الفرصة تنتظر من يستغلها، في كل وقت ومجال

طلب مني موقع عرب هاردوير كتابة مقالة لمجلتهم التقنية، وأردت لها أن تكون ذات علاقة بالتقنية والنجاح، فكيف ذلك؟ عدت بالذاكرة للوراء، أيام الصبا والطفولة، وتذكرت واقعة طريفة تركت أثرها البالغ في حياتي. بدأت رحلتي مع الحواسيب المنزلية /الشخصية في الثمانينيات متمثلة في سنكلير 48K ZX Spectrum وكانت تلك الأجهزة تعمل على شاشة التلفاز، وتعتمد على أقراص الكاسيت للتحميل والتسجيل. مرت السنوات حتى بدأت ذات مرة تحميل لعبة من شريط الكاسيت، وفجأة وجدت الشاشة أمامي تعرض بعض الجمل وتطلب مني بدء اللعب – رغم استمرار التحميل!!

جرت العادة في هذه الأيام على الانتظار لمدة 4-5 دقائق حتى الانتهاء من تحميل اللعبة، وإذا كان مشغل الكاسيت غير مضبوط على الوجه الصحيح، ربما فشل التحميل وتوجب إعادة التحميل مرة أخرى. شغلني هذا الأمر كثيرا، كيف يمكن لحاسوب بدائي أن يفعلها؟ هذه كانت بدايات عصر الكمبيوتر الشخصي، وكان تنفيذ أمر واحد على الوجه المطلوب بنجاح سببا كافيا للاحتفال، فكيف بمن يفعل شيئين في وقت واحد. بحثت طويلا حتى وقعت يدي على مجلة إنجليزية تشرح هذا الأمر.

جلس أحدهم يفكر، كان تحميل اللعبة يستغرق قرابة 80% من قدرة المعالج على معالجة البيانات. هذا الشخص قال لماذا لا استغل العشرين بالمائة المتبقية، خاصة وأن نظام التشغيل البدائي كان قد حمل بالفعل برمجيات التعامل مع لوحة المفاتيح ومع الشاشة، وبالتالي كان كل شيء معدا ينتظر من يستغل الفرصة. وما أن ظهرت أول لعبة توفر لعبة إضافية لشغل وقت اللاعب الذي ينتظر انتهاء فترة تحميل اللعبة، حتى تبعتها ألعاب أخرى. كنت لتتمتع باللعبة الإضافية أكثر من التي تعمل على تحميلها. هذه الحادثة تدفعني دائما للتساؤل: كم من 20% غير مستغلة تنتظرنا، ويمكن عن طريقها ترك الدهشة والإبهار.

القصة الثانية كانت في التسعينيات، بعدما ترقيت إلى الحواسيب العاملة بمعالج انتل، وكنت لتوي اشتريت معالج سيليرون 333 ميجا هرتز وبدأت ابحث في طرق زيادة سرعته، وبينما أدردش في قناة تقنية وأشكو لمن فيها عن زيادة حرارة المعالج حين أزيد من سرعته، فأشار علي أحدهم ببرنامج Rain لتبريد المعالج!! لم أصدق النصيحة، لكني جربتها، وكانت النتائج غير متوقعة! كانت العادة أن رفع السرعة يؤدي لارتفاع سريع في حرارة المعالج وما هي إلا دقائق حتى يتوقف الجهاز تماما. بعد تشغيل برنامج التبريد، انخفضت الحرارة عن المعتاد قبل رفع السرعة!

مرة أخرى عدت للقراءة في هذا الأمر، ووجدت مرة أخرى أن أحدهم فكر في سبب زيادة حرارة المعالج، ووجد أن الإشارة الكهربية تدخل إلى قلب المعالج فتمر في عدد كبير من دوائره، رافعة من درجة حرارته. هذا الشخص فكر في طريقة بسيطة، عوضا عن مرور الإشارة في ربوع المعالج، سيعمد إلى الطلب من المعالج تنفيذ أمر يجعل الإشارة تخرج بسرعة ولا تبقى داخله طويلا. النتيجة كانت عظيمة، انخفاض متوسط درجة حرارة المعالج. مع انتشار شهرة هذه البرامج، انتبهت انتل و مايكروسوفت لهذه الفكرة البسيطة، وبدأت كل شركة تنفذها من جانبها، فلم يعد لهذه البرامج التأثير الكبير، لكنها السبب في توفير طاقة المعالجات وخفض حرارتها… وهي تبقى فكرة تدفعنا لطرح السؤال: كم من الأشياء البسيطة لم ننتبه لها، وهي التي لها الأثر الكبير؟

الفكرة الثالثة والتي أختم بها هي حين تساءل أحدهم: بعدما بلغت بطاقات العرض / فيجا كارد مبلغا عظيما في سرعة معالجة بيانات المطلوب عرضه على الشاشة، فماذا سيحدث لو استخدمنا هذه البطاقات في معالجة البيانات المعتادة، وهو ما حدث فعلا، بداية في مجال الاختراق ومحاولة كسر الشيفرات وتخمين كلمات المرور، وفجأة أصبح ما كان يلزمه مرور عام أو أطول لكسره، يحتاج فقط لمصفوفة بطاقات عرض وهذا البرنامج، وسويعات على الأكثر، لكسر الشيفرة. (لهذا لا تستعمل كلمات مرور ذات عدد قصير من الحروف، تخمين كلمة مرور ذات 12 حرفا تتطلب ببرنامج مثل هذا بعض الثواني!).

في مكان ما، في مجال ما، في مشكلة ما، تقبع الفرصة تنتظر من يكشف عنها. هذه الفرصة يجدها من يفكر بطريقة غير تقليدية، طريقة لا تتقيد بالقيود المعتادة التي نعيشها يوميا ونقبل بها… فهل وجدت فكرتك؟

14 thoughts on “الفرصة تنتظر من يستغلها، في كل وقت ومجال”

  1. أسعدك الله يا ا. رؤوف و أبارك لكم التصميم الجديد من فتـره لم أزره هذه المدونة الجميلة .. للأسف

  2. تدوينة رائعة اخي رءوف
    خلاصة التدوينة فكر بطريقة لا يفكر بها الاخرون فلكل مشكلة حل
    جزاك الله خيرا على التدوينة الرائعة
    بالتوفيق

  3. الفكرة في بساطتها. اثناء دراستي حين نقترح فكرة لمحاضر كان يجيبنا: فكره ممتازه لكن بسطها.
    احد المحاضرين ذو اسم لام وعالمي جاء لرجل بدوي عجوز امي. واخذ يساله اسئلة عديدة كنت معه الصراحه ظننته يضيع وقته تردد عليه كثيرا. بعدها اخذ يتحدث عن نظريه في الاداره واستغلال الوقت ويشيد بذلك العجوز لقد تعلمها منه. قوة ملاحظة لامور بسيطة.
    كنت مره استمع الى اذاعة عربيه وكان يتحدث ممثل ومخرج عن تجربته في الخمسينات مع تسجيل تمثيليه في مبنى الاذاعة. واحتاجوا تسجيل صوت خلفية مشي. ولم يكونوا يملكوا تسجبل. فاحتار الجميع ودار وطال النقاش بين مهندس الصوت والمخرج لا حل للاشكال. هل يقتنوا من اوروبا تلك التسجيلات؟
    تقدم عامل النظافه وطلب الانصراف فرفضوا تسريحه الا بعد حل الاشكال واكمال التسجيل.
    فاقترح عليهم احضار لوح خشبي والسير عليه فيسمع الضجيج اكثر. وهكذا تحل المشكله. فاندهش القوم وطبقوا الفكره .وعاد العامل البسيط الى بيته.
    بعد مرور زهاء نصف قرن. تحدث المخرج بدهشه واستغراب كيف استطاع العامل البسيط حل الاشكال رغم انه لم يتعلم؟
    في الحادثتين تفكير مختلف كيف استغل كل من الشخصين افكار الناس البسطاء.
    ووجد الفكره الاول بحث عنها في الناس البسطاء والاخر بعد مرور نصف قرن ما زال بغباءه مستغربا كيف حل لهم الاشكال.
    كم من طاقات دفينه لم تر النور لعدم وجود التوجيه والرعايه. اقترح عليك اخ شبايك انشاء زاويه او حتى موقع للافكار والاقتراحات

  4. مشكور على التدوبنة المفيدة ……… بالطبع علينا أن نبحث في كيفية تطوير الأشياء واستغلال الوقت المهدر

  5. أعجبتني هذه الكلمات
    كم من الأشياء البسيطة لم ننتبه لها، وهي التي لها الأثر الكبير؟
    كم من 20% غير مستغلة تنتظرنا، ويمكن عن طريقها ترك الدهشة والإبهار 🙂

  6. مدونة طيبة ومتميزه .. فعلا التفكير بطريقة مغايرة بعيده عن النمطية هي لربما المفتاح الامثل للعثور على الاشياء النادرة والجديده التي لم تسكشف بعد.
    لكن شخصية الفرد الشرقي مياله بطبيعتها لسلوك الاساليب النمطية التكرارية .. خوفا من الخطا
    هذا الخوف هو شي متجذر فينا مع الاسف.
    بارك الله فيك .ز لاني اجد فيك خير معين لتخطي واجتياز النمطية والتكرار في اعاده اكتشاف الحياه.
    جعهلها الله في ميزان حسناتك.

  7. هناك مقولة ان الانسان العادي البالغ يستخدم 5% فقد من قدرات دماغه اذا ماذا تبقة من 95%
    للاسف حتى 0.1% الانسان العربي لا يستخدمها فهو يفضل مشاهدة برنامج سياسي او مسلسل تركي على ان يأخذ دروس او دورات في مجال يحبه و تساعده على تحريك “البطيخة” الراقدة في راسه

    و اما هذه الحوادث فهي تذكرني بالمثل العربي الحاجة ام الاختراع

    ولما كنا في حاجة لأمور كثيرة لماذا لا نعمل على حلها وخير مثال على ذلك موظفة أمريكية بسيطة تعمل على الالة الكاتبة – قبل عصر الحواسيب – ضاقت ذرعا بان تعيد طباعة كلما أخطأت بشئ لذى وعندما كانت تضع طلاء الاظافر خطر في ذهتها لماذا لا تستعمل مادة كهذه لمسح الاخطاء المطبعية وفعلا عمدت لتطوير و الدمج بين طلاء الاظافر ومواد اخرى حتى ابتكرت مزيل أبيض للحبر وجربته في أحد الايام على وثائق كانت تطبعها حتى صححت الخطاْ ومررتها للمدير ووقعها دون أن يلاحظ الفرق
    وبعدها لاحظ الموظفون ما فعلته و اصبحوا يشترون منها هذا المنتج حتى وصل الخبر لاحدى الشركات العملاقة التي اشترت منها حقوق الاختراع بـ 47.5 مليون دولار والذي كان يعتبر مبلغا كبيرا تلك الايام

  8. مهارات التفكير الإبداعى ..

    إنها إحدى أهم المهارات التى ينبغى أن تكون ضمن أهم ما يتعلمه أبناء الأمة إذا ما أردنا مكاناً فى المستقبل بين الأمم

شارك بتعليق