موقع أرقام و طارق العسيري

كانت بداية طارق العسيري مع انترنت في عام 98، بعدما أنهى دراسته الجامعية، عبر موقعه الأول عنكبوت، والذي استمر معه لمدة 9 شهور، والذي كان من أوائل مواقع جلب عناوين الأخبار من المواقع الأخرى، وكان بمثابة التجربة التي علمته الكثير، لكن بلا خطة عمل أو رؤية مستقبلية.

بعد التخرج في عام 1997 جاءت وظيفته الأولى في شركة السعودية للكهرباء في الخبر، والتي كانت في هذا الوقت تجري عمليات تقييم لأدائها كشركة، ووجد القائمون عليها أنهم بحاجة لسد النقص الواضح في مهارات كثيرة، ثم جاءت خطوة دمج شركات الكهرباء في السعودية معا، والتي أدت إلى ضم العديد من الخبرات الإدارية والكفاءات معا، وصاحبها جهود تدريبية للعاملين في الشركة، نال منها بطلنا نصيبا موفورا.

طارق العسيري

كان عام 2000 موعد سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في رحلة حرص ضمنها على حضور معرض كومدكس في كاليفورنيا، وكان أن حضر محاضرة لبيل جيتس، العقل الأمريكي الذي أنشأ شركة مايكروسوفت، والذي تحدث يومها بحرارة عن الكمبيوتر اللوحي (تابلت بي سي) وكيف أن المستقبل له.

على أن من ضمن أكثر ما أثر عليه كانت مقولها سمعها من عبقري الإدارة، توم بيترز، والذي قال، على كل منا أن يعمل في شبابه بجهد، حتى إذا بلغ 35 عاما، لم يكن بحاجة لأن يعرف عن نفسه، بل تسبقه الشهرة ولا يكون بحاجة للحديث عن نفسه وإنجازاته في الحياة.

وحدث أن طلب منه صديق في عام 2003 أن يساعده في كتابة السيرة الذاتية (CV) له إذ كان على موعد في اليوم التالي ليتقدم إلى وظيفة كان يريد الفوز بها، وكان المردود إيجابيا للغاية، إذ نال صديقه الموافقة، ولذا لم يدخر جهدا في نصح بقية أصدقائه بهذا الكنز الذي وقع عليه.

شيئا فشيئا، توسعت دائرة الطالبين لخدماته، ولما زاد العدد، بدأ في وضع ثمن لخدماته، بدأت بحد 200 ريال، ثم 300 وحتى 500.

هذه المرة، أراد خوض التجربة بشكل أكثر حرفية، ولذا نشر إعلانا في الجريدة، بشكل يومي ولمدة أسابيع ثلاثة، نتج عنه زيادة عدد العملاء بشكل كبير، شكل كان من الحتمي معه طلب إجازة طويلة من العمل، من أجل تجربة الانشغال التام بهذه الفكرة الجديدة، لكن الأمور تطورت حتى بات من الحتمي الاستقالة من الوظيفة مع نهاية عام 2003.

الاستقالة من الوظيفة

كان الجزء الأصعب في هذه الاستقالة هو عدم قدرته على إخبار الأهل بهذه المغامرة التجارية، ولذا كان يمارس نشاطه انطلاقا من مقهى ستاربكس، حيث يبدأ مع قهوة الصباح وقراءة آخر الأخبار، ثم يبدأ العمل على السير الذاتية للعملاء، ومقابلة من جاءه منهم، ومكالمة من تعثر عليه رؤيته.

أما أكثر ما عاد عليه من فائدة من هذه التجربة فهو الخبرة الكبيرة، عبر إعداد ما يزيد عن 1700 سيرة ذاتية، ومقابلة الكثير من الشباب الناشئ، الأمر الذي جعله يكون قاعدة كبيرة من المعارف في عالم الأعمال.

أكثر ما لاحظه خلال عمله هذا كان الإحباط الكبير لدى جمهرة شباب الخريجين، وعدم الثقة بالنفس، لكن على الجهة الأخرى، لم يتخلف أحد من عملاءه عن دفع مقابل خدماته، نعم تأخر بعضهم في السداد، لكنهم سددوا في النهاية، حتى أن بعضهم سدد أكثر من السعر المتفق عليه،

من إعجابهم بخدماته، التي امتدت لكتابة النشرات الترويجية التسويقية وسابقة الأعمال وما شابه، وحملته خارج السعودية في بعض الأحيان.

لماذا لم يتحول إلى شركة رسمية ويعين من يعينه على تلقي المزيد من الطلبات؟

لعلها كانت الورقيات الرسمية الإلزامية الكثيرة، والأروقة الحكومية الطويلة، التي كان عليه تلبيتها والسير فيها من أجل الحصول على ترخيص تأسيس شركة تعمل في هذا المجال.

في هذا الوقت، كانت البورصات العربية في أوج مجدها، وكان أخوه الأكبر يبحث عن موقع اقتصادي مالي تحليلي باللغة العربية، ولما لم يجد أراد أن يصممه هو بنفسه، وبدأ يبحث عمن يعينه على تحقيق مشروعه هذا، ومن أفضل من أخيه الأصغر طارق العسيري

كان البداية مع معرض جيتكس 2004 في رحلة البحث عمن يستطيع تصميم وتطوير موقع كهذا، لكن الأكثر أهمية كان وضع تصور عام للفكرة، وخطوات تحويلها من فكرة إلى واقع.

هذه الرحلة استلزمت رأس مال يستثمر ويصبر حتى تعطي فكرة كهذه ثمارها، وهو ما توفر عبر أصدقاء شاركوا بحماسهم لفكرة كهذه.

لماذا دبي لا السعودية؟

بسبب صعوبة الحصول على ترخيص في وقتها، وللحلول عن قرب من مصادر المعلومات وصناع القرار، جاء القرار باختيار دبي لتكون مقرا للشركة.

الطريف أن طارق العسيري أكد أنه لو كان ليؤسس الشركة اليوم، لاختار السعودية دون تردد، بعدما تحسنت شروط تأسيس الشركات هناك، ومع الغلاء المستمر في أسعار إيجارات دبي.

بعد تقديم خطة العمل والتسويق، وبعض الانتظار القصير، جاء قرار الموافقة على الشركة وبدأ وقت العمل الفعلي.

كانت أوائل الخطوات البحث عن جميع مصادر المعلومات الاقتصادية والمالية، وتعيين بعض المحللين الماليين، والبدء في تصميم وتطوير الموقع فعليا.

كانت أوائل المشاكل التي واجهته (وحتى اليوم!) صعوبة العثور على كاتب القصة الاقتصادية، من يأخذ الخبر الاقتصادي والرقم المعلن عنه ويصيغه بطريقة القصة. لعلاج هذه المشكلة، قرر البدء بتدريب الشباب العربي.

الكفاءات ترحل سريعا

ثم بدأت مشكلة المشاكل التي تواجه كل الشركات، عربية وغيرها، العثور على الكفاءات، ثم إقناعها بالبقاء، فالبعض من عرب خريجي الجامعات غير العربية سارعوا للعمل في الشركة، لكنهم كشفوا عن أنفهم من الكتابة باللغة العربية، وسعادتهم بالكتابة بغير لغتهم الأم، ولذا رحلوا بحثا عن شركات تلبي لهم ذلك، ثم واجهته مشكلة تعيين شباب بدوا مبشرين بالخير، ثم كشفت الأيام أنهم غير ذلك، مثل كوادر عملت في مواقع اقتصادية عربية شهيرة، لكنهم لم يحققوا المطلوب منهم.

هذه المشاكل دفعته لفتح فرع للشركة في السعودية، ليكون بمثابة مزرعة للأخبار، وظيفته جلب وتوفير المعلومات والأخبار الاقتصادية.

بعد حل مشكلة خلق الخبر الاقتصادي، جاء دور التركيز على تصميم الموقع وآلياته، فمن جهة، لم تتخيل الشركة التي قبلت تصميم الموقع كم العمل والجهد اللازم لتصميمه، كما بدأت تضج من طلبات التعديل والتطوير، وبدأت لا تولي المشروع الاهتمام الكافي، ورغم صعوبة القرار، وبعد قضاء أكثر من العام في تطوير الموقع، لكن كان الوقت قد حان للتحول إلى فريق تطوير مواقع آخر، أكثر حرفية وفهما لمتطلبات موقع مالي عربي، والبدء من جديد.

انهيار البورصة

شهد التحول لفريق تطوير جديد، في عام 2006، بدء انهيار بورصة دبي، تزامنا مع استعداد الموقع للإطلاق، في نهاية شهر رمضان / نوفمبر من هذا العام.

هذا الانهيار لم يكن الوقت الأفضل، ولذا جاء القرار بأن يكون الإطلاق الفعلي في 10 مارس 2007، لكن قبلها بقليل أرسل طارق العسيري، رسائل شخصية، من بريده الشخصي، إلى كل من عرفهم خلال العامين الذين قضاهما في العمل على الموقع، داعيا إياهم لزيارة الموقع والتعرف على قدراته.

مع اعتماد طارق العسيري على التسويق بالمديح الذي يكيله كل من شاهد الموقع وأعجب بما يقدمه، لكنه في الوقت ذاته حرص على توفير معلومات مالية لم تكن متوفرة من قبل، مثل أسعار النفط الفورية، وتقارير البتروكيماويات الأسبوعية، وتحليل ما وراء الخبر الاقتصادي ونتائج الشركات وقوائمها، وكانت البداية موفقة ومبشرة.

لعل الخطوة الأهم في مسيرة طارق العسيري هي جمعه للممولين والمستثمرين الذين اقتنعوا بمشروعه، وأمدوه بالمال اللازم ليبدأ على أسس سليمة، وكذلك إدارته لفرق العمل وحل المشكلات التي تواجه المشروع الواحدة تلو الأخرى، وعدم التردد في حل مشكلة كبيرة من أساسها، ولو كان معنى هذا العودة لنقطة البدء من جديد!

رابط موقع أرقام

إضافة في 2012: أخبرني طارق العسيري أن من ضمن مواقعه السابقة التي توقف عن تجديدها كان موقعا أسماه خمسات، بثلاث سنوات قبل أن أختاره أنا ليكون اسما لموقع خمسات الحالي.

إضافة في 2017: شكرا لمعلق مجهول، أخبرنا أن شركة العربية للوسائل استحوذت على حصة 51 % من شركة “أرقام” مقابل 37.5 مليون ريال (الخبر من المصدر)

صورة توقيع اتفاقية الاستحواذ على أرقام - طارق العسيري الأول من اليمين
صورة توقيع اتفاقية الاستحواذ على أرقام – طارق العسيري الأول من اليمين

27 thoughts on “موقع أرقام و طارق العسيري”

  1. سمعت مقتطفات عن هذه القصة من صديقي عادل الا آنه رفض اكمالها لي .. لذلك أنا في شوق لقراءة ما تبقى منها يا رؤوف:)

  2. تحية حب وتقدير لصديقنا ( طارق )
    يبدوا أن هناك المزيد من خبايا تلك المغامرة الجريئة .. ننتظرها بشغف ..
    الجميل فى القصه أنه امتلك قسطا كافيا من الخبرة ومعها قسطا أكبر من الحماسة .
    وهما معا كفيلين لتحقيق المستحيل

    هيا بنا نسبق الدنيا
    الى الامام

  3. اعرف طارق شخصياً.. تفاصيل التطورات مثيرة فعلاً و خصوصاً اتخاذه خطوات جريئة يصعب على الكثير اتخاذها .. و الاهم في مشواره هي العزيمة و التضحية و عدم الاستسلام للواقع.

    الله يوفقك يا طارق و شكراً لك يا رؤوف

  4. يسعد صباحك أخي رؤوف

    أنا بانتظار تكملة هذه القصة التي تبدو انها رائعة

    شكراً لك

  5. قصة جميلة عايشت بعض من أحداثها من خلال رؤيتي لطارق يحكي لنا عن أفكاره الجديدة واذا به يطبقها على أرض الواقع كمن يرسم لوحة فنية تبدأ بفكرة ثم يتم خطها على اللوحة. انسان مبدع ويستحق كل النجاح والتقدير.

  6. فكرة ممتازة جدا جدا
    والفكرة راودتني بشده في الفتره الماضيه حيث جائتني التجربه بالعكس
    فدخلت على المواقع المتخصصه في السير الذاتيه وتعملت منها الكثير وفكرت فعلا في بداية المشروع
    وقد اسال الاخ طارق لعابي
    وسأبدأ في تنفيذها قريبا
    وشكرا على هذه القصه الرائعه

  7. [ أما أكثر ما عاد عليه من فائدة من هذه التجربة فهو الخبرة الكبيرة، عبر إعداد ما يزيد عن 1700 سيرة ذاتية ]
    ألا تلاحظ معي: أن هذا الرقم مبالغ فيه نوعاً ما؟؟

    الأخ شبياك: أرجو التكرم ببريدك الالكتروني، بغرض السؤال عن الحقوق الفكرية لمؤلفاتي. وشكراً.

  8. المبدع
    دعنا نحسبها، هو عمل في هذا المجال ما بين السنتين إلى الثلاثة، يعني قرابة 500 يوم عمل، وبقسمة بسيطة نجد أن المطلوب إعداد 3 سير ذاتية وكسر كل يوم عمل، فهل تظن هذا الأمر كثيرا؟ أما أنا فأرى هذا الرقم قليلا، وكان بإمكانه قراءة المزيد…

    ريم
    لطارق مدونة يسميها عجبني، يمكنك التواصل معه عبرها…

  9. بارك الله فيك أخى الكريم
    وجزاك عنا خير الجزاء
    بالفعل هناك حاجة شديدة لمثل هذه المقالات الدافعة والمحفزة
    جعلها الله فى موازين حسناتك
    أخوك
    محمد الجرايحى

  10. مبروك لــــ طارق العسيري تم بيع حصة من الموقع تعادل النصف تقريبا ب عشرة ملايين دولار ..وهذا الخبر

    شركة أرقام الاستثمارية التجارية المحدودة، الشركة الرائدة في مجال تقديم المعلومات المالية والاقتصادية وتغطية أسواق الاسهم في السعودية والمنطقة، عن توقيعها اليوم الثلاثاء 17 أكتوبر2017 عقدا مع شركة العربية للوسائل – إحدى الشركات التابعة والمملوكة بالكامل لشركة الابحاث والتسويق- لتستحوذ بموجبه شركة العربية للوسائل على حصة 51 % من شركة “أرقام” مقابل 37.5 مليون ريال.
    الرابط
    https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/509899

شارك بتعليق