات الروح التي عليها قام نظام التشغيل لينوكس، وهي سياسة أثبتت جدواها، إذ سرعان ما شاركه الكثيرون حول العالم في تطوير البرنامج فنقلوه ليعمل على غالبية أنظمة التشغيل، واستمروا في تطويره ليواكب كل جديد في عالم برامج الدردشة في وقتنا الحالي. وقت كتابة هذه السطور وصل عدد مستخدمي Gaim لقرابة اثنين مليون مستخدم.

مشكلة مصرية تمهد لنجاح عالمي

لا أجزم لكني أؤمن بأن مشاكل رداءة خطوط الاتصال الهاتفية في مصر كان لها الفضل على ماركو، الذي كان مدمن إنترنت، ولذا تعين عليه خلال إجازته الصيفية المتكررة التعامل مع أجهزة المودم مباشرة لكي يقنعها بأن تبقى على اتصال برغم المستوي المزري لخطوط الهاتف في مصر، هذه الخبرة بنى عليها حين قرر إنشاء شركته الخاصة لتقديم الدعم الفني لنظام اللينوكس. هذا بالإضافة إلى ولعه بهندسة تصميم الدوائر الإلكترونية –بالطبع!

شركته الأولى

أثناء دراسته الجامعية أنشئ ماركو شركته الجديدة لتقديم الدعم الفني لمستخدمي نظام لينوكس، لكن واجهته مشكلة ابتدائية بسيطة، فهو بدأ شركته برأس مال قدره 4 آلاف دولار فقط، وبالتالي فهو لا يستطيع شراء سنترال داخلي لتلقي اتصالات العملاء الهاتفية وتولي أخذ الرسائل الصوتية (كان النظام الذي يريده ماركو يكلف 10 آلاف دولار). انكب ماركو على برمجة الحل الأمثل لمشكلته: برنامج النجمة Asterisk والذي يعمل على نظام لينوكس ويحتاج لبطاقة مودم وخط اتصال هاتفي واتصال بشبكة إنترنت. ما هي أيام حتى انتهى من النسخة الأولية من البرنامج، الذي طرحه بالمجان على إنترنت مع توفير مصدره في عام 1999. لم يكن ماركو وقتها مُركزاً جل اهتمامه على النجمة، ليس بعد.

المرونة وإلا الفشل

مع انتهاء فورة إنترنت وإفلاس الكثير من شركاتها، قل الطلب على خدمات ماركو لدعم لينوكس، الذي اضطر في ربيع 2001 من تحويل جل اهتمامه من تقديم الدعم الفني إلى خدمات الاتصالات عبر إنترنت. في نهاية 2001 كانت شركة ماركو تبيع عتاد اتصالات متوافق مع برنامجه النجمة، وما هي إلا بضعة شهور حتى بدأ العمالقة يفسحون المجال لعملاق جديد بينهم. بدأت شركة إنتل في بيع بطاقات اتصال متوافقة مع برنامج النجمة، وأما آي بي إم ذات العلاقات القوية مع شركة سيسكو -عملاقة إنتاج أجهزة الاتصالات، فحافظت على علاقة قوية وطيبة مع ماركو، فهي عرفت أن المستقبل له.

انتهى المآل ببرنامج النجمة اليوم بأن تم تحميله أكثر من نصف مليون مرة خلال فترة قصيرة نسبيا، وبدأت الكثير من الشركات حول العالم في الاعتماد عليه. توفير شيفرة مصدر البرنامج جعل 350 مبرمج من حول العالم يضيفون للنجمة أكثر من 100 بريق (وظيفة). في عام 2005 أعلنت سيسكو عن نتائج دراسة أجرتها على أكبر 100 شركة استخدمت النجمة عوضاً عن منتجاتها، وهي وجدت أن الثبات والإنتاجية الغزيرة والدعم الفني القوي والتطوير المستمر والخدمة الممتازة هي أهم أسباب انتقال العملاء، وليس فقط انخفاض التكلفة.

وقتها، كان برنامج النجمة يتيح لمن يستخدمه توفير قرابة 80% من تكلفة شراء عتاد الاتصالات الهاتفية في أي شركة، وهو يوفر خدمة الاتصال الهاتفي عبر إنترنت، ويمكن توصيله بأي سنترال تليفوني في أي شركة، وهو برنامج شديد المرونة قابل للتخصيص ليتوافق مع أي متطلبات للعملاء. تستخدم شركة الكهرباء الجنوبية الأمريكية برنامج النجمة في الرد على الاتصالات الهاتفية وتحويلها إلى رسائل نصية يتم إرسالها إلى أصحابها عبر الهواتف النقالة.

شركة ديجيم Digium التي أسسها ماركو في عام 1999 توظف أكثر من 50 موظف وتدر أكثر من 10 ملايين دولار سنوياً مقابل مبيعات عتاد اتصالات يوفر المزيد من الخدمات عبر برنامج النجمة، ومقابل خدمات الدعم الفني وخدمات تخصيص البرنامج لصالح العملاء.

أثناء دراسته الجامعية عمل ماركو بدوام جزئي في شركة متخصصة في تصميم وبيع أجهزة الاتصالات الداخلية (سنترالات) لمدة سنتين. بعدما صمم برنامجه النجمة باع سُبع شركته إلى ذات الشركة مقابل نصف مليون دولار. من يسير في جنبات شركة ماركو يجدها منشأة في مكان إيجاره قليل، تحتوي على أجهزة كثيرة وقد شقت بطونها وتناثرت أحشائها على مكاتب الموظفين الذين يحبون اختبار كل ما هو جديد، لكي يأتوا بالجديد.

ألاحظ على وجوه الكثير من الشباب العربي حين أحدثهم عن التفاؤل والهمة والمجيء بالجديد تساؤلات عن الجديد الذي يمكنهم المجيء به، واليوم أقول لهم، ماذا عن نسخة نجمية عربية؟!

مقالات ذات صلة:
فتاوى قرصنة البرامج ما بين الافتراض والواقع

موقع برنامج النجمة

اجمالى التعليقات على ” مارك سبنسر ، مليونير المصادر المفتوحة 17

  1. المبدع العربي رد

    ما شاء الله
    بالفعل أفكار رااااااااائعة جداً

    سؤال.. يعني ماركوا هو صاحب برنامج جيم الشهير؟؟
    وهل هو إلى الآن يهتم به ويطوره؟

    وهل هو صديقك يعني المتحدث في المقالة هو انت وهو صديقك؟

    جميل جداً كلامك

    وان شاء الله يتطور الشباب العربي للوصول لأعلى وأرقى المستويات

  2. shabayek رد

    نعم، ماركو هو من بدء تصميم برنامج جيم، لكنه الآن تركه لجيش من المطورين يتولون أمره، لكن هذا لا يمنعه من كونه أول من بدأ تصميم البرنامج وصاحبه.

    نعم، عرفت ماركو عن قرب، وكان حافزاً لي لمزيد من التعلم وبذل المحاولات، لكني لم أحاول بما يكفي على ما يبدو!!

    الشاهد هنا هو التدليل على أهمية عدم القرصنة، والتي تؤدي للإبداع في النهاية.

  3. المبرمج رد

    قصة عجيبة بالفعل !

    إذن مبتكر Gaim لينوكسي المذهب؟
    جميل جدا .. لكن أي توزيعة من لينوكس العديدة التي دعاكم إليها وركبها لكم وقتها؟

  4. shabayek رد

    وهل تظنني أتذكر؟؟

    ممممم ،، إن لم تخني الذاكرة فلقد كان يحمل جميع النكهات التي توفرت وقتها، وهو كان يراودنا عن ريد هات وبعض الأسماء الأخرى التي توقفت الآن.

    نعم هو لينوكسي المذهب، لكني أرى تلك الجملة لا تفيه حقه، فهو حر المذهب، يرى ضرورة مشاركة المبرمجين لأعمالهم البرمجية مع بعضهم البعض…

    لا زال لي أصدقاء مبرمجين يحبسون برامج لهم صمموها منذ ردح من الزمن، وهم يأخذون ولا يعطون، لكني أراهم إلى انقراض، وأضع أملي في الجيل الجديد، وأراك منهم يا طيب (الجيل الجديد أقصد!).

  5. المبرمج رد

    أظنه كان يدعوكم إلى ماندريك وسوزي ونحوهما وربما ريدهات وسلاكوير، لكن ريدهات وقتها كانت مهتمة بالمزودات أكثر من اهتمامها بالمستخدمين المكتبيين والمنزليين.

    كنت للأسف ممن يحب كتم الأعمال والفوائد عن الغير في السابق نظرا لتأثري بالأفكار المايكروسوفتية، وذلك قبل تعرفي وانفتاحي على عالم المصادر المفتوحة و الذي أصابني الانبهار بحفاوة أهله وكرم أخلاق أصحابه.

    بالمناسبة .. قمت بالتمعن قليلا في موقع البرنامج المذكور (Astrisk)، ثم اتصلت بأحد أصحابي من العاملين في برمجة السنترالات فلم يعرفه للأسف..
    لكنني سوف أحاول البحث عن المزيد من التفاصيل حوله، وقد أبدأ في تجربته ـ إن استطعت ـ لا سيما وأمره يهمني في بعض الأعمال.

    ختاما .. أشكرك على المجاملة اللطيفة، وأرجو أن أكون ممن يدخل في ذلك الأمل.

  6. شبايك رد

    نعم نعم، تذكرت سلاكوير وريدهات… وربما ماندريك!

    في رأي الخاص، دول الخليج تمر بوفرة نقدية الآن، وما ارتفع منحنى بياني وإلا كما ارتفع انخفض

    لذا أرى أن برنامج النجمة لا عائد مجري منه اليوم، فالعملاء معهم النقود وسيهتمون بالبرامج ذات الشهرة…

    وهو ما يعطيك الفرصة لكي تتعلم برنامج النجمة وتحوله للغة العربية وتتقنه، ثم عندما يبدأ المنحنى في الهبوط، ستبدأ الأعمال في ضغط النفقات والبحث عن التوفير، وهنا حيث يأتي دورك…

    أنها فكرة، اقتلها بحثاً واجعلها مشروعك الجانبي المستقبلي…

  7. الفهد رد

    مبدع

    فى اختيار السير

    كنماذج للشباب

    مع الفارق ولكنها نماذج بشرية واقعية

    وشكرا يابلدياتى

  8. Hassan ahmed رد

    حقيقة تفخر الامة الاسلامية بمثلك ويعتز الشاب العربي وخاصة المصري بهذا …………

  9. Hassan ahmed رد

    اما دبي فنعم البلد لطالما وفرت المناخ والبيئة المساعدة لنهوض المفكرين والجادين المجتهدين امثالكم
    داعين اللة لكم بالتوفيق

  10. محممد على رد

    أنا فعلا يوم بعد يوم بيزيد اعجابى و اهتمامى و ايضا ادمانى لموقعك هذا الموقع الذى وقعت عليه اعينى صدفة رمانى عليها جوجل و ما احسن هذة الصدفة .انا كنت اعتقد انى الوحيد الذى يهتم بتطوير نفسه و يحاول فعل شئ فى هذة الدنيا نافع لنفسه و لامته إن شاء الله بعد امتحناتى ما تخلص انا لازم اضع موضوع لرد جزء من هذا الجميل الذى اغرقتنا به وهو عملك لهذة المدونة.و السلام عليكم

  11. ماجد الحمياني رد

    أخي العزيز .. لقد صدرت عدة نسخ من astrisk

    فهناك على سبيل المثال
    AsteriskNOW

    وelastix
    وغيرها تقريبا 5
    وبعضها يتم توفيره مع عتاد بشكل مدمج

    كنت منذ أخبرني أحد الأصدقاء بهذا النظام ، بالبحث والقراءة والتجربة (البسيطة)
    فرأيت أفضلها من حيث (التجميع والسهولة)
    وelastix

    فما رأيك .. ؟

    أخيراً .. أين أجد دورات تدريبية لهذا النظام ..

    وهل اجد مهندس متخصص يقوم بإعدادات النظام لمؤسستي

  12. أنس عماد الدين رد

    انا اول مرة اقرا التدوينة ده

    كانت مستخبية فين ؟؟ في اعماق المدونة

    عرفت نظام استريك او النجمة كما تسميه من محاضرة تعريفية به في كلية الهندسة لطالب اصغر مني بعدة سنوات يعشقه

    كل ما فهمته من المحاضرة المتخصصة .. انه به ملف الصوتيات للمجيب الالي الذي يجيبنا “عفوا الرقم غير متاح بالخدمة ”

    انا مصدوم ان صاحب السيستم ده عاش في مصر ولو لأيام ؟ دولة قتل الاحلام والابداع

    شاهد عدد مستخدمي اللينكس في مصر هذه الايام يزيد يوما بعد يوم

    تدوينة كلها امل لمستقبل المصادر المفتوحة

    في اول التدوينة ظننت انه حقق دخلا من برنامج الشات الذي قام ببرمجته

    لكن اصاب بصدمة حين اكتشف انه مبرمج نظام استريك .. !!

  13. عائشة رد

    اعجبتني مقولتك منذ اربع سنوات …..يبدو انك ممن ينظر بنور الله *ــ*…
    زادك الله نورا ورزقا حسنا

    في رأي الخاص، دول الخليج تمر بوفرة نقدية الآن، وما ارتفع منحنى بياني وإلا كما ارتفع انخفض

    لذا أرى أن برنامج النجمة لا عائد مجزي منه اليوم، فالعملاء معهم النقود وسيهتمون بالبرامج ذات الشهرة…

    وهو ما يعطيك الفرصة لكي تتعلم برنامج النجمة وتحوله للغة العربية وتتقنه، ثم عندما يبدأ المنحنى في الهبوط، ستبدأ الأعمال في ضغط النفقات والبحث عن التوفير، وهنا حيث يأتي دورك…

    أنها فكرة، اقتلها بحثاً واجعلها مشروعك الجانبي المستقبلي…

    رد

    1. شبايك رد

      أشكرك وأدعو الله أن أكون كما ظنك بي، وبخصوص تعريب النجمة، سبقنا إليها من هم أنشط منا 🙂 فالتعريب متوفر بالفعل ولهذا البرنامج وكيل في دول الخليج يبيعه ويسوق له في المنطقة العربية بالفعل 🙂

  14. منتصر عثمان رد

    شكرا جزيلا الاستاذ شبايك نسال الله لك الاجر العظيم و السداد فى مساعيك من اجل المساهمة فى رفع الوعى و الروح المعنوية للشباب العربى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *